الشرق الأوسط يتغير من حول إسرائيل… هل بدأت ملامح محور إقليمي جديد؟

الشرق الأوسط يتغير من حول إسرائيل… هل بدأت ملامح محور إقليمي جديد؟
لم تعد المواجهة في الشرق الأوسط تدور فقط حول الصراع المباشر بين إسرائيل وإيران، ولا حول عدد الصواريخ التي يمكن لكل طرف إطلاقها أو اعتراضها. فخلف المشهد العسكري المتسارع، تجري عملية أكثر هدوءاً وأعمق أثراً: إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في المنطقة.
وفي هذا السياق تكتسب التحذيرات التي أطلقها اللواء الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك أهمية خاصة، ليس لأنها تصدر عن شخصية عسكرية إسرائيلية فحسب، بل لأنها تكشف عن قلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن تكون إسرائيل منشغلة بمواجهة أخطارها الحالية، بينما تتشكل حولها تدريجياً بيئة إقليمية جديدة قد تكون أكثر تعقيداً.
بريك: التحول لا يتعلق بإيران وحدها

في مقال نشره بريك في صحيفة «معاريف»، يرى أن الشرق الأوسط يشهد تحولاً استراتيجياً كبيراً، مع تقارب قوى إقليمية كانت في مراحل سابقة متنافسة تاريخياً، مشيراً بصورة خاصة إلى تركيا ومصر ودول المشرق في مواجهة إسرائيل.
والأكثر أهمية في كلامه هو تحذيره من أن تركيا تسعى إلى استعادة نفوذها الإقليمي عبر دعم إعادة بناء الجيش السوري وتعزيز تحالفاتها مع السعودية وباكستان ومصر، وصولاً إلى تشكيل محور إسلامي قادر على مواجهة إسرائيل.
هذه العبارة لا ينبغي قراءتها باعتبارها إعلاناً عن قيام تحالف عسكري مكتمل الأركان، لأن الواقع الإقليمي أكثر تعقيداً من ذلك. لكنها تكشف عن هاجس إسرائيلي واضح: ماذا لو تحولت العلاقات المتزايدة بين هذه الدول إلى تنسيق استراتيجي طويل الأمد؟
هنا تحديداً تكمن أهمية التصريح.
فالقضية ليست أن تركيا ومصر والسعودية وباكستان أصبحت كتلة عسكرية واحدة، وإنما أن تقاطع المصالح بينها يمكن أن ينتج معادلة جديدة حتى من دون إعلان تحالف رسمي.
لماذا تمثل سوريا نقطة حساسة في الحسابات الإسرائيلية؟

عندما يتحدث بريك عن إعادة بناء الجيش السوري، فهو في الحقيقة يضع يده على واحدة من أكثر النقاط حساسية في المعادلة الجديدة.
فسوريا ليست دولة هامشية في الجغرافيا الإقليمية. موقعها يجعلها حلقة وصل بين تركيا والعراق ولبنان والأردن والبحر المتوسط، كما أنها تقع مباشرة في قلب التوازنات الأمنية التي ترتبط بإسرائيل.
لذلك فإن إعادة بناء جيش سوري قوي ليست مجرد مسألة داخلية سورية.
إذا حصلت دمشق على دعم عسكري وتقني من تركيا، ورافق ذلك انفتاح عربي ودعم سياسي واقتصادي من دول أخرى، فإن سوريا يمكن أن تستعيد تدريجياً جزءاً من دورها كقوة مؤثرة في المشرق.
وهنا يصبح تحذير بريك أكثر وضوحاً.
فهو لا يخشى فقط من قوة الجيش السوري بحد ذاته، وإنما من أن يتحول الجيش السوري إلى جزء من شبكة إقليمية أوسع.
وهذا فرق جوهري.
إسرائيل تستطيع التعامل مع خصم منفرد وفق حسابات ردع محددة، لكن التعامل مع دولة سورية تمتلك جيشاً متماسكاً وتتمتع بدعم تركي وعلاقات قوية مع قوى عربية وإقليمية سيجعل الحسابات الأمنية أكثر صعوبة.
تركيا… من الدور الإقليمي إلى إعادة تشكيل موازين القوة
تركيا هي العنصر الأكثر إثارة للقلق في قراءة بريك.
فأنقرة خلال السنوات الماضية لم تعد تتعامل مع محيطها من زاوية أمن الحدود فقط، بل أصبحت تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية مؤثرة في ملفات سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، إضافة إلى علاقاتها المتنامية مع دول عربية وآسيوية.
ولهذا فإن حديث بريك عن سعي تركيا إلى «استعادة نفوذها الإقليمي» لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فتركيا تمتلك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متقدمة، وتعمل على تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الحرب الإلكترونية، كما أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في أكثر من ساحة في الوقت نفسه.
لكن الأهم هو أن تركيا لا تتحرك في فراغ.
إذا نجحت في بناء شبكة علاقات أكثر عمقاً مع السعودية ومصر وباكستان، فإن وزنها الإقليمي سيزداد بصورة كبيرة.
وهنا يمكن فهم سبب القلق الإسرائيلي.
مصر ليست تفصيلاً في هذه المعادلة
إدراج مصر في التحذير الذي أورده بريك ليس أمراً عابراً.
فمصر تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً وجغرافياً لا يمكن تجاهله، وهي تقع في موقع بالغ الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل، سواء من ناحية غزة أو سيناء أو البحر الأحمر أو شرق المتوسط.
ومن هنا، فإن أي تقارب استراتيجي مصري ـ تركي، حتى لو لم يتحول إلى تحالف عسكري، يمكن أن يفرض على إسرائيل إعادة النظر في بعض حساباتها.
لكن من المهم هنا عدم الذهاب إلى استنتاج مبالغ فيه.
التقارب بين دولتين لا يعني بالضرورة تشكيل جبهة عسكرية ضد إسرائيل.
مصر لديها حساباتها الخاصة، وتركيا لديها مصالحها الخاصة، والسعودية وباكستان كذلك. وليس من المنطقي افتراض أن هذه الدول ستتحرك دائماً وفق قرار واحد.
لكن السياسة الدولية لا تحتاج دائماً إلى تحالفات مكتوبة حتى تغير موازين القوى.
أحياناً يكفي أن تتقاطع المصالح في ملفات محددة: سوريا، فلسطين، أمن البحر الأحمر، الطاقة، التسليح، التجارة والممرات البحرية.
وهنا يبدأ التأثير الحقيقي.
أخطر ما في كلام بريك: تراجع الثقة بالاعتماد على واشنطن
الجزء الأكثر دلالة في تصريحات بريك ربما لا يتعلق بتركيا أو مصر، بل بإسرائيل نفسها.
فقد اعتبر أن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة لم يعد كافياً، خصوصاً مع تركيز إدارة دونالد ترامب على المصالح الأميركية، ودعا في المقابل إلى إعادة بناء القوة العسكرية الإسرائيلية وتطوير قدرات مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والليزر والطائرات المقاتلة والاستعداد لحرب شاملة.
هذه ليست مجرد توصية تقنية بتطوير السلاح.
إنها، في جوهرها، مراجعة لمفهوم الأمن الإسرائيلي.
إسرائيل اعتمدت لعقود على مزيج من التفوق التكنولوجي، والتفوق الاستخباراتي، والقوة الجوية، والدعم الأميركي.
لكن الحروب الأخيرة أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب بسرعة، وأن تعدد الجبهات يمكن أن يستنزف حتى الجيش الأكثر تقدماً من الناحية التقنية.
وعندما يقول بريك إن إسرائيل تحتاج إلى إعادة بناء قدراتها الذاتية، فهو يبعث برسالة واضحة: لا يمكن بناء الأمن القومي الإسرائيلي على افتراض أن الولايات المتحدة ستكون دائماً مستعدة لخوض المعركة أو تحمل تكلفتها السياسية والعسكرية بالنيابة عن إسرائيل.
المفارقة الإسرائيلية
هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
فإسرائيل عملت خلال السنوات الماضية على بناء علاقات مع عدد من الدول العربية، وكان أحد أهداف هذا المسار مواجهة النفوذ الإيراني وإقامة منظومة إقليمية جديدة.
لكن إذا تغيرت المصالح الإقليمية، وبدأت الدول العربية الكبرى في توسيع خياراتها بين تركيا وباكستان والصين وروسيا والولايات المتحدة وغيرها، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد مختلف.
بمعنى آخر، الخطر ليس فقط في ظهور محور جديد، بل في احتمال أن تصبح التحالفات التي اعتمدت عليها إسرائيل أقل ثباتاً مما كانت تتصور.
وهذا يفسر أيضاً دعوة بريك إلى «إعادة ترميم العلاقات مع الدول العربية وتوسيع التحالفات معها».
فهو يدرك أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع حماية إسرائيل من تغير البيئة السياسية المحيطة بها.
هل نحن أمام محور إسلامي جديد؟

من المبكر القول إن محوراً إسلامياً عسكرياً متكاملاً قد تشكل بالفعل.
لكن من الخطأ أيضاً تجاهل المؤشرات التي يتحدث عنها بريك.
فإذا جمعنا بين إعادة بناء الجيش السوري، وتصاعد الدور التركي، وتطور القدرات العسكرية المصرية، وتعزيز العلاقات التركية ـ السعودية، والدور الباكستاني، ومحاولات دول المنطقة تنويع شراكاتها الدولية، فإننا أمام اتجاه يستحق المتابعة.
قد لا يتحول هذا الاتجاه إلى حلف عسكري معلن.
وقد تبقى الدول المعنية مختلفة في عدد كبير من الملفات.
لكن مجرد انتقال المنطقة من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تشكل محاور أساسية للتوازن، إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة، يعني أن قواعد اللعبة تتغير.
إسرائيل أمام مرحلة مختلفة
من هنا يمكن فهم تحذير بريك من أن إسرائيل تقف أمام «نقطة تحول» قد تكون حاسمة في مستقبلها.
فالمشكلة، وفق هذه القراءة، ليست أن إسرائيل أصبحت ضعيفة عسكرياً. بالعكس، ما زالت تمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية كبيرة.
لكن السؤال هو: هل تكفي هذه القوة في بيئة إقليمية تتغير بسرعة؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
الدولة قد تمتلك أقوى سلاح جوي، لكنها تحتاج أيضاً إلى شبكة علاقات سياسية.
وقد تمتلك أحدث منظومات الدفاع الصاروخي، لكنها تحتاج إلى اقتصاد قادر على تحمل حرب طويلة.
وقد تمتلك تفوقاً استخباراتياً، لكنها تحتاج إلى عمق استراتيجي وتحالفات مستقرة.
وهذا تحديداً ما يبدو أن بريك يحاول التحذير منه.
الخلاصة
ما ورد في مقال إسحاق بريك في «معاريف» لا ينبغي اختزاله في عنوان يقول إن تركيا تستعد لمواجهة إسرائيل، فهذا استنتاج أكبر من مضمون التصريحات نفسها.
المسألة الأعمق هي أن إسرائيل تراقب تغيراً في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
تركيا تريد دوراً إقليمياً أكبر، ومصر تحافظ على ثقلها العسكري والسياسي، والسعودية توسع هامش حركتها الدولية، وباكستان تمتلك وزناً عسكرياً واستراتيجياً مهماً، وسوريا تدخل مرحلة إعادة تشكيل مؤسساتها وقواتها المسلحة.
وفي الوقت نفسه، بدأت إسرائيل نفسها تناقش علناً حدود اعتمادها على الولايات المتحدة وحاجتها إلى إعادة بناء مفهومها للأمن القومي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تشكل محور ضد إسرائيل؟
بل السؤال الأهم هو:
هل بدأت المنطقة فعلاً تنتقل من نظام كانت فيه موازين القوة أكثر وضوحاً، إلى نظام متعدد القوى والتحالفات، بحيث لا تعود إسرائيل قادرة على إدارة المنطقة وفق المعادلات التي اعتادت عليها؟
إذا كان هذا هو الاتجاه، فإن ما يجري اليوم قد يكون أكبر بكثير من مجرد جولة جديدة من الصراع.
إنه ربما إعادة رسم تدريجية لخريطة الشرق الأوسط، حيث لن يكون السلاح وحده هو الذي يحدد موازين القوة، بل القدرة على بناء التحالفات، واستعادة النفوذ، والتحكم بالممرات الاستراتيجية، وإعادة تشكيل الجيوش والدول.
وهذا بالضبط ما يجعل تصريحات بريك جديرة بالقراءة؛ لأنها لا تكشف فقط عن نظرته إلى خصوم إسرائيل، بل تكشف أيضاً عن مخاوف إسرائيلية من المستقبل الذي قد تجد نفسها فيه محاطة بقوى إقليمية أكثر تنسيقاً، وأكثر استقلالاً، وأقل استعداداً لقبول المعادلات القديمة.
رشيد الخطيب
رئيس تحرير موقع Tvrlb



