عندما تصبح الخوارزمية جزءاً من مزاجنا: كيف تعيد السوشيل ميديا تشكيل نفوسنا ومجتمعاتنا؟
"تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات على الحالة النفسية والمجتمع"

عندما تصبح الخوارزمية جزءاً من مزاجنا: كيف تعيد السوشيل ميديا تشكيل نفوسنا ومجتمعاتنا؟
”
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نافذة نطل منها على العالم، ولا مجرد مساحة لتبادل الصور والأخبار والآراء. خلال سنوات قليلة، تحولت إلى بيئة يومية يعيش داخلها مليارات البشر، ويتلقون منها الأخبار، ويكوّنون مواقفهم، ويقارنون حياتهم بحياة الآخرين، بل ويعيدون من خلالها تشكيل نظرتهم إلى المجتمع والآخر.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده اليوم هو: هل نحن من يختار ما نشاهده، أم أن الخوارزميات أصبحت تختار لنا ما يستحق أن نشاهده؟
المشكلة لا تكمن في وجود محتوى سلبي أو جدلي على الإنترنت، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع مفتوح. المشكلة تبدأ عندما تصبح المشاحنات والفضائح والاستفزازات والمحتويات شديدة الانفعال أكثر قدرة على جذب انتباهنا من المحتوى الهادئ والمتوازن.
لسنا أمام شاشة فقط… بل أمام نظام يتعلم منا
عندما يدخل المستخدم إلى منصة اجتماعية، فإن ما يظهر أمامه ليس بالضرورة ترتيباً زمنياً بسيطاً للمنشورات.
أنظمة التوصية تحاول التنبؤ بما قد يدفع المستخدم إلى المشاهدة أو القراءة أو التعليق أو المشاركة أو البقاء فترة أطول داخل المنصة. ومع مرور الوقت، تجمع هذه الأنظمة إشارات كثيرة عن سلوك المستخدم: ما الذي يشاهده، وما الذي يتوقف عنده، وما الذي يعلّق عليه، وما الذي يتجاهله.
وهذا يعني أن المنصة لا تتعلم فقط ما نحبه، بل قد تتعلم أيضاً ما يستفزنا.
فإذا كان المستخدم يتوقف طويلاً أمام مقطع غاضب، أو يدخل في نقاشات حادة، أو يشارك منشورات تثير غضبه، فقد تصبح هذه الإشارات جزءاً من الصورة التي تبنيها الخوارزمية عنه.
ومن هنا يمكن أن تبدأ الحلقة:
محتوى مثير → تفاعل أكبر → إشارة أقوى للخوارزمية → محتوى مشابه أكثر → انفعال أكبر → تفاعل أكبر.
وهذه الحلقة لا تحتاج إلى وجود شخص يجلس خلف الشاشة ويقرر: «أغضبوا الناس». يكفي أن يكون النظام مصمماً لمكافأة المحتوى الذي يحقق مؤشرات تفاعل مرتفعة.
لماذا ينتشر الغضب أسرع من الهدوء؟
هذا السؤال ليس جديداً على علماء النفس.
في دراسة للباحثين جوناه برغر وكاثرين ميلكمان حول انتشار المحتوى على الإنترنت، تبين أن قابلية المحتوى للانتشار ترتبط بدرجة كبيرة بمستوى الإثارة النفسية التي يسببها. والمثير للاهتمام أن المشاعر ذات الاستثارة العالية، مثل الغضب والقلق، يمكن أن تجعل المحتوى أكثر قابلية للمشاركة والانتشار.
بمعنى آخر، ليست كل المشاعر متساوية عندما يتعلق الأمر بسلوكنا على الإنترنت.
قد تشاهد صورة جميلة وتضغط إعجاباً ثم تكمل التصفح.
لكن عندما ترى تصريحاً يستفزك، أو شخصاً يهاجم فئة تنتمي إليها، أو خبراً تشعر أنه ظالم أو مهين، فإن دماغك لا يتعامل معه بالبرود نفسه.
تتولد الرغبة في الرد. تقرأ التعليقات. تبحث عن من يؤيدك. تدخل في نقاش. ثم تعود بعد دقائق لتقرأ الردود الجديدة.
ومن وجهة نظر المنصة، كل ذلك يسمى ببساطة: تفاعل.
«عدوى» الغضب… عندما تصبح المشاعر قابلة للانتشار
في دراسة مهمة حول هذه الظاهرة، حلل باحثون من جامعة نيويورك مئات الآلاف من المنشورات المرتبطة بقضايا سياسية ومجتمعية شديدة الاستقطاب.
وأظهرت النتائج أن استخدام الكلمات التي تجمع بين البعد الأخلاقي والعاطفي ارتبط بزيادة انتشار الرسائل، كما كان التأثير أقوى داخل الشبكات التي ينتمي أفرادها إلى الاتجاه الفكري نفسه.
وهنا تظهر فكرة شديدة الخطورة:
الغضب لا ينتشر وحده؛ بل ينتشر معه الانتماء إلى «نحن» في مواجهة «هم».

وهذا ما يفسر لماذا تتحول بعض النقاشات على الإنترنت بسرعة إلى معارك بين مجموعات: رجال ونساء، طوائف وأديان، مؤيدون ومعارضون، مواطنون ولاجئون، أحزاب وتيارات، أو حتى جمهور فريق رياضي ضد جمهور فريق آخر.
لم يعد المطلوب أحياناً أن تفهم رأي الطرف الآخر، بل أن تثبت أن فريقك هو الصحيح.
من الاختلاف الطبيعي إلى الاستقطاب
الاختلاف جزء طبيعي من المجتمعات، بل إن المجتمع الصحي يحتاج إلى اختلاف الآراء.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الاختلافات إلى هوية شخصية.
عندما يصبح رأي الإنسان جزءاً من تعريفه لنفسه، فإن مهاجمة رأيه قد تُفهم باعتبارها هجوماً عليه شخصياً.
وهنا يمكن للخوارزميات أن تزيد المشكلة تعقيداً، لأنها قد تساعد المستخدم على البقاء لفترة طويلة داخل بيئة من الآراء المتشابهة أو المحتوى شديد الاستقطاب.
وتشير أبحاث منشورة في دوريات علمية متخصصة إلى أن اللغة الأخلاقية والعاطفية تنتشر بصورة أكبر داخل الشبكات ذات الانتماء الفكري المشترك، وهو ما قد يعزز الفوارق بين المجموعات.
وبمرور الوقت، يمكن أن يبدأ الإنسان بالشعور بأن رأيه هو «الرأي الطبيعي»، وأن الطرف الآخر يمثل أقلية غريبة أو خطرة، رغم أن الصورة التي يراها على هاتفه قد لا تمثل المجتمع الحقيقي بكل تنوعه.
المشكلة لا تتوقف عند الغضب… هناك مقارنة مستمرة أيضاً
السوشيل ميديا لا تقدم لنا فقط أخبار الآخرين وآراءهم؛ إنها تقدم لنا أيضاً نسخاً منتقاة من حياتهم.
صور النجاح، السفر، المال، المظهر المثالي، العلاقات السعيدة، المنازل الجميلة والأجساد المثالية.
وهنا يدخل عامل نفسي آخر يسمى المقارنة الاجتماعية.
أظهرت دراسات حديثة على المراهقين أن استخدام وسائل التواصل والتعرض للمقارنات الاجتماعية يمكن أن يرتبط بانخفاض بعض مؤشرات تقدير الذات وارتفاع المشاعر السلبية لدى بعض المستخدمين.
وهكذا يصبح المستخدم محاصراً بين مسارين نفسيين:
يقارن حياته بالآخرين من جهة، ويقارن أفكاره بأفكار الآخرين من جهة أخرى.
وفي الحالتين يمكن أن يشعر بأنه أقل نجاحاً، أو أقل قيمة، أو محاصر داخل معركة اجتماعية لا تنتهي.
هل السوشيل ميديا تدمر الصحة النفسية فعلاً؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة، لأن العلم لا يدعم التعميم السهل.
ليس صحيحاً أن كل شخص يستخدم وسائل التواصل سيصاب بالاكتئاب أو القلق، وليس صحيحاً أيضاً أن كل استخدام للسوشيل ميديا ضار.
الأبحاث الحديثة تشير إلى أن العلاقة أكثر تعقيداً؛ فهناك أشخاص يستفيدون من وسائل التواصل في بناء العلاقات والحصول على الدعم والمعلومات، بينما يمكن أن يتعرض آخرون لنتائج سلبية بحسب طريقة الاستخدام، والمحتوى الذي يتعرضون له، ومرحلتهم العمرية، وظروفهم النفسية والاجتماعية.
وهذه نقطة مهمة:
المشكلة ليست في وجود الهاتف وحده، وإنما في الطريقة التي صُمم بها الاستخدام، ونوعية المحتوى الذي يستهلكه الإنسان، وطريقة تفاعله معه.
الخوارزمية لا تعرف «الحقيقة»… إنها تعرف ما يجذبك
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
الخوارزمية ليست صحفياً، وليست طبيباً نفسياً، وليست معلماً أخلاقياً.
إنها نظام حسابي يعمل وفق أهداف ومعايير محددة.
ولهذا قد يكون المحتوى الأكثر أهمية للمجتمع أقل انتشاراً من المحتوى الأكثر إثارة.
خبر اقتصادي معقد قد يحتاج إلى خمس دقائق من القراءة.
أما مقطع مدته عشرون ثانية يظهر فيه شخص يصرخ في وجه شخص آخر، فقد يدفع آلاف الأشخاص إلى التعليق والمشاركة.
من منظور اجتماعي، الأول قد يكون أكثر قيمة.
لكن من منظور «التفاعل»، الثاني قد يكون أكثر نشاطاً.
وهنا يظهر التناقض الخطير بين قيمة المحتوى وقابلية المحتوى للانتشار.
صناعة المحتوى فهمت اللعبة أيضاً
المشكلة لا تقع كلها على عاتق الخوارزميات.
صناع المحتوى ووسائل الإعلام والصفحات الإخبارية أصبحوا يدركون بدورهم أن العنوان المستفز يجذب أكثر، وأن الخلاف يحقق تعليقات، وأن الفيديو الذي يثير الغضب قد ينتشر أكثر من التقرير الهادئ.
وبذلك تنشأ دائرة متكاملة:
الخوارزمية تكافئ التفاعل، والمستخدم يتفاعل مع المحتوى المثير، وصانع المحتوى يلاحظ ارتفاع المشاهدات، فيكرر الأسلوب، ثم تلتقط الخوارزمية التفاعل الجديد وتعيد ضخ المحتوى أمام مزيد من المستخدمين.
وهكذا تتحول المنصة إلى اقتصاد للانتباه.
وفي هذا الاقتصاد، انتباهك هو السلعة الأكثر قيمة.
الأخطر: أننا قد نحمل الإنترنت إلى الشارع
ربما تكون أخطر نتائج هذه الظاهرة هي أن المشاعر التي تبدأ على الشاشة لا تبقى دائماً داخل الشاشة.
الإنسان الذي يقضي ساعات يومياً في مشاهدة الصراعات والشتائم والاتهامات قد يبدأ تدريجياً في النظر إلى العالم الخارجي من خلال العدسة نفسها.
الآخر يصبح خصماً، والاختلاف يصبح استفزازاً، والنقاش يصبح معركة، والهدوء يصبح شيئاً غريباً.
ولهذا فإن تأثير السوشيل ميديا لا يجب أن يقاس فقط بعدد ساعات استخدام الهاتف، بل أيضاً بالسؤال:
كيف نشعر بعد أن نغلق الهاتف؟
هل نشعر أننا تعلمنا شيئاً؟ هل تواصلنا مع أشخاص نحبهم؟ هل أصبحنا أكثر فهماً للعالم؟
أم أننا خرجنا أكثر غضباً، وأكثر تشككاً، وأكثر عدائية تجاه أشخاص لم نلتق بهم يوماً؟
الذكاء الاصطناعي قد يجعل الحلقة أكثر دقة
مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي والتوصية الشخصية، أصبحت المنصات قادرة على تحليل كميات ضخمة من السلوك الرقمي واستخدامها لتخصيص المحتوى.
وهذا يمكن أن يكون مفيداً عندما يساعد المستخدم في العثور على ما يريده.
لكن الوجه الآخر هو أن التخصيص الشديد قد يجعل كل شخص يعيش تجربة رقمية مختلفة تماماً عن الآخر.
والأبحاث الحديثة حول تأثير وسائل التواصل تؤكد أن طريقة الاستخدام والمحتوى والتجربة الفردية عوامل أساسية، وأن فهم التأثيرات النفسية يتطلب النظر إلى الآليات التي تربط المنصات بالسلوك والانفعالات، وليس مجرد حساب عدد ساعات الشاشة.
هل نحن أمام مؤامرة؟
لا نحتاج إلى نظرية مؤامرة حتى نفهم المشكلة.
لا توجد ضرورة لافتراض أن مجموعة من الأشخاص قررت تدمير المجتمعات من خلال السوشيل ميديا.
الأمر أكثر تعقيداً وأقل سينمائية.
هناك شركات تريد زيادة الاستخدام، وخوارزميات تريد تحسين التنبؤ بسلوك المستخدم، ومعلنون يريدون الوصول إلى الجمهور، وصناع محتوى يريدون الانتشار، ومستخدمون ينجذبون بصورة طبيعية إلى القصص المثيرة، وحسابات وهمية وحملات تضليل يمكن أن تستغل هذه البيئة.
عندما تجتمع كل هذه العوامل، يمكن أن تظهر نتيجة خطيرة من دون أن يكون هناك عقل واحد يديرها كلها.
هل الحل أن نرمي الهاتف؟
لا يمكن ببساطة مطالبة الناس بمغادرة وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه المنصات أصبحت جزءاً من الاقتصاد والإعلام والعلاقات الاجتماعية والعمل والتعليم.
لكن المطلوب هو أن ننتقل من الاستخدام التلقائي إلى الاستخدام الواعي.
- ألا نشارك كل ما يستفزنا.
- أن نتوقف قبل الرد عندما نكون غاضبين.
- أن نتحقق من صحة الخبر قبل نشره.
- أن نسأل ما إذا كان العنوان مصمماً لإثارة غضبنا.
- أن ندرك أن مقطعاً قصيراً قد لا يقدم الحقيقة كاملة.
- أن نميز بين الاختلاف الحقيقي وبين الصورة التي تصنعها الخوارزمية أمامنا.
والأهم أن ندرك أن الضغط على زر التعليق ليس فعلاً بريئاً دائماً؛ فقد يكون بالضبط الإشارة التي تخبر النظام بأن هذا النوع من المحتوى نجح في جذب انتباهنا.
المعركة الحقيقية ليست ضد التكنولوجيا… بل ضد فقدان السيطرة
السوشيل ميديا ليست شراً مطلقاً.
لقد أعطت الناس صوتاً، وسهّلت التواصل، ونشرت المعرفة، وسمحت لمجتمعات كاملة بالتعبير عن نفسها والوصول إلى المعلومات.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى بيئة تتحكم في انتباهنا ومزاجنا دون أن نشعر.
وقد يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس:
كم ساعة نقضي على السوشيل ميديا؟
بل:
ماذا تفعل بنا تلك الساعات؟
لأن الإنسان قد يغلق هاتفه بعد ساعة من التصفح وهو أكثر معرفة واتزاناً.
وقد يغلقه بعد ساعة واحدة وهو أكثر غضباً، وأكثر خوفاً، وأكثر عدائية تجاه أشخاص لم يلتق بهم يوماً.
وفي الحالتين، الرقم واحد: ساعة.
لكن الأثر مختلف تماماً.
الخلاصة
حين يصبح الغضب وقوداً للتفاعل، وحين يصبح التفاعل وقوداً للخوارزمية، فإننا لا نستهلك المحتوى فقط، بل قد يبدأ المحتوى باستهلاك جزء من هدوئنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الآخرين.
المطلوب إذاً ليس أن نهرب من العالم الرقمي، بل أن نستعيد حقنا في اختيار ما يدخل إلى عقولنا.
ففي النهاية، أخطر خوارزمية ليست تلك التي تعرف ماذا نحب، بل تلك التي تتعلم ماذا يغضبنا ثم تقرر أن تجعلنا نراه مرة أخرى… ومرة أخرى… ومرة أخرى.
المراجع والدراسات العلمية
- Jonah Berger & Katherine Milkman — دراسة حول انتشار المحتوى العاطفي على الإنترنت.
- William J. Brady وآخرون — دراسة حول انتشار اللغة الأخلاقية والعاطفية والاستقطاب على شبكات التواصل.
- دراسات منشورة في Nature وNature Human Behaviour حول وسائل التواصل، المقارنة الاجتماعية، والاستقطاب.
- أبحاث حديثة حول آليات تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في السلوك والصحة النفسية.
رئيس تحرير موقع Tvrlb
SEO Title:
عندما تصبح الخوارزمية جزءاً من مزاجنا.. كيف تعيد السوشيل ميديا تشكيل نفوسنا؟
Meta Description:
تحليل يكشف كيف تؤثر خوارزميات السوشيل ميديا في مشاعرنا وسلوكنا، ولماذا ينتشر المحتوى المثير للغضب والاستقطاب بصورة أكبر.
الكلمات المفتاحية:
السوشيل ميديا، وسائل التواصل الاجتماعي، خوارزميات التواصل، الذكاء الاصطناعي، الصحة النفسية، الاستقطاب، الغضب، السوشيل ميديا والصحة النفسية، تأثير مواقع التواصل



