حكومة تجيد جباية المواطن… وتفشل في جباية الدولة من جيوب الهدر.

حكومة تجيد جباية المواطن… وتفشل في جباية الدولة من جيوب الهدر
مساحة إعلانية
في لبنان، يبدو أن أسهل مشروع إصلاحي يمكن أن تنجح فيه الدولة هو الوصول إلى جيب المواطن.
كلما احتاجت الخزينة إلى المال، لا تبدأ الحكاية من مكامن الهدر، ولا من الأملاك البحرية، ولا من العقود المبالغ فيها، ولا من الوزارات التي تستأجر مقرات بمبالغ تثير علامات استفهام، ولا من التلزيمات التي تتكرر حولها الأسئلة… بل تبدأ من المواطن.
المواطن الذي يدفع فاتورة الكهرباء، ويشتري المازوت، ويدفع فاتورة المولد، ويتحمّل كلفة النقل والدواء والتعليم والغذاء، ثم يُطلب منه أن يدفع المزيد تحت عناوين جديدة.
والسؤال هنا ليس: هل تحتاج الدولة إلى الإيرادات؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا يكون المواطن دائماً هو الحلقة الأسهل عندما تبحث الدولة عن المال؟
من ضريبة إلى أخرى… حتى يختنق المواطن
آخر الابتكارات تأتي تحت عناوين متعددة، من بينها رسوم مرتبطة بالنفايات، وإجراءات ورسوم مرتبطة بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية.
قد يكون تنظيم قطاع الطاقة الشمسية أمراً مشروعاً إذا كان هدفه السلامة والتنظيم ومنع الفوضى، وقد تكون معالجة أزمة النفايات مسؤولية لا يمكن للدولة الهروب منها.
<مساحة اعلانية />

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى باب جديد لتحميل المواطن كلفة فشل الدولة.
فاللبناني الذي اضطر إلى تركيب الألواح الشمسية لم يفعل ذلك لأنه يبحث عن رفاهية إضافية، بل لجأ إليها بعدما عجزت الدولة عن تأمين كهرباء مستقرة.
أي أن المواطن، بدلاً من أن يحصل على حافز لأنه ساهم في تخفيف الضغط عن شبكة الكهرباء، يجد نفسه أمام إجراءات وتكاليف جديدة.
وهنا تصبح المفارقة مؤلمة:
الدولة لا تؤمّن الكهرباء كما يجب، والمواطن يؤمّن كهرباءه بنفسه، ثم تأتي الدولة لتقول له: ادفع ثمن محاولتك الاستقلال عن عجزنا!
وفيما يتعلق بالألواح الشمسية تحديداً، فإن التفريق يبقى ضرورياً بين الرسم القانوني المباشر وبين الإجراءات التنظيمية والتكاليف التي قد تترتب على المواطن نتيجة التنظيم.

لماذا لا تبدأ الدولة من الأعلى؟
هنا جوهر المشكلة.
لماذا لا تبدأ الحكومة أولاً من الأموال التي تضيع أو لا تُحصّل؟
ماذا عن الأملاك البحرية؟ ماذا عن الإيرادات التي يفترض أن تدخل إلى الخزينة ولا تدخل؟ ماذا عن العقود والإيجارات والتلزيمات؟ وماذا عن المرافق العامة التي يمكن أن تكون مصدراً للإيرادات بدل أن تكون عبئاً إضافياً؟
وماذا عن المناقصات التي تثير، من حين إلى آخر، عاصفة من الأسئلة السياسية والإعلامية والشعبية؟
المطلوب ليس اختراع دولة جديدة، بل أن تكون الدولة قادرة على أن تسأل نفسها قبل أن تسأل المواطن:
أين تذهب أموال الدولة؟ ومن يستفيد منها؟ وهل كل ليرة تنفقها الدولة تُنفق في مكانها الصحيح؟
حمامات المجلس النيابي… نموذج يستحق الإجابة
ومن الأمثلة التي يجري تداولها في النقاش العام ما يتعلق بكلفة تنظيف حمامات مجلس النواب، والتي يُقال إنها تصل إلى أكثر من مليون ونصف مليون دولار سنوياً.
هذا الرقم، إذا كان دقيقاً، لا يجوز التعامل معه كخبر عابر. وإذا لم يكن دقيقاً، فليخرج المعنيون بالأمر إلى الرأي العام ويضعوا الأرقام والعقد ودفتر الشروط والنتيجة أمام الناس.
المطلوب ليس التشهير بأحد، بل كشف الحقيقة.
كم تبلغ قيمة العقد فعلياً؟ ما هي الخدمات التي يشملها؟ كم تبلغ الكلفة الفعلية؟ من تقدّم إلى المناقصة؟ من فاز؟ وهل السعر النهائي هو السعر الأكثر كفاءة بالنسبة إلى المال العام؟
هذه الأسئلة ليست شعبوية. هذه هي أبسط قواعد الشفافية.
فإذا كانت الدولة تطلب من المواطن أن يدفع كل رسم وكل ضريبة، فمن حق المواطن أن يعرف كيف تُصرف الأموال التي يدفعها.
المواطن ليس ماكينة صراف آلي
المشكلة أن الدولة تتعامل أحياناً مع المواطن وكأنه خزينة متنقلة.
تريد إيرادات؟ افرض رسماً. هناك عجز؟ زد الضريبة. هناك أزمة نفايات؟ اجعل المواطن يدفع. هناك أزمة كهرباء؟ المواطن يشتري الألواح والمولدات والبطاريات، وربما يدفع رسوماً إضافية لتنظيم ما اشتراه.
لكن متى يأتي الدور على الدولة نفسها؟
متى تبدأ عملية تنظيف الإدارة قبل تنظيف الشوارع؟
متى يصبح وقف الهدر بنداً أكثر جدية من فرض رسم جديد؟
متى تصبح استعادة المال العام أولوية تسبق استنزاف ما تبقى في جيوب الناس؟
الفقير هو الذي يدفع دائماً
المشكلة الأخطر أن الضريبة أو الرسم لا يصيبان جميع اللبنانيين بالنتيجة نفسها.
هناك مواطن يستطيع أن يدفع، وهناك مواطن يحسب ثمن ربطة الخبز قبل أن يشتريها.
هناك من يستطيع تحمّل رسم جديد، وهناك من أصبح أي مبلغ إضافي على فاتورته عبئاً حقيقياً.
ولهذا فإن أي سياسة ضريبية لا تراعي القدرة الفعلية على الدفع قد تتحول من أداة لتمويل الدولة إلى أداة لتعميق الفقر.
الدولة القوية لا تكون قوية لأنها تستطيع تحصيل المال من الناس، بل لأنها تستطيع تحصيل المال ممن تهرّبوا من دفعه، واستعادة المال العام المهدور، وإغلاق أبواب الهدر قبل أن تمد يدها إلى جيب الموظف والعامل والمتقاعد وصاحب الدخل المحدود.
هل المطلوب أن ينفجر الشارع؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر خطورة.
هل تدرك الحكومة أن تراكم هذه الإجراءات يمكن أن يصنع احتقاناً اجتماعياً؟
هل تدرك أن المواطن الذي يتحمل منذ سنوات انهياراً اقتصادياً، وانخفاضاً في قدرته الشرائية، وأزمات الكهرباء والمياه والنقل والاستشفاء والتعليم، قد يصل إلى لحظة يقول فيها:
كفى؟
ليس من الحكمة أن نذهب مباشرة إلى نظرية المؤامرة أو أن نقول إن هناك أجندة خارجية لإشعال الشارع وتغيير النظام من دون أدلة واضحة.
لكن من الحكمة أيضاً ألا تتصرف السلطة وكأن الاحتقان الاجتماعي لا وجود له.
فالشارع لا يحتاج دائماً إلى من يدفعه. أحياناً يكفي أن يشعر الناس بأن الدولة تطلب منهم المزيد، فيما لا يرون في المقابل إصلاحاً حقيقياً ولا عدالة في توزيع الأعباء، حتى يصبح الغضب تلقائياً.
وهنا تقع المسؤولية على الحكومة.
إذا كانت القرارات الحكومية تصنع أزمة اجتماعية، فعلى من يتخذ القرار أن يسأل نفسه قبل إصدار القرار: إلى أين يقود هذا الاحتقان؟
المطلوب ليس إسقاط الدولة… بل إسقاط منطق الجباية
لبنان لا يحتاج إلى دولة تتخلى عن الضرائب، ولا يستطيع أي بلد أن يعيش بلا إيرادات عامة.
لكن لبنان يحتاج إلى عدالة ضريبية.
يحتاج إلى دولة تقول للمواطن: ادفع، وسأريك أين ستذهب أموالك.
ادفع، وسأحميك من الاحتكار.
ادفع، وسأوقف الهدر.
ادفع، وسأستعيد الأملاك العامة.
ادفع، وسأحاسب الفاسد.
ادفع، وسأمنع التلزيمات المشبوهة.
ادفع، وسأخفض كلفة الدولة نفسها قبل أن أرفع كلفة معيشتك.
أما أن يصبح المواطن هو الحلقة الأسهل دائماً، فهذا ليس إصلاحاً.
هذه جباية بلا عدالة.
والأخطر أن المواطن اللبناني لم يعد يسأل فقط:
كم بقي في جيبي؟
بل بدأ يسأل سؤالاً أكثر خطورة:
لماذا أنا دائماً من يدفع؟
وإذا لم تجد الحكومة جواباً مقنعاً عن هذا السؤال، فقد يكون أخطر ما في هذه السياسات ليس قيمة الضريبة نفسها، بل فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
وعندما تسقط الثقة، يصبح الشارع أقرب من أي وقت مضى.


