قُبلة على رأس أمريكا… وأخرى على لحية إيران.

# قُبلة على رأس أمريكا… وأخرى على لحية إيران
**د. راشد الشاشاني**

وساطة رئيس الوزراء العراقي، الذي زار إيران فور عودته من واشنطن، بدت وكأنها “ترضية للزوجة الثانية بعد سماع كلمة الأولى”. ومع النفي الذي سارع إليه كل من يتابع الشأن الأميركي، وتصديق نفي مكتب محمد شياع السوداني لما تردد عن وساطة انتهت بالفشل، بقي الانطباع بأن “طعماً” أميركياً ألقاه دونالد ترامب في سلّة السوداني، دفع الأخير إلى التفكير بقدرته على أداء دور يتجاوز حدود المألوف.
عرض السوداني “دوره الخاص” في مقابل صفقة يحاول إغراء إيران بها، مستفيداً من التخويف بفزّاعة الدعم الدولي، وعلى رأسه الدعم الأميركي، لنزع سلاح الفصائل. وفي الوقت نفسه، أراد أن يثبت لطهران أنه “مرغم لا راغب”، في خطوة يبدو أنه حاول فيها، وبتشجيع أميركي، لعب دور كان يُراد لباكستان أن تؤديه.
الطعم ذاته حملته حقائب الرئيس اللبناني، الذي لم ينتظر حتى عودته إلى بيروت ليؤكد لولي العهد السعودي أنه لا يزال يعمل ضمن الإطار الذي تريده الرياض، والتي باتت تميل إلى مقاربة إيران بالحوار أكثر من المواجهة.
صورتان تؤكدان أن سحر الأميركيين لا يكفي للحماية من “لطشات إيران”، وأنه لا بد من خلطه بقطرات من “ماء لحى السطوة”. فشؤون السياسة والحكم، بالنسبة لكثير من المتعاملين في ملفات المنطقة، لا تعني سوى القفز فوق حبال التلاعب برغبات هذا الطرف أو ذاك.
غير أن هؤلاء يغفلون حقيقة ثابتة، وهي أن اللعب على الحبال ينتهي دائماً بالتقطيع. وإذا أضفنا إلى ذلك إدراك الولايات المتحدة أن تقبيل أياديها لا يعني الضحك على لحى إيران أو غيرها، يتضح أن الطرفين يدركان جيداً كيفية إدارة هذه الألاعيب، من دون أن يدفعنا ذلك إلى سذاجة الاعتقاد بوجود تفاهم كامل بينهما تحت الطاولة.
أما محاولات تفويت الفرصة على إيران في استخدام المضائق لخنق العالم، عبر الترويج لخطوط الأنابيب وطرق النقل والموانئ البديلة، ممزوجة بـ”بياض” المشاريع و”سواد” العداء لمجموعات خامنئي، فهي لا تقل خطورة، بل ربما تزيد. فقنبلة صغيرة قد تكون كافية لتعطيل خط أنابيب استراتيجي، كما أن مجموعة محدودة من المقاتلين تستطيع إرباك العالم عبر قطع طرق التجارة أو تهديدها.
ويبدو أن الولايات المتحدة، وقد أدركت هذه الحقائق، تعمد إلى تحويل مسار الأحداث نحو حقول ألغام جديدة. فإذا نظرنا إلى الضغط الحوثي على السعودية، ومعها العالم، من خلال السيطرة على مضيق باب المندب، نجد أن مصلحة ترامب قد تكمن في زيادة تأزيم وضع إيران، التي تدفع الحوثيين إلى مثل هذه التحركات، بما يعيد دفع السعودية إلى إعادة النظر في محاولات تقليص النفوذ الأميركي.
وفي حقل الألغام نفسه، أربك ترامب حسابات الحلفاء قبل الخصوم، عندما طرح فكرة الحديث مع حزب الله، بالتزامن مع تصعيد الحديث عن توجيه ضربات قوية للحزب، وبالتوازي مع التحركات العسكرية الجارية على الساحة السورية.
وفي النهاية، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة تتداخل فيها الرسائل السياسية مع المناورات العسكرية، وتختلط فيها المصالح بالابتزاز، فيما يبقى السؤال مفتوحاً: من يقبّل رأس واشنطن عن قناعة، ومن يقبّل لحية طهران اضطراراً، ومن يدفع الثمن عندما تنقطع الحبال؟


