*الإنسانُ في التوراة: من الأنبياء إلى الملوك … سردياتُ الخطيئةِ والصراعِ والعنف* (الجزء السابع)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*
*بيتُ داود: العنفُ داخل العائلة المقدّسة*
تكمن أهميةُ القصص التوراتية – مهما كان موقف القارئ منها – في أنها تساعدنا على فهم تاريخ المنطقة، وتطوّر المفاهيم الدينية، وكيف تشكّلت الهُويَّات الكبرى مثل “بني إسرائيل” و”اليهود”، وكيف دخلت شخصياتٌ “مُتَّهمة” أو “غريبة” أو “عنيفة” في صلب السرد المقدّس، لتصبح جزءاً من الذاكرة الدينية الواسعة في اليهودية والمسيحية.
1 – اغتصاب ثامار: أحبَّ «أمنون» أخته غير الشقيقة «ثامار» بشهوةٍ مَرَضيةٍ انتهت باغتصابها في بيت داود: «وقدمت له ليأكل، فأمسكها وقال لها: تعالي اضطجعي معي يا أختي. فقالت له: لا يا أخي، لا تذلني، لأنه لا يفعل هكذا في إسرائيل. لا تعمل هذه القباحة. أما أنا فأين أذهب بعاري؟ .. فلم يشأ أن يسمع لصوتها، بل تمكن منها، وقهرها، واضطجع معها» (صموئيل الثاني 13:11–14). بعد اغتصابها، أبغضها أمنون بشدة، وطردها، مما زاد من مأساتها.

ويُعدُّ اغتصابُ «أمنون» أخته غير الشقيقة «ثامار» ضربةً قاسيةً لصورة “البيت الملكي”. لكنَّ الأشد قسوة هو أنَّ «داود» لم يعاقب ابنه. وهذا السردُ التوراتي يُظهر بيت داود كعائلة ملكيةٍ مضطربةٍ وغارقةٍ في الفوضى الأخلاقية، وهو البيت الذي سيخرج منه لاحقًا المسيحُ بحسب العهد الجديد.
2 – مقتلُ أمنون: بعد سنتين من اغتصاب ثامار، خطط «أبشالوم» لقتل أخيه «أمنون» انتقاماً لما فعله بأختهما ثامار: «فأوصى أبشالوم غلمانه قائلاً: انظروا، متى طاب قلبُ أمنون بالخمر، وقلتُ لكم: اضربوا أمنون، فاقتلوه. لا تخافوا. أليس إني أنا أمرتكم؟ فتشددوا وكونوا ذوي بأس.
ففعل غلمانُ أبشالوم بأمنون كما أمر أبشالوم. فقام جميعُ بني الملك وركبوا كلُّ واحدٍ على بغل وهربوا.»(صموئيل الثاني 13:28–29).
ظنَّ «داود» في البداية أنَّ كل بنيه قد قُتلوا في مجزرةٍ عائليةٍ نفَّذها إبنه «أبشالوم»، فصُدم بشدة ومزّق ثيابه وانهار بالحزن: «وفيما هم في الطريق، جاء الخبرُ إلى داود: قد قتل أبشالوم جميعَ بني الملك، ولم يبقَ منهم أحد. فقام الملكُ ومزق ثيابه واضطجع على الأرض، وجميع عبيده وقوفٌ وثيابهم ممزقة.» (صموئيل الثاني 13:30–31). ولكن بعد لحظاتٍ، جاء «يوناداب» (ابنُ أخيه شمعي)، وأخبره أنَّ أمنون وحده هو المقتول، أما باقي أبناء الملك داود الذين كانوا حاضرين في الوليمة، فقد هربوا فور مقتل أمنون، لأنهم ظنوا أنَّ هناك مؤامرةً شاملةً على أبناء داود.
3 – مقتلُ أبشالوم: تمرد أبشالوم على أبيه «داود»، وخلال المعركة بين جيش داود وجيش أبشالوم، كان أبشالوم راكباً على بغل، وأثناء مروره تحت شجرة بطم كثيفة تعلّق رأسه (أو شعره الكثيف) في أغصانها، فانحشر، وظلّ مُعلقاً بين السماء والأرض، بينما مضى البغلُ تحته. ورغم أنَّ داود أمر «يوآب» (قائد جيشه) بعدم إيذائه، إلا أنه لم ينفذ أمره: «فأخذ ثلاثة سهام بيده، وركزها في قلب أبشالوم وهو حيّ في قلب البطمة. وأحاط به عشرةُ رجالٍ حاملوا سلاح يوآب، وضربوا أبشالوم وأماتوه.» (صموئيل الثاني 18:14–15).
بعد موته دفنوه في حفرةٍ عظيمةٍ في الغابة وأقاموا عليه رجمةً عظيمةً من الحجارة. وعندما بلغ الخبر داود، بكى بكاءً مُرَّاً وقال عبارته الشهيرة: «يا ابني أبشالوم، يا ابني، يا ابني، ليتني مِتُّ عوضاً عنك!» (صموئيل الثاني 18:33).
4 – شيخوخةُ داود: القصةُ الواردةُ في سفر الملوك تعرض إحضار فتاةٍ شابةٍ تدعى «أبيشج الشونمية»، كانت وظيفتها أن تنام بقرب الملك العجوز لتدفئه، دون علاقةٍ جنسية. وهي دليلٌ آخر على خللٍ أخلاقي في التعامل مع النساء، حتى في خدمة الملك. ولاحقاً يصبح طلبُ «أدونيا» (إبن داود الأكبر) الزواج بها علامةً على محاولةِ الاستحواذِ على المُلك.

5 – سليمان وهيكلُه : تكمن مركزيةُ سليمان في التوراة والديانة اليهودية في كونه يجمع بين ثلاث وظائف كبرى: مَلك ذروةَ القوةِ السياسية للمملكة؛ بنى الهيكلَ الذي أصبح المركز الديني الأعلى لعبادة الربِّ في اليهودية؛ أصبح أعظمَ مثالٍ ورمزٍ للحكمة في التراث الديني. ولذلك يُصوَّر عهدُه باعتباره العصر الذهبي للمملكة الموحَّدة التي أسَّسها والدُه «داود».

ومع ذلك، فإنُّ الرواية التوراتية نفسها لا تقدّمه كشخصيةٍ مثاليةٍ بالكامل، بل كنموذجٍ يجمع بين المجد السياسي العظيم والانحراف الديني العظيم الذي أدَّى الى نتائج تاريخية خطيرة.
تصرّح التوراةُ بأنَّ سليمان قد تزوَّج الكثير من الزوجات الأجنبيات من شعوبٍ متعددة، وأنَّ قلبه قد مال نحو آلهةِ زوجاته الوثنيات بعيداً عن الرب: «وأحبَّ الملكُ سليمان نساءً غريبةً كثيرةً مع بنت فرعون: موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحِثّيات، من الأمم الذين قال عنهم الربُّ لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم، لأنهم يُميلون قلوبكم وراء آلهتهم .. وكانت له سبعُ مئةٍ من النساء السيدات وثلاثُ مئةٍ من السراري .. وكان في زمان شيخوخة سليمان أنَّ نساءه َأمَلنَ قلبه وراء آلهةٍ أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه .. وعمل الشرَّ في عيني الرب .. وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كنَّ يوقدنَ ويذبحنَ لآلهتهن.» (الملوك الأول: 11: 1-8).
والحقيقة أنَّ وجود 700 زوجة و300 سرية، أغلبهن وثنيات، ليس مجرد “تفصيلٍ تاريخي”، بل يعكس صورةَ ملكٍ ينهار أخلاقياً وينحرف روحياً عن تعاليم دينه: «ومن أجل هذا الفِسق كرِهَ الربُّ سليمان، لأنَّ قلبه انحرف عن الربِّ إله إسرائيل الذي ظهر له مرتين» (الملوك الأول 11:4-8).
ورغم أنَّ الحفريات الأثرية التي نقَّبت أرضَ فلسطين شبراً شبراً لسنواتٍ طويلةٍ، ولم تعثر على أيِّ أثرٍ لهيكل سليمان العظيم؛ ورغم أنَّ علماء الآثار أشاروا الى أنَّ القدس (أورشليم) كانت مجرد مستوطنةٍ صغيرةٍ يقطنها بضعة الآف من الناس في الزمن المفترض لبناء الهيكل، وأنَّ داود وسليمان ربما يكونان زعيمين محليين – إلا أنَّ شخصية سليمان تُعَدُّ في التقليد الديني من الشخصيات المحوريَّة في العهد القديم، وفي الوعي الديني والتاريخي للديانة اليهودية. وقد تحوَّل في التراث اليهودي اللاحق إلى شخصيةٍ رمزيةٍ شبهِ أسطوريةٍ في المخيال الديني.
إذاً، النصوصُ التوراتيةُ نفسها تعرض صورةً صادمةً ومتناقضةً عن سليمان، تتراوح بين الحكمة التي خصَّه الإلهُ بها، والإنحراف والفساد الدينيين: سليمان انغمس في الترف والنساء، وعَبَد آلهةً أجنبيةً، وبنى مرتفعاتٍ لعبادة عشتروت (إلهةُ الصيدونيين) وكموش (إلهُ موآب) ومولوك (أو مولوخ إلهُ العمونيين الذي كانت عبادته تقوم على طقسٍ يتمُّ فيه تقديمُ الأطفال قرابين في المذبح أو موقد النار).
فكيف استطاع سليمانُ الجمعَ بين هذه المتناقضات: حكمةٌ إلهيةٌ وانجرافٌ وراء رغباته الشخصية؛ هيكلٌ عظيمٌ للربِّ ومرتفعاتٌ للآلهة الأجنبية؛ توحيدُ الإله «يهوه» وعبادةُ الأوثان والذبحُ لها؛ حفاظٌ على دين الآباء والأجداد وحرصٌ على استمرار الشعائر والطقوس الدينية المحلية لثقافاتٍ كنعانية قديمة ؟
هذه التناقضاتُ في الإرث المركَّب الذي تركه سليمان، هي ممَّا يرجِّح أنَّ الوصف التوراتي المبالغ فيه لعظمةِ هيكلِ سليمان، قد كُتب فقط لتمجيد مملكةٍ عظيمةٍ بناها ملكٌ مؤسِّسٌ في الزمان الغابر، ثم انقسمت وانهارت؛ ولإعطاء دروسٍ دينية وتاريخية؛ ولتحقيقِ أغراضٍ تتعلق ببناءِ سرديةٍ لاهوتيةٍ، وتشكيلِ هُويَّةٍ دينيةٍ خاصًّةٍ بعد عودة بني إسرائيل من السبي البابلي.

أضف الى ذلك، أنَّ فترة حُكم سليمان لم تكن مثاليةً، بل شهدت إقصاءً أو إعدامَ عدة شخصياتٍ قويةٍ، بما يشبه تطهير البلاط من المنافسين المحتملين على السلطة (أخوه الأكبر أدونيا الذي اعتبر نفسه المرشَّح الطبيعي للملك بعد وفاة داود، القائد العسكري يوآب، الكاهن أبياثار …)
6 – قتلُ أدونيا: جاء «أدونيا» الابنُ الرابع لداود إلى «بثشبع» أمّ سليمان، وطلب منها أن تكلم سليمان ليزوِّجه بأبيشج الشونمية (الفتاة التي كانت تخدم داود في شيخوخته). «بثشبع» طلبت ذلك من سليمان الذي فسر طلب أدونيا الزواج بأبيشج سياسياً على أنه محاولةُ انقلابٍ ناعمة، لأنَّ أبيشج كانت تُعتبر “مُلكاً ضمنياً” لأبيه داود، وزواجه بها يُظهر مطالبةً غير مباشرة بالعرش. فغضب وقال: «لماذا تطلبين أبيشج الشونمية لأدونيا؟ فاطلبي له المملكةَ أيضاً لأنه أخي الأكبر… حيّ ٌهو الرب، إنَّ أدونيا قد تكلّم بهذا ضد نفسه». وأمر «بنايا بن يهوياداع»، فذهب وقتل أخيه أدونيا. (الملوك الأول 2: 13–25)
وهكذا فإنَّ ثلاثةً من أبناء البيت الملكي من سلالة داود، ماتوا قتلاً في ظروفٍ مأساوية أو في صراعٍ على السلطة:
أمنون: الابنُ البكر لداود (من أخينوعم اليزرعيلية). قُتل بأمر من أخيه أبشالوم انتقاماً لأخته ثامار.
أبشالوم: ابنُ داود (من معكة بنت تلماي ملك جشور). قتل أخيه أمنون، ثم تمرّد على داود، ثم قُتل على يد يوآب قائد جيش داود أثناء المعركة.
أدونيا: ابنُ داود (من حجيث) حاول اغتصاب العرش في نهاية حياة داود، فأمر أخوه سليمان بقتله.
7 – مذبحةُ عثليَّة: عثلية هي ابنةُ أخاب وإيزابل مَلكي إسرائيل الشماليين، تزوجت من «يهوشافاط» ملك يهوذا. وبعد مقتل زوجها وأبنائها (خصوصاً أخزيا الذي هو من نسل داود) حكمت عثليةُ يهوذا كملكةٍ نحو 6 سنوات، بعدما أقدمت على قتل كلِّ ذريةِ بيتِ الملك، لمنع أيِّ وريثٍ شرعي من منافستها: «فلما رأت عثلية أُمُّ أخزيا أنَّ ابنها قد مات، قامت وأبادت كل النسل الملكي» (الملوك الثاني 11:1).
وهذه المذبحةُ شملت الأبناء والاحفاد (بما في ذلك الأطفال)، لأنَّ هدفها كان إبادةَ كلِّ مَن يمكن أن يطالب بالعرش. وكان حفيدها «يؤاش ابن أخزيا» الناجي الوحيدَ من المذبحة، إذ تمَّ إنقاذه خِفيةً من قِبَل عَمتِهِ «يهوشبع» شقيقةُ أخزيا، وزوجةُ الكاهن «يوياداع» الذي أخفاه في الهيكل لمدة 6 سنوات، ثم قاد تمرداً مع قادة الجيش وأعلنوا «يؤاش» ملكاً أمام الشعب: «وسمعت عثلية صوت الشعب يركض ويمدح الملك، فجاءت إلى الشعب في بيت الرب. وإذا بالملك واقف … فمزقت ثيابها وصرخت: خيانة! خيانة!» (العدد 13-14). ثم قُتلت عثلية بالسيف أمام قصر الملك.
قصةُ «عثلية» المرأةُ الوحيدة التي حكمت مملكة يهوذا رسمياً، ليست مجرد حدثٍ سياسي، بل هي تصويرٌ لذروة الانقلاب على الإرث الديني والملكي لسلالة داود، وهي تعكس جوهرَ التوتر الأخلاقي والديني في بيت داود.
8 – زكريا: بدأ الملكُ يؤاش (أحد ملوك يهوذا، وابن أخزيا ملك يهوذا، وحفيد الملكة عثلية) بالانحراف وسمح بعبادة الأصنام بعد موت الكاهن العظيم «يوياداع» (الذي ربّاه كابنهِ). قام الكاهن زكريا ابنُ يوياداع بتوبيخ الشعب والملك، فأمر الملكُ برجمهِ في ساحة الهيكل: «ولبس روحُ الله زكريا بن يوياداع الكاهن، فوقف فوق الشعب وقال لهم: هكذا يقول الله: لماذا تتعدُّون وصايا الرب فلا تفلحون؟ لأنكم تركتم الرب قد ترككم. فتآمروا عليه ورجموه بحجارة بأمر الملك في دار بيت الرب. ونسي يواش المعروف الذي عمله يوياداع والد زكريا معه، عندما أنقذه من مذبحة عثلية، بل قتل ابنه. وعند موته قال: الرب ينظر ويطالب». (أخبار الأيام الثاني، 24، 20–22).
وهذه القصةُ تكشف نمطاً ثابتاً في النصوص التوراتية، وهو رفضُ النبوَّةِ حين تتعارض مع السلطة، حتى داخل البيت الديني نفسه. وفي التقليد اليهودي والمسيحي، يُعتبر مقتلُ النبي زكريا بالحجارة داخل الهيكل، وصمةَ عارٍ في تاريخ المملكة. لذلك يصف المسيحُ الأُمةَ اليهودية بأنها “قاتلةُ الأنبياء”.
*الخاتمة*
إنَّ الأحداث والروايات التي يذكرها العهدُ القديم عن ببت داود الملكي، تُظهر أنَّ تاريخ الأسرة الملكية لم يكن قصةَ استقرار أو قداسةٍ مستمرة، بل كان سلسلةً من العنف والانقسامات والصراعات العائلية والسياسية على السلطة، التي امتدت في حياة داود وبعد موته: اغتصابٌ وانتقامٌ وقتلٌ بين الإخوة، تمرداتٌ وتصفياتٌ سياسية بعد انتقال السلطة، انحرافاتٌ دينية لبعض الملوك، مذابحُ داخل البيت الملكي نفسه.
ويرى كثيرٌ من الباحثين أنَّ هذه الروايات ليست تسجيلاً دقيقاً لأحداثٍ تاريخيةٍ وقعت بالفعل داخل الأسرة المالكة، بل أُدرجت ضمن إطار السرديَّة اللاهوتية – التاريخية للعهد القديم، لأهدافٍ تربوية وتعليمية. فكتّاب التوراة – الذين دوّنوا هذه النصوصَ بعد نحو أربعة قرونٍ من الزمن المفترض لوقوع هذه الأحداث – حاولوا إيجاد تفسيرٍ لانقسام المملكة أولاً، ثم سقوطها لاحقاً. وهكذا استخدموا قصصَ الصراعات العائلية، وجرائم القتل، والانحرافات الدينية، بوصفها أدلةً وعلاماتٍ مبكرةً على فساد السلطة وانحرافها عن العهد مع الله، ونتيجةً طبيعيةً لتراكم أخطاء أخلاقية ودينية داخل البيت الملكي، وليس فقط نتيجةَ عوامل سياسية أو عسكرية. وهكذا أصبحت هذه القصصُ جزءاً أساسياً من التفسير الديني والتأويل الرمزي للتاريخ كما تخيَّله كَتَبَةُ أسفار العهد القديم.


