مقالات رأي حر

لبنان إلى طاولة المفاوضات تحت الضغط: لقاء واشنطن يعيد شبح 17 أيار..

تحليل سياسي شامل حول المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بعد تصعيد الأربعاء الأسود، وتداعياتها على السيادة اللبنانية والعلاقات العربية.

لبنان إلى طاولة المفاوضات تحت الضغط: لقاء واشنطن يعيد شبح 17 أيار

📰 من “الأربعاء الأسود” إلى التفاوض القسري

في أعقاب ما يُوصف بـ“الأربعاء الأسود”، حيث شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً، بدا واضحاً أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك. هذا التصعيد لم يكن مجرد حدث أمني عابر، بل شكّل نقطة تحوّل دفعت لبنان، سياسياً، نحو خيار التفاوض المباشر، ولو تحت ضغط النار.

📰 عودة إلى التفاوض بعد 43 عاماً

تستعد الدولة اللبنانية اليوم الثلاثاء لعقد أول لقاء تفاوضي مباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية، وذلك بعد 43 عاماً على آخر مفاوضات مباشرة بين الطرفين، والتي أفضت إلى اتفاق 17 أيار 1983. ويُعيد هذا التطور فتح باب التفاوض المباشر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

📰 واشنطن تستضيف اللقاء: تمثيل دبلوماسي عالي الحساسية

تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن التي تستضيف الاجتماع الأول المباشر، حيث يجري اللقاء على مستوى دبلوماسي بمشاركة:

– السفيرة اللبنانية ندى حماده معوض ممثلةً بيروت
– السفير الإسرائيلي لدى واشنطن ممثلاً تل أبيب
– وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو
– السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى

ويعكس هذا التمثيل انتقال الملف من الإطار التقني إلى السياسي، ما يرفع منسوب الحساسية والرهانات المرتبطة بنتائج هذا اللقاء.

📰 خطة إسرائيلية جاهزة: التفاوض كغطاء لفرض الوقائع

بالتوازي مع انعقاد المباحثات، كشفت تسريبات إعلامية إسرائيلية عن مسوّدة خطة ستُعرض على لبنان، تُظهر أن مسار التفاوض قد لا يكون بهدف الوصول إلى تسوية متوازنة، بل لتكريس واقع ميداني يخدم المصالح الإسرائيلية.

وبحسب ما نُقل عن مسؤولين إسرائيليين، فإن الخطة تقوم على إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي فيها لفترة طويلة، بما يشبه النموذج المعتمد في غزة.

وتتضمن المسوّدة، التي يُقال إن الوزير الإسرائيلي السابق رون ديرمر أعدّها، تقسيم الجنوب اللبناني إلى ثلاث مناطق:

المنطقة الأولى: شريط عازل بعمق 7 إلى 8 كيلومترات من الحدود، مع وجود عسكري إسرائيلي كثيف وطويل الأمد
المنطقة الثانية: تمتد حتى نهر الليطاني، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بحجة استهداف حزب الله وبنيته التحتية
المنطقة الثالثة: شمال الليطاني، حيث تُلقى مسؤولية نزع سلاح حزب الله بالكامل على الجيش اللبناني

📰 من التفاوض إلى التشريع: تكريس الاحتلال بأدوات سياسية


هذه المعطيات تطرح قراءة خطيرة مفادها أن المفاوضات الجارية قد لا تكون سوى غطاء سياسي لتشريع التواجد العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وتحويله من احتلال مرفوض إلى واقع تفاوضي قابل للنقاش.

وفي هذا السياق، يصبح التفاوض أشبه بآلية لإضفاء شرعية تدريجية على وقائع ميدانية فرضتها القوة، لا منصة لاستعادة الحقوق.

📰 الهدف الأبعد: ضرب حزب الله وإعادة رسم الجغرافيا

تُظهر الخطة أن الهدف المباشر يتمثل في القضاء على حزب الله أو إضعافه جذرياً، عبر:

– استنزافه عسكرياً في المنطقة الممتدة حتى الليطاني
– نقل عبء المواجهة إلى الجيش اللبناني شمالاً
– تفكيك بنيته الأمنية والعسكرية تدريجياً

لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن هذا المسار قد يكون جزءاً من مشروع أوسع، يتجاوز البعد الأمني إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، بما يخدم تصورات استراتيجية بعيدة المدى، يُشار إليها أحياناً بمفاهيم مثل “ممر داوود”.

📰 مفاوضات غير متكافئة: لبنان في موقع الضعف

في ظل هذه المعطيات، يدخل لبنان المفاوضات من موقع ضعيف:

– أزمة اقتصادية خانقة
– انقسام سياسي داخلي
– غياب غطاء عربي فاعل

في المقابل، تستثمر إسرائيل تفوقها العسكري والدعم الأميركي لفرض شروطها، ما يجعل المفاوضات أقرب إلى استدعاء من القوي للضعيف تحت الضغط.

📰 غياب التنسيق العربي: لبنان وحيداً

يُسجَّل في هذا السياق غياب واضح لأي تنسيق لبناني مع محيطه العربي، لا سيما مع المملكة العربية السعودية التي لا تزال تعلن رفضها لمسار التطبيع مع إسرائيل.

هذا الغياب يضع لبنان في مواجهة منفردة مع ضغوط دولية وإقليمية، ويُضعف موقعه التفاوضي بشكل كبير.

📰 تداعيات محتملة: من الأمن إلى السيادة

إذا ما طُرحت هذه الخطة فعلياً على طاولة التفاوض، فإن تداعياتها قد تكون خطيرة:

– تكريس احتلال طويل الأمد لأراضٍ لبنانية
– فرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب
– تحويل الجيش اللبناني إلى أداة تنفيذية في ملف نزع السلاح
– فتح الباب أمام تغييرات جيوسياسية أوسع

📰 خاتمة: مفاوضات أم إعادة تشكيل للمنطقة؟

ما يجري في واشنطن يتجاوز كونه لقاءً تفاوضياً تقليدياً، ليطرح تساؤلات كبرى حول مستقبل لبنان ودوره في المنطقة.

فهل يتمكن لبنان من تفادي الانزلاق إلى تسوية مفروضة؟ أم أن هذه المفاوضات ستكون بوابة لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة التوازنات بالقوة وتُكرّس عبر السياسة؟

✍️ رشيد الخطيب



رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى