مقالات رأي حر

ترامب يلتف على الكونغرس: كيف تُدار لعبة الحرب والمفاوضات مع إيران من خلف الستار؟

تحليل سياسي يكشف كيف يستخدم ترامب المفاوضات مع إيران كغطاء لإعادة رسم قواعد الحرب والالتفاف على صلاحيات الكونغرس الأميركي، وانعكاسات ذلك على لبنان والمنطقة."

ترامب يلتف على الكونغرس: كيف تُدار لعبة الحرب والمفاوضات مع إيران من خلف الستار؟

📰 أولاً: من يملك قرار الحرب في الولايات المتحدة؟

ينصّ الدستور الأميركي على توزيع دقيق لصلاحيات الحرب بين الرئيس والكونغرس، حيث يمتلك الكونغرس وحده حق إعلان الحرب رسميًا، فيما يُعدّ الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، صاحب القرار التنفيذي في إدارة العمليات العسكرية.

لكن هذا التوازن تعرّض لاختبارات متكررة، خاصة بعد إقرار قانون War Powers Resolution عام 1973، الذي فرض قيودًا على تحركات الرئيس العسكرية، وألزمه بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري، مع مهلة لا تتجاوز 60 يومًا (تمتد إلى 90 يومًا كحد أقصى) للاستمرار دون تفويض رسمي.

هذا الإطار القانوني، الذي وُضع لمنع التفرد بالقرار العسكري، تحوّل مع الوقت إلى مساحة رمادية استغلها رؤساء الولايات المتحدة، ومن بينهم دونالد ترامب، لتوسيع هامش تحركاتهم العسكرية دون إعلان حرب رسمي.

📰 ثانياً: ترامب واستراتيجية الالتفاف على الكونغرس


منذ وصوله إلى البيت الأبيض، أظهر دونالد ترامب ميلاً واضحًا لاستخدام القوة العسكرية ضمن حدود “العمليات المحدودة”، بما يتيح له تجنب الاصطدام المباشر مع الكونغرس المنقسم، والذي بدا في مراحل عديدة غير مستعد لمنحه تفويضًا مفتوحًا للحرب، خاصة في ما يتعلق بإيران.

وفي هذا السياق، برزت فكرة استخدام الأزمات الإقليمية كمدخل قانوني وسياسي لإعادة تعريف طبيعة الصراع، بحيث لا يظهر كحرب شاملة، بل كعملية “حماية للمصالح الأميركية”، ما يمنح الرئيس هامشًا زمنيًا أوسع للتحرك دون العودة الفورية إلى الكونغرس.

📰 ثالثاً: مفاوضات مُعدّة للفشل بين واشنطن وطهران


تشير المعطيات السياسية إلى أن مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مصممًا للوصول إلى اتفاق بقدر ما كان يهدف إلى إدارة التصعيد. فالمفاوضات، وفق هذا المنظور، بُنيت على قاعدة قابلة للانفجار عند أول اختبار حقيقي، خصوصًا عند الملفات الحساسة مثل تخصيب اليورانيوم.

وفي خضم هذه العملية، جاء التصعيد الإسرائيلي في لبنان، فيما عُرف بـ“الأربعاء الأسود”، ليشكّل نقطة تحول مفصلية، حيث أعاد خلط الأوراق وربط المسارات التفاوضية بالميدان، ضمن ما يُعرف بمبدأ “ربط الساحات”.

📰 رابعاً: الأهداف الخفية – لماذا هذا التوقيت؟

1️⃣ الالتفاف القانوني وفتح باب الحرب:

يسعى ترامب، من خلال إعادة تعريف طبيعة المواجهة مع إيران، إلى الانتقال من عنوان “تغيير النظام” – الذي فشل خلال مهلة الأسبوعين التي أعلنها سابقًا – إلى عنوان جديد أكثر قابلية للتسويق، وهو “حماية الملاحة الدولية وتحرير مضيق هرمز”.

هذا التحول يتيح له، عمليًا، استخدام قانون الصلاحيات الحربية للحصول على مهلة تصل إلى 90 يومًا، دون الحاجة إلى تفويض مباشر من الكونغرس، ما يشكّل التفافًا قانونيًا على جوهر صلاحياته.

2️⃣ ضرب العلاقة بين إيران وحزب الله:

في حال قررت إيران الاستمرار في المفاوضات بمعزل عما جرى في لبنان، فإن ذلك سيُفسَّر كابتعاد عن حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، ما يخلق حالة من الإرباك أو “خيبة الأمل” داخل محور المقاومة.

هذا السيناريو يفتح الباب أمام إسرائيل لتصعيد عملياتها ضد حزب الله، سواء في الجنوب أو في العمق، مستفيدة من أي تراجع في الدعم المعنوي أو الاستراتيجي.

وفي الداخل اللبناني، قد يمنح هذا الواقع فرصة للحكومة برئاسة نواف سلام لفرض وقائع جديدة، وهو ما قد يقود، وفق هذا الطرح، إلى سيناريوهات خطيرة، من بينها احتمالات انفجار داخلي أو حتى انزلاق نحو صراع أهلي.

3️⃣ إفشال المفاوضات عبر الميدان:

أما في حال اختارت إيران ربط مسار التفاوض بوقف إطلاق النار في ساحات المواجهة، فإن المعطيات تشير إلى أن إسرائيل لم تكن ملتزمة فعليًا بأي تهدئة، حيث استمرت عملياتها العسكرية خلال فترة التفاوض.

هذا الواقع أدى إلى رفع مستوى التوتر، وخلق بيئة مشحونة سرّعت من انهيار المفاوضات، خاصة عند الوصول إلى ملف تخصيب اليورانيوم، الذي شكّل نقطة الانفجار الحاسمة بين الأطراف.

📰 خامساً: بين القانون والسياسة… من يحكم قرار الحرب؟

تكشف هذه المعطيات عن فجوة متزايدة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية في الولايات المتحدة، حيث يتحول القانون إلى أداة قابلة للتكييف السياسي، بدل أن يكون ضابطًا صارمًا للقرار العسكري.

وفي ظل كونغرس منقسم، ورئيس يسعى لتوسيع صلاحياته، تصبح الحروب “المحدودة” والمفاوضات “الهشة” أدوات متكاملة لإدارة الصراع، لا لإنهائه.

📰 الخلاصة

ما يجري بين واشنطن وطهران لا يمكن قراءته كمسار تفاوضي تقليدي، بل كجزء من لعبة أكبر تُستخدم فيها الدبلوماسية كغطاء لإعادة رسم قواعد الاشتباك. وبينما يبدو المشهد وكأنه صراع على طاولة المفاوضات، فإن حقيقته تُحسم في الميدان، حيث تختلط الحسابات القانونية بالأهداف الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار، لا يعود السؤال: هل يحق للرئيس الأميركي شن الحرب دون الكونغرس؟ بل يصبح: كيف يمكنه أن يفعل ذلك دون أن يبدو أنه خالف الدستور؟

✍️ رشيد الخطيب



رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى