مقالات رأي حر

حين تخذل الدولة ويصمت المرجع… يبدأ نزوح الكرامة…

مقال تحليلي عن أوضاع النازحين اللبنانيين الذين تهجروا بسبب الحرب وعجز الدولة والمؤسسات عن احتضانهم."

💔 حين تخذل الدولة ويصمت المرجع… يبدأ نزوح الكرامة

في كل حرب هناك من يطلق النار، وهناك من يتلقى القذائف.
لكن بين الطرفين يقف دائماً إنسان بسيط لا علاقة له بقرارات الحرب ولا بمساراتها.
وفي الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل وحزب الله، وجد مئات آلاف اللبنانيين أنفسهم
فجأة خارج بيوتهم، يحملون أطفالهم وذكرياتهم القليلة، ويتجهون نحو المجهول بحثاً عن مأوى.

القرى الجنوبية والبلدات الحدودية تحولت في أيام قليلة إلى مناطق شبه خالية.
البيوت أُقفلت على عجل، الطرق امتلأت بسيارات الهاربين، والعائلات غادرت أرضها
التي عاشت فيها أجيال متعاقبة تحت ضغط القصف والخوف من المجهول.

لكن المأساة الحقيقية لم تبدأ مع سقوط القذائف فقط،
بل مع اللحظة التي اكتشف فيها هؤلاء الناس أنهم باتوا بلا بيت،
وبلا جهة واضحة قادرة على احتضانهم.

🏚️ نزوح جماعي بلا مأوى

مع اتساع رقعة الضربات العسكرية، بدأ النزوح الجماعي من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.
مئات آلاف اللبنانيين تدفقوا نحو بيروت والجبل والشمال بحثاً عن ملجأ آمن.

المدارس تحولت إلى مراكز إيواء، بعض القاعات العامة فُتحت على عجل،
والملاعب أصبحت مأوى مؤقتاً لعائلات كاملة. لكن هذه الأماكن لم تكن كافية
لاستيعاب حجم المأساة.

سرعان ما امتلأت المراكز، وبقيت آلاف العائلات خارجها.
نام البعض داخل سياراتهم، وآخرون لجأوا إلى أبنية غير مكتملة أو مستودعات مهجورة.
وفي مشاهد قاسية، اضطرت عائلات إلى نصب أغطية بلاستيكية على عجل
كي تحمي أطفالها من برد الليل.

في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي غير مسبوق، تحولت موجة النزوح
إلى أزمة إنسانية تفوق قدرة الدولة والمجتمع على التحمل.

🏛️ دولة غائبة أمام مأساة النازحين

الحكومة اللبنانية التي تعاني منذ سنوات من الانهيار المالي والإداري
وجدت نفسها عاجزة أمام واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ البلاد.

البنية التحتية متهالكة، الموارد محدودة، والخزينة شبه فارغة.
ولهذا لم تستطع الدولة سوى فتح عدد محدود من المدارس والمراكز العامة
كملاجئ مؤقتة، وهي خطوة بقيت رمزية أمام حجم الكارثة.

وهكذا وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم يواجهون مصيرهم وحدهم،
يتنقلون من منطقة إلى أخرى بحثاً عن سقف يأويهم ولو مؤقتاً.

⚖️ حين يصمت المرجع

وسط هذه الفوضى الإنسانية، أثارت تصريحات نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
الشيخ علي الخطيب جدلاً واسعاً عندما أشار إلى أن مسؤولية رعاية النازحين
تقع أساساً على عاتق الدولة.

ورغم التوضيحات اللاحقة التي تحدثت عن فتح بعض المؤسسات والمرافق للمساعدة،
إلا أن وقع الكلمات كان ثقيلاً على آلاف العائلات التي شعرت للحظة
أنها متروكة بين دولة عاجزة ومؤسسات دينية محدودة القدرة.

في لحظة النزوح الكبرى، لم يكن السؤال سياسياً ولا طائفياً،
بل إنسانياً بسيطاً: من سيحتضن هؤلاء الناس؟

💔 حين يدفع الإنسان ثمن بيئته

المفارقة المؤلمة أن معظم هؤلاء المدنيين لم يشاركوا في اتخاذ قرار الحرب.
لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في قلبها فقط لأنهم يعيشون في مناطق
تُعتبر جزءاً من البيئة السياسية لهذا الطرف أو ذاك.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية:
فالإنسان في لبنان لا يُنظر إليه دائماً كمواطن فرد،
بل كامتداد لبيئته الطائفية والسياسية.

وعندما تندلع الحرب، يصبح هذا الانتماء عبئاً ثقيلاً.
فالمدني يتحول في نظر العدو إلى هدف محتمل،
وفي نظر الداخل إلى رقم إضافي في معادلة الصراع.

هكذا يدفع الإنسان ثمن البيئة التي وُلد فيها،
وثمن المذهب الذي ينتمي إليه،
وثمن صراعات لم يكن له رأي في إشعالها.

🧭 الطائفة كقدر سياسي

ما كشفته موجة النزوح الأخيرة هو الوجه الحقيقي للنظام اللبناني.
ففي لحظة الكارثة، ظهر بوضوح أن الدولة ليست المرجعية الأولى،
بل الطوائف والمناطق والانتماءات الضيقة.

بعض المناطق فتحت أبوابها للنازحين، وأخرى ضاقت قدرتها على الاستيعاب.
وفي حالات كثيرة، شعر النازح أنه يحمل معه عبء انتمائه السياسي
أينما ذهب.

وهكذا تحولت مأساة النزوح إلى مرآة للنظام الطائفي نفسه،
حيث يصبح المواطن أسيراً لهوية لم يخترها.

⚠️ لبنان الذي يدفع ثمن حروبه

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة،
بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الصراعات الإقليمية
والدولة الضعيفة والتوازنات الهشة.

لبنان الذي كان يوماً مساحة للحياة والانفتاح،
تحول تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها حروب الآخرين.

وفي كل مرة تشتعل فيها المنطقة،
يدفع اللبنانيون الثمن ذاته:
بيوت مدمرة، قرى مهجورة، وعائلات تتحول إلى نازحين داخل وطنها.

إنها مأساة بلدٍ يبدو فيه المواطن دائماً الحلقة الأضعف،
والضحية الأولى… واللاجئ الأخير.

✍️ رشيد الخطيب



رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى