لبنان بين النصوص القانونية والسرديات المتبدّلة: هل يتغيّر تعريف العدو؟
مقال تحليلي يتناول الجدل حول توصيف إسرائيل كعدو للبنان بين النصوص القانونية والسرديات السياسية، ويستعرض المرتكزات العربية والقانونية التي تحكم هذا الموقف."

📰 لبنان بين النصوص القانونية والسرديات المتبدّلة: هل يتغيّر تعريف العدو؟
في خضم التحوّلات السياسية والإعلامية التي تشهدها المنطقة، برزت في الآونة الأخيرة مواقف مثيرة للجدل صادرة عن بعض الأقلام اللبنانية، تذهب إلى حد التشكيك في توصيف إسرائيل كـ”عدو” للبنان، مستندة إلى حجج قانونية تعتبر أن هذا التوصيف لم يرد صراحة في النصوص الدستورية اللبنانية. هذا الطرح، وإن بدا للبعض محاولة لإعادة قراءة الواقع، يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول الثوابت القانونية والتاريخية التي حكمت موقف لبنان منذ نشأته.

📜 المرتكز العربي: التزام تاريخي لا لبس فيه
منذ انضمامه كعضو مؤسس في جامعة الدول العربية، تبنّى لبنان موقفًا واضحًا من القضية الفلسطينية ومن الكيان الإسرائيلي. فقد أقرّت الجامعة، بإجماع أعضائها، قرارات تعتبر إسرائيل دولة عدوة محتلة، وتضع الدول العربية في حالة صراع معها. ولم يكن لبنان يومًا على هامش هذا التوجه، بل كان من أكثر الدول تمسكًا بهذه القضية.

وقد تضمّن ميثاق الجامعة ملحقًا خاصًا بفلسطين، لعب لبنان دورًا أساسيًا في صياغته، حيث رفض بشكل قاطع مشاريع تقسيم فلسطين أو إقامة وطن قومي لليهود. كما شارك في مؤتمرات عربية مفصلية مثل إنشاص وبلودان عام 1946، داعيًا إلى مواجهة المشروع الصهيوني ومنع انتقال الأراضي الفلسطينية.
حتى في لحظة الهدنة عام 1948، لم يكن موقف لبنان نابعًا من قناعة، بل جاء استجابة لقرار عربي جماعي، ما يعكس التزامه بالإجماع العربي أكثر من أي تغيير في قناعاته السيادية.
⚖️ الإطار القانوني اللبناني: نصوص واضحة ومباشرة
بعيدًا عن التفسيرات السياسية، فإن القانون اللبناني نفسه يحتوي على نصوص صريحة تنظم العلاقة مع إسرائيل وتحدد طبيعتها. أبرز هذه النصوص هو قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، والذي يحظر بشكل كامل أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع جهات أو أفراد مرتبطين بإسرائيل، سواء على الصعيد التجاري أو المالي أو غيره.

كما ينص قانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16-9-1983) على اعتبار لبنان في حالة حرب مع إسرائيل، ويصنّف أي تواصل معها كتهديد للأمن القومي. ويعزّز هذا الإطار القانوني المرسوم رقم 12562 الصادر عام 1963، الذي ينظم آليات المقاطعة ويشدد على تطبيقها.
🧭 بين القانون والواقع: هل نحن أمام إعادة صياغة للهوية؟
إن تجاهل هذه النصوص أو محاولة القفز فوقها لا يمكن اعتباره مجرد اجتهاد فكري، بل يطرح تساؤلات جدية حول خلفيات هذا الخطاب. فهل نحن أمام محاولة لإعادة تعريف العدو؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى إعادة تموضع لبنان في خريطة التحالفات الإقليمية؟
الحديث عن “التطبيع” أو “السلام” مع إسرائيل، في ظل هذه المعطيات، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل ضغوطًا سياسية واقتصادية، وربما مشاريع لإعادة تشكيل المنطقة. إلا أن أي نقاش من هذا النوع يجب أن ينطلق من احترام الوقائع القانونية والتاريخية، لا من تجاهلها أو تحريفها.
بين الحرية الفردية والثوابت الوطنية
صحيح أن لكل لبناني الحق في التعبير عن رأيه وتحديد موقفه السياسي، لكن هذا الحق لا يلغي وجود ثوابت قانونية وتاريخية تشكّل جزءًا من هوية الدولة. إن النقاش حول العلاقة مع إسرائيل يجب أن يُبنى على أسس واضحة، لا على سرديات انتقائية.
لبنان، كما عرفناه منذ إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920، قام على توازنات دقيقة وهويات متعددة. واليوم، يبدو أن هذا النموذج يواجه تحديات غير مسبوقة، تفرض إعادة طرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وأين نقف؟ وإلى أين نتجه؟
✍️ رشيد الخطيب



