*العنفُ المقدس: إبادةٌ، سبيٌ، واستعبادٌ جنسي باسمِ الطهارةِ الدينية* (الجزء التاسع)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*
تتناولُ هذه الدراسةُ الإصحاحَ الحادي والثلاثين من سفر العدد الذي تقعُ أحداثُه بعد خروج بني إسرائيل من مصر بقيادةِ «موسى»، وأثناء فترة التيه في صحراء سيناء التي استمرت 40 سنة.
وهو يُعَدُّ أحدَ أكثر الإصحاحات التوراتية إثارةً للجدل، لما يحويه من عنفٍ مُفرطٍ يُنسب صراحةً إلى أمر إلهي يُقدَّم بوصفه عملاً تطهيريِّاً مشروعاً. وكعادتها، تُدرِج التوراةُ أفعالاً تُعتبر اليوم جرائم أخلاقيةً خطيرة ضمن سرديةٍ لاهوتيةٍ تبرّرها، أو تُحوِّلها إلى جزءٍ من ما يُسمَّى “الخُطَّة الإلهيَّة”.
*سياقُ الأحداث: فتنةُ بني إسرائيل مع المِديانيين*
يمكنُ تلخيصُ السياق الذي يؤدي إلى هذا الإصحاح بالعودةِ إلى سفر العدد، الإصحاح 25، حيث يُروى أنَّ بني إسرائيل «زنوا مع بناتِ مُوآب»، فاستدرجتهن النساءُ إلى عبادة «بعل فغور». وبسبب هذه الخطيئة الجماعية، حلَّ غضبُ الإله، فانتشر وباءٌ أودى بحياةِ أربعة وعشرين ألفاً من بني إسرائيل. هنا يتدخل «فينيحاس بن ألعازار»، حفيدُ هارون، فيقتل رجلاً إسرائيلياً وامرأةً مديانيةً كانا يزنيان، فيُرفعُ الغضبُ الإلهي، ويُكافأ فينيحاس بعهدِ الكهنوت الأبدي: «فتراءى له الغضبُ على بني إسرائيل، وأخذ فينيحاس بن ألعازار الكاهن ورفع عنهم الغضب» (عدد 25:11–13).
الصورةُ الدمويَّةُ لموسى في التوراة
بعد هذه الأحداث، يقدِّم الإصحاحُ 31 ما يُسمَّى «انتقامُ الربِّ من المِديانيين»، حيث يأمر الربُّ «موسى» بتجهيز حملةٍ عسكريةٍ مكوَّنةٍ من اثني عشر ألف مقاتل، ألفٌ من كلِّ سبطٍ، يرافقهم الكاهنُ ألعازار: «خذوا عليكم رجالاً لكلِّ سبطٍ ألفُ مقاتل، وأرسلوا إلى الحرب على المديانيين” (عدد 31:3–4).
تروي النصوصُ أنَّ الجيش الإسرائيلي قتلَ جميعَ الذكور البالغين من المديانيين، وأَسَر النساءَ والأطفال، واستولى على الممتلكات والمواشي. عندها يتدخَّل «موسى» غاضباً لأنَّ الجنود أبقوا النساءَ والأطفال أحياءً، فيُصدر الأمرَ الأكثرَ صدمةً: «فالآن اقتلوا كلَّ ذكرٍ من الأطفال، وكلَّ امرأةٍ عرفت رجلاً بمضاجعةِ ذكرٍ اقتلوها. لكن جميع الفتيات الصغيرات اللواتي لم يجامعن رجلاً، أبقوهنَّ لكم أحياءً» (عدد 31:17–18).
ينتقلُ النصُّ هنا، من سردٍ حربيّ إلى تشريعٍ إباديّ صريح، يحدِّد مَن يُقتل ومَن يُستبقى، بناءً على معيارٍ جسديّ جنسي، لا على مسؤوليةٍ فرديةٍ أو فعلٍ مُرتكب.
وهنا تكمنُ الإشكاليةُ الأساسيةُ لمنطق النصِّ الأخلاقي: لماذا يُبادُ شعبٌ كامل – رجالاً ونساءً وأطفالاً – بسبب فتنةٍ شارك فيها بنو إسرائيل طوعاً لا قسراً؟
الروايةُ نفسها تؤكد أنَّ الإسرائيليين هُم مَن «ذهبوا» إلى الزنى وعبادة بعل فغور، لا أنهم أُكرهوا على ذلك. وإذا كانت الشريعةُ التي تُحرِّم الزنى وعبادة الأصنام مُلزِمةً لبني إسرائيل، فهي لا تلزِم المديانيين الذين لم يكونوا جزءاً من هذا العهد. فكيف يُحاسَب «الأغيارُ» على معايير دينيةٍ لا تنطبق عليهم؟ وأين مبدأ المسؤولية الفردية في عقابٍ جماعيّ يشمل الرُّضعَ والأطفال؟
الواقع أنَّ النصَّ التوراتي يقدِّم العدالةَ كأمر إلهي نافذ، لكنها عملياً أداةٌ للسلطة والتفوق الإثنيّ أكثر من كونها عدالةً أخلاقيةً حقيقية.
وهنا تكمن الفروقُ بين موسى التوراتي وموسى القرآني: السردُ التوراتي يقدِّمه بصورةِ القائد السياسي والحربي والقومي والتاريخي الخاص ببني إسرائيل، الذي ينفِّذ أوامرَ إلهيةً دمويةً بالسبي والإبادة الجماعية؛ السردُ القرآني يقدِّمه بصورةِ النبي المصلح في مواجهة طغيان فرعون، الصابرِ على تمرد جماعته، الداعي الى التوحيد، وباعتباره نموذجاً أخلاقياً وروحياً مثالياً.
ثقافةُ العُنف وذهنيةُ الغنيمة

بعد تنفيذِ أَمرِ النبي موسى، يبدأ تقسيمُ الغنائمُ بين المحاربين والجماعة والكهنة، ويُحصى عددُها بدقةٍ متناهية: 675 ألف شاة، 72 ألف بقرة، 61 ألف حمار، و32 ألف فتاة عذراء تمَّ الاحتفاظُ بهن.
وهذه الأرقامُ الدقيقةُ تطرحِ أكثر من سؤال: لماذا تكون الدقَّةُ حاضرةً في تعداد أرقام الضحايا والسبايا والغنائم من الحيوانات، بما يخدم صورةَ الانتقام والانتصار، ولكنها غائبةٌ أو غامضة فيما يخصُّ مكان دفن موسى. فقد ورد في سفر التثنية: «اللهُ هو الذي دفنه، ولا يعرفُ إنسانٌ قبره إلى اليوم»
ثم كيف تحولت هذه الجماعةُ الهاربةُ من فرعون مصر، والتائهةُ في صحراء سيناء، بهذه السرعة القياسية من حالةِ الضعف الشديد والعبودية، الى قوةٍ عسكريةٍ قادرةٍ على خوض حروبٍ منظَّمة مع القبائل، دون وصفٍ نصِّي كافٍ لعملية التدريب أو التسليح؟
لذلك يُرجِّحُ علماءُ النقد التاريخي أنَّ هذه الأرقام لها بُعدٌ رمزي أو لاهوتي، وليست إحصائياتٍ دقيقةً أو تاريخيةً بمعايير اليوم، خصوصاً أنَّ النصوص القديمة غالباً ما تستخدم أرقاماً ضخمةً للتأكيد على النصر أو البركة الإلهية، وليس للتوثيق العددي الواقعي، لأنَّ أعداد المقاتلين المذكورة في سفر العدد، تبدو ضخمةً جداً مقارنةً بواقع المجتمعات القديمة، وهو ما يشكِّك في مصداقيتها.
بعبارةٍ أخرى، الأرقامُ الضخمةُ هنا لا تعكس واقعاً عسكرياً، بل تُستخدم كأداةٍ لاهوتيةٍ وروائيةٍ لإعادةِ تأكيدِ مكانةِ الجماعة الإسرائيلية في صناعة تاريخ المنطقة.
مفارقاتٌ أخلاقيةٌ: معاييرُ الانتقاءِ والتمييز الجنسي

يظهرُ معيارُ «العُذريَّة» كشرط النجاة الوحيد للنساء، وهو تصنيفٌ جسديّ لا يحمل أيَّ قيمةً أخلاقيةً، بل يُستخدم لتقرير مَن يُقتل ومَن يُستبقى. قتلُ الأمهات والنساء «العارفات بالرجال» واستبقاءُ الفتيات العذارى يكشف منطقاً يعامل المرأةَ كغنيمةٍ قابلةٍ لإعادة التملّك والإدماج القسري داخل الجماعة المنتصرة. ما يطرح سؤالاً: أليست هؤلاء الفتيات سبايا حرب؟ وألا يُستخدم الدينُ كغطاء للاستعباد الجنسي؟
العذريةُ هنا ليست مجرد معيار، بل أداةٌ للهيمنة والسيطرة على الأجساد، واستخدام الدين لتبرير إعادة توزيع النساء في سياق السلطة الجماعية.
أضف الى ذلك، أنَّ تلك المجزرة تتناقض مع الهدف المُعلن للحملة، وهو الانتقام من فِعل الزنى الذي أفسد بني إسرائيل. فكيف يكون الردُّ على خطيئة الزنى بالإبادة الجماعية؟ وألا يُعاد فتحُ الباب أمام الفتنة نفسها عبر احتفاظ الاسرائيليين بعذارى مدين؟ هذه المفارقةُ تشير الى أنَّ المشكلة لم تكن أخلاقيةً بقدر ما كانت إثنية/دينية، تتعلق بنقاءٍ مزعومٍ للجماعة، لا بسلوكها؟
وتزدادُ المفارقةُ حين يظهر أنَّ «يثرون» – كاهن مديان – هو حمو موسى نفسه، وأنَّ موسى متزوجٌ من ابنته «صفّورة» التي سبق لها أن أنقذته من الموت عبر خِتان ابنها بيدها. بل إنَّ يثرون يُقدَّم في سفر الخروج (الإصحاح 18) كشخصيةٍ حكيمةٍ تُقدِّم لموسى نصائح أساسيةً في تنظيم القضاء والحكم. فكيف يمكن للنصَّ الجمعَ بين صورةِ «المديانيُ الحكيم» وصورةِ «الشعب المدياني المستحقِّ للإبادة»، بما في ذلك النساء والأطفال الذين يُفترض أنهم أقرباء زوجة موسى؟
الخاتمةُ: الخطةُ الإلهيَّةُ وإنتاجُ المعنى
في التفسير التقليديّ، يوجد الكثيرُ من الفجوات التي تُملأ بعبارةِ: «التدخُّل الإلهي»، أي عنصر الدعم الإلهي الذي اليه تُنسب الانتصارات، وليس فقط إلى القوة البشرية. وهذا ليس تفسيراً يمكن اختباره أو التحقق منه تاريخياً، بل هو إطارٌ إيماني يُستخدم لتفسير ما لا يمكن تفسيره مادياً، وعنصرٌ لاهوتي جاهزٌ لحلّ المعضلات.
و«الخُطةُ الإلهيَّة» المفترضةُ في التوراة، ليست خطةً سابقةً تكشفها الوقائعُ، بل هي نتيجةٌ للسرد نفسه الذي لا يسجَّل حقائق تاريخية، بل يتحول إلى أداةٍ للسلطة والإيديولوجيا. فالسردُ يُستدعى لتفسير بعض الأحداث السياسية والعِرقية، لتصبح الأفعالُ المشينةُ عنصراً من عناصر بناءِ ذاكرةٍ جماعيةٍ متماسكةٍ قائمةٍ على التمايز الإثني والديني، تعكس رغبةَ كَتَبةِ الأسفار
في إبراز فكرةِ «شعبٍ مختار» ينتصر رغم ضعفه، وفي رسمِ هُويَّةِ “بني يعقوب” عبر التجارب الصادمة والصراعات الداخلية والخارجية التي كُتبت أحداثُها بعد فتراتٍ زمنيةٍ لاحقةٍ. وهو ما يجعلها تفسيراتٍ لاهوتيةً ورواياتٍ أدبيَّة ورمزيَّة تحمل ادعاءاتٍ تتهاوى مصداقيتها وتماسكها عندما يتمُّ نقدها وتفكيكها من زوايا مختلفة: تاريخيَّة، منطقيَّة، ونصيَّة.
ما نواجهه في سفر العدد 31 هو نموذجٌ صريح لما يمكن تسميته بالعنف المقدَّس: عنفٌ يُضفى عليه طابعٌ إلهي ونبويّ، فيتحول إلى أداةٍ لتبرير الإبادة الجماعية، السبي، والاستعباد الجنسي باسم الطهارة الدينية ونقاء الشعب المختار. وهذا لا يعكس منظومةً أخلاقيةً رفيعةً، بل يكشف منظوراً إقصائياً وأيديولوجياً يحوّل النصَّ الديني من مجالٍ للهداية الأخلاقية إلى أداةٍ لشرعنةِ الإبادة. وهو ما يقوم به الكيانُ المحتل منذ 80 سنة في بلادنا.


