مقالات رأي حر

*الوجوهُ المظلمةُ في التوراة: قراءةٌ نقديةٌ في سرديات بني إسرائيل المقدسة* (الجزء الثامن)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

*نساءٌ في قلبِ السرد المقدَّس .. ومحورٌ للإشكاليات الأخلاقية*

تكشفُ قراءةُ الروايات التوراتية مفارقةً لاهوتيةً عميقة، وهي أنّ الكثير من القصص التي تحمل طابع الزنى، أو الخداع، أو القتل، أو العلاقات المحرّمة، أصبحت الأساسَ الذي بُني عليه السردُ المقدّس، وصارت جزءاً من تاريخ «شعب الله المختار». فقد تمَّ تصويرُ العديد من الشخصيات التوراتية – رغم خطاياها الأخلاقية العميقة – كأعمدةٍ للهُويَّة الدينية، بل وممراً لسلسلةِ نسبِ المسيح نفسه في العهد الجديد، على الرغم من أنه من المفترض أنه وُلد من «عذراء»، وبالتالي لا يجوز أن يكون له نَسَب.

1 – ثامار: تقومُ القصةُ الواردةُ في سفر التكوين (38: 24-26) على تقليدٍ قديمٍ يُلزِم أخا الزوجِ المتوفى بالزواج من أرملته لإنجاب نسلٍ له. يمتنعُ «يهوذا ابن يعقوب» عن تزويج كَنَّته «ثامار» لابنه الثالث «شيلة» وفق العُرف. فتلجأ «ثامار» إلى التنكُّر بهيئةِ زانيةٍ للحصول على حقّها. فتحتالُ عليه وتَحمِل منه. وبعد ثلاثةِ أشهرٍ يُقال ليهوذا بأنَّ كَنَّتك ثامار قد زنت، وها هي حبلى أيضاً من الزنا. فقال يهوذا: «أخرجوها فتُحرق». لأنَّ فِعل الزنى هو خطيئةٌ وعارٌ عظيم على العائلة . ولمَّا أثبتت ثامار بالدليل أنها حُبلى منه، قال: «هي أَبَرُّ مني، لأني لم أُعطِها لشيلة ابني».

تُعدُّ هذه الروايةُ من أكثر السرديات التوراتية إثارةً للجدل والنقد الذي لا يتوقف عند بُعدها الأخلاقي، بل يمتدُّ إلى بنيتها السردية، ووظيفتها اللاهوتية، ودلالاتها الاجتماعية. فالنصُّ لا يدينُ الحادثةَ بشكلٍ واضح، بل يبدو وكأنه يبرِّر استخدامَ الخداعِ لتحقيق العدالة، بدل تقديمِ نموذجٍ أخلاقي صريح. ويظهر ذلك عندما تُضطر المرأةُ إلى الخديعة والحيلة لاستعادةِ حقِّها في النسل والاعتراف؛ وعندما يحكم يهوذا على كَنَّته بالموت: «فتُحرق». ولكن عندما انكشف بأنه هو الأب، يتراجع ويكتفي بالقول: «هي أبرُّ مني» دون إدانةٍ صريحةٍ لنفسه من حيث الفعل ذاته، بل من حيث تقصيره في تزويجها لابنه شيلة. وهذا يُفهم بوصفه نوعاً من التبرير أو التزكية الضمنية أو النفاق الأخلاقي.

القصةُ تكشف البنيةَ الذكورية والسلطةَ الأبوية في المجتمع، والخلل في تطبيق القوانين والشرائع، حيث يتحايل الرجالُ عليها، وتُظلم المرأةُ عند تعطيلها. وهي تقوِّضُ صورةَ الآباء المؤسِّسين (أبناء يعقوب) بدل تمجيدهم. والمفارقةُ أنَّ «ثامار» تنجبُ من هذه العلاقة الجنسيَّة المُحرَّمة، ابنيها «رازح» و «فارص»، حيث سيصبح الأخيرُ بدايةَ سلسلةِ نَسَبٍ تُفضي لاحقاً إلى داود.

2 – راحابُ الزانية: في سفر يشوع (الاصحاح 2-6) تظهرُ شخصيةٌ غير متوقّعةٍ: راحاب، إمرأةٌ كنعانيةٌ تعمل «زانية» بحسب النص التوراتي. تستقبل جواسيسَ «يشوع» الذين أرسلهم لاستطلاع مدينةِ «أريحا» قبل اقتحامها وتدميرها وإبادة سكانها، وتُخبّئهم عندها، وتكذب على رجال المدينة لتضليلهم، ثم تساعدهم على الهرب مقابل وعدٍ بحمايةِ أسرتها حين تتمُّ مهاجمةُ المدينة.
هذه القصةُ التي تتداخل فيها عناصرُ دينية وأخلاقية وسياسية، تثير جملةً من الاشكاليات: فالنصُّ لا يدينُ كَذِبَ «راحاب»، بل يُكافئها بالنجاة، ما يُفهم وكأنه شرعنةٌ للخداع إذا خدم هدفاً دينياً أو سياسياً . فهل يجوز خرقُ القيمِ الأخلاقية لتحقيق غايةٍ يُنظر إليها على أنها إلهية أو مقدسة؟ الجوابُ من التوراة: نعم، طالما أنَّ خرقها يخدم «الخطةَ الإلهَّية» والسرديَّةَ العامَّة لشعبِ الله المختار.

من منظورٍ قوميّ، تُعَدُّ «راحاب» خائنةً لشعبها ومدينتها (أريحا) لمصلحةِ قوةٍ غازية. لكنَّ النصَّ يُقدَّمها بوصفها قدوةً في الإيمان، لأنه يربط نجاتها بإيمانها، مقابل هلاكِ بقيةِ السكان، ما يُفهم على أنَّ خيانتها تبريرٌ للإبادة الجماعية، وشرعنةٌ للعنف الديني المقدَّس، وإعادةُ تعريفِ القيم وفقَ منطقٍ ديني/انتصاري. وبهذا يصبح «الإيمانُ» وحدهُ أداةً لقبولِ الشعوب والأُمم غير الاسرائيلية في الجماعة أو رفضها؛ لدمجِ «الآخر» أو «الأغيار» في السردية المقدسة أو إقصائهم.

اللافتُ في القصَّة ليس فقط الدور البارز لإمرأةٍ خارجةٍ عن شعب بني إسرائيل، في مساعدةِ جواسيس يوشع، بل في أنّ «راحاب» (التي تُعرَّفُ أساساً بأنها “زانية” حتى عندما تُمدح) ستصبح لاحقاً زوجةً لسلمون، وأُمًَاً لبوعز، أي أنها ستدخل مباشرةً في سلسلةِ نَسَبِ الملك داود، ونَسَبِ المسيح كما يذكر إنجيلُ متى.

3 – بتشبع: هذه من أوضحِ الروايات التي تفضحُ استغلال السلطة السياسية: يروي سفرُ صموئيل الثاني (الإصحاح 11 – 12) أنَّ الملك «داود» يرى إمرأةً متزوجةً تستحمُّ على سطح بيتها، فيرسل اليها ويضطجع معها، وعندما تَحمِل منه – وهي ما تزال متزوجةً – يرسل زوجَها «أوريَّا الحِثِّي» الى جبهة القتال ويُدبِّر قتله بيد الجيش كي يخفي خطيئته.
وتطرحُ هذه الروايةُ إشكالاً دينياً وأخلاقياً واضحاً: فالشريعةُ التي تُنسب الى موسى تُحرِّم إقامةَ علاقةٍ جنسيةٍ مع إمرأةٍ متزوجة، ويُسمَّى ذلك «زنى»، وهو من الجرائم الخطيرة. وتَرِدُ الوصيةُ في سفر الخروج (20:14) ضمن الوصايا العشر: «لا تَزْنِ.». أما سفر اللاويين (20:10) فيذكر التحريمَ ويحدِّد العقوبةَ التي هي القتل للطرفين: «وإذا زنى رجلٌ مع امرأةٍ، إذا زنى مع امرأةٍ قريبه، فإنه يُقتل الزاني والزانية». وفي سفر التثنية (22:22): «إذا وُجد رجلٌ مضطجعاً مع إمرأةٍ متزوجةٍ ببعلٍ، يُقتل كلاهما».
واللافت أنَّ الملك «داود» لم يُعاقَب بالعقوبة القانونية المفروضة، ما يعني عملياً أنَّ سلطته كانت فوق القوانين والشرائع، وقد ظلَّ يُقدَّم بوصفه مؤسِّس المملكة الموحَّدة، الذي جمع قبائل إسرائيل تحت حُكمٍ واحدٍ، وجعل القدس (أورشليم) عاصمةً دينيةً وسياسية.

قصةُ بتشبع وداود هي قصةُ زنى، ثم قتلٌ عمدٌ، ثم زواجٌ فوق دمِ الضحية. والمفارقة أنَّ «سليمان» الذي يُقدَّم لاحقاً كأعظمِ ملوكِ بني إسرائيل وباني الهيكل، هو في الرواية نفسها إبنُ علاقةٍ بدأت بزنى وقتل. ووصولُ «سليمان» الى العرش بعد وفاة داود، لم يكن لاستحقاقه المنصب دون غيره من إخوته، بل نتيجةَ تحالفٍ سياسي بين والدته «بثشبع» والنبيّ «ناثان» اللذين نجحا – عبر مكيدةٍ – بإقناع «داود» بالاسراع في تثبيت «سليمان» في الحُكم، قبل أن يرسِّخ أخوه الأكبر «أدونيا» سلطته في المملكة.

4 – راعوث: تُرسل «نُعمي» أرملةَ ابنها «راعوث» الى رجلٍ يسمى «بوعز» لتكشف ناحيةَ رجليه في الليل، وتضطجع عندهما: «تزيَّنِي واغتسلي وتطيَّبِي وضعي ثيابك عليكِ، وانزلي إلى البيدر، ولكن لا تُعرَفي للرجل حتى يفرغ من الأكل والشرب. ومتى اضطجع فاعلمي المكان الذي يضطجع فيه، وادخلي واكشفي ناحيةَ رجليه واضطجعي، وهو يخبرك بما تعملين» (سفر راعوث 3: 3-4).

هذا المشهدُ الليلي لا يصرِّح بوجودِ علاقةٍ جنسيةٍ مع رجلٍ غريب، ولكنه ليس مشهداً بريئاً لغوياً وسردياً، ويحمل إيحاءً جنسياً واضحاً، لأنَّ النص يذكر أنَّ «بوعز» أكل وشرب «وطاب قلبه» (أي كان في حالةِ ارتخاءٍ وربما نشوة) ثم اضطجع في الليل، وعندما استيقظ «ارتعب» لوجودِ إمرأةٍ عند قدميه. ما يعني أنُّ الوضع غير عادي، وربما مريب.

المهمُّ في القصة أنَّ راعوثُ المؤابية الغريبة عن بني اسرائيل، التي تنتمي إلى نسل سِفاح قربى بين لوط وابنته – تتزوج بوعز ابن راحاب الزانية، وتنجب نسلاً يصل الى الملك داود. وهذا ما يدعو للسؤال عن معايير الاصطفاء في العهدين القديم والجديد، ولاسيما إذا عرفنا أنَّ إنجيل متّى يُدخل أربعَ نساءٍ ( ثامار، راحاب الزانية، بتشبع، راعوث) في سلسلةِ النَسَبِ المقدَّس للمسيح، رغم أنَّ كلَّ واحدةٍ منهن مرتبطة بخطيئةٍ أو بنسبٍ مختلط أو علاقةٍ مُحرَّمة أو مشبوهة.

5 – ياعيل: يُهزمُ جيشُ الكنعانيين في معركةٍ كبيرةٍ بقيادةِ «سيسرا»، ويهربُ القائدُ راكضاً يبحث عن ملجأ، فيدخل خيمةَ «ياعيل» وهي إمرأةٌ من قوم القِينيِّين المتحالفين مع الكنعانيين. تستقبله «ياعيل» بحفاوةٍ وتخبره أنه في أمان، تعطيه لبناً لينام، ثم تغطّيه بالرداء ليختبئ ويستريح. وعندما ينام، تأخذ وَتَداً من أوتاد الخيمة
ومطرقةً، وتغرس الوَتدَ في صِدغِ رأسه حتى ينفذ الى الأرض (قضاة 4: 21).
يموتُ «سيسرا» وتصبح ياعيلُ بطلةً قوميةً وجزءاً من الذاكرة المقدسة لبني إسرائيل. وتُشيد بها النبيّةُ «دبُّورة» في ترنيمتها الشهيرة حيث تقول عنها: «مباركةٌ بين النساء ياعيل إمراةُ حابر القيني» (قضاة 5: 24).
والمفارقةُ أنَّ هذا اللقب يشبه حرفياً ما سيُقال لاحقاً عن السيدة «مريم» في التقليد المسيحي: «مباركةٌ أنتِ في النساء».

هذه القصةُ التي تُمجِّد إمرأةً حاميةً لا محارِبةً ولا عدوَّة، غدرت بضيفها وقتلته بدمٍ بارد، تطرح إشكاليةً أخلاقيةً: كيف يتمُّ تكريمُ إمرأةٍ أعطت الأمانَ لضيفها، ثم قتلته وهو نائم؟ وهل الخيانةُ مبررةٌ في التوراة إن كانت لخدمة قضيةٍ عادلة؟ فالنصُّ التوراتي لا يعرض فعلها كجريمة قتلٍ أو خداعٍ أو خيانةٍ، بل كعملٍ بطوليّ أسهم في خلاص الشعب من ظلمٍ استمر 20 عاماً.

6 – أستير: فتاةٌ يهوديةٌ يتيمة، ربَّاها ابنُ عمِّها «مردخاي». عندما طلب الملكُ الفارسي «أحشويروش» اختيارَ ملكةٍ جديدة، وُضعت «أستير» ضمن مجموعةٍ من الفتيات الجميلات، وأصبحت زوجةً للملك. لكنَّ مردخاي أوصاها: «لا تُخبري أحداً أنكِ يهودية»، فأخفت هُويَّتها طوال فترة وجودها في القصر.

الوزيرُ «هامان» غضب لأنَّ «مردخاي» لم يسجد له، فخطّط لإبادةِ كل اليهود في الإمبراطورية الفارسية. أخبرت «أستير» الملكَ أنَّ شعبها مُهدَّدٌ، بعد اعترافها بأنها يهودية. غضب الملكُ وأمر بشنق هامان، ثم أصدر مرسوماً يسمح لليهود بالدفاع عن أنفسهم، فقاموا بقتل 75,000 شخص في كل أقاليم الامبراطورية: «فضرب اليهودُ جميعَ أعدائهم… فقتلوا من مُبغضيهم خمسةً وسبعين ألفاً. ولكنهم لم يمدّوا أيديهم إلى النهب» (سفر أستير 9:16).

هذه القصةُ التي تروي قصةَ إمرأةٍ أخفت هُويَّتها الدينية داخل القصر، واستخدمت جمالها ونفوذها لإنقاذ شعبها، تطرح مشكلةً اخلاقيةً: كيف يمكن إنقاذُ شعبٍ من إبادةٍ جماعية مفترضةٍ كانت ستقع بعد 11 شهراً، عبر ارتكابِ مجزرةٍ بشريةٍ فوريةٍ بحق الآف الأبرياء؟ وكيف يُعتبر هذا الفعلُ الإجرامي الشنيع دفاعاً عن النفس وعملاً بطولياً لا يزال اليهودُ يحتفلون به سنوياً في “عيد البوريم” في اليوم 14 من شهر آذار العبري، الذي يصادف يوم وقوع المجزرة في سفر أستير
(في العام 2026 صادف وقوعه في 2 آذار مساءً)
اللافتُ أنَّ أستير اصبحت مثالاً أعلى لنساء الموساد في الدهاء واستخدام الجمال والإغواء للإيقاع بالضحايا.

7 – يهوديت: كانت أرملةً جميلةً جداً. عندما حاصر القائدُ الآشوري «هولوفرنس» مدينةَ شعبها “بيتوليا” التي تقع قرب مدينة القدس. تسلّلت إلى معسكره متظاهرةً بأنها منبهرةٌ به، ومُعجَبةٌ بقوته ونفوذه. أدخلها القائدُ إلى خيمته الخاصة وأكرم استقبالها. وفي الليلةِ الفاصلةِ شرب كثيراً حتى ثَمِل، فطلب الخُلوة معها، ثم نام من شدَّة السُكر. عندها سحبت «بهوديت» سيفَه وقطعت رأسه بضربةٍ قويةٍ، ثم وضعت الرأسَ في كيسٍ، وغادرت الخيمةَ بهدوءٍ قبل أن يشعر أحدٌ. ثم عادت إلى قومها معلنةً سقوط قائد العدو. وبهذا انهار الجيشُ الآشوري. الروايةُ تشبه قصةَ «ياعيل»، وموجودةٌ في «سفر يهوديت» المترجم باليونانية، ولكنَّ اليهودية لا تعترف به كنصٍّ مقدّس، بينما تقبله بعضُ التقاليد المسيحية، في الكاثوليكية والأورثوذكسية.

الخاتمةُ
لا تُقدِّم التوراةُ قصصَ بني إسرائيل بصفتهم نماذجَ للكمال الروحي، ولا تعرض تاريخاً أخلاقياً أو سيرةً لأنبياء منزَّهين، بل تقدمهم كأناسٍ ذوي خطايا كبرى، وكبشرٍ تحكمهم الشهواتُ، والغيرةُ، والمكرُ، والعنفُ، والانحرافُ، حتى وإن كانوا في موقع النبوَّة أو القيادة. وهذه الصورةُ التوراتية تختلف جذرياً عن صورة الأنبياء في القرآن الكريم الذي يُصوَّرهم قِمماً أخلاقيةً ورموزاً للعصمة والطهارة والاقتداء.
وتطرح هذه الرواياتُ أسئلةً شُجاعةً على القارئ المعاصر: كيف نفهم قداسةَ نصٍّ مليء بأفعالٍ غير مقدّسة؟ وما معنى النبوّة عندما يمارس النبيُ أو الملكُ ما تعتبره الأخلاقُ الإنسانية المعاصرة – وحتى الشرائع القديمة – خطيئةً واضحةً؟ وكيف أصبحت العلاقاتُ المحرَّمة، الخداعُ، الاغتصابُ، القتلُ، والغدرُ، جزءاً من نَسَب الأنبياء والملوك، بل ومن شجرة نَسَب المسيح نفسه كما يروي العهد الجديد؟
الحقيقة أنَّ التوراة لا تروي قصصها لبناءِ مُثُلٍ أخلاقيةٍ سامية، بل لتفسير التاريخ القَبلي، وتبرير الانقسامات، وشرح نشأة الشعوب المجاورة، وتقديم نقدٍ داخلي لزعمائها، بأسلوبٍ أدبي ودرامي ورمزي. وبهذا تصبح تلك القصصُ أقربَ الى الكتابات الأدبية والتأملية والحكمية، منها الى نصوصٍ مقدَّسةٍ أو حقائق تاريخيةٍ واقعية. إنها سردٌ لمسار شعبٍ (أو قبيلة أو جماعة) يتقلّب بين الطاعة والعصيان، بين الإيمان والانحراف، بين العظمة والضعف.
ولذلك فإنّ وظيفة هذه القصص المثيرةِ للصدمة والجدل، وما احتوته من سردياتِ الخطيئة والزنى والخداع والصراع السياسي والتآمر الجماعي والقتل ضمن العائلة الواحدة، كانت وظيفتها إظهار هشاشة الإنسان، وأنّ “الاختيار الإلهي” – كما تفهمه التوراة – يمرُّ عبر مساراتٍ بشريةٍ معقّدةٍ، وحتى مظلمة.
ولذلك فإنَّ هذه النصوصُ تحتاج إلى قراءةٍ ناقدةٍ، لا إلى تبرير؛ الى تفكيكٍ لا الى تجميل. قراءةٍ تُعيد كشفَ الإنسان في النص بعيداً عن مبالغات السرد التاريخي والادعاءات الفارغة بالاصطفاء والتفوق والتعالي والتميز التي لا تعكس سوى أُمنيات وانكسارات كَتَبَةِ أسفار التوراة أنفسهم.

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى