*هيكلُ سليمان: قراءةٌ نقديةٌ في الروايةِ التوراتية ِوالواقعِ التاريخي* (الجزء الثالث).

*هيكلُ سليمان: قراءةٌ نقديةٌ في الروايةِ التوراتية ِوالواقعِ التاريخي* (الجزء الثالث)
*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*
يحتلُّ «هيكلُ سليمان» مكانةً مركزيةً في الرواية التوراتية، إذ يُقدَّم بوصفه رمزاً للسلطة الدينية والسياسية وتوحيد الهوية الجماعية، وأحد أهمِّ الإنجازات المعمارية والدينية المنسوبة إلى بني إسرائيل في العصور القديمة. وتذكر التوراةُ أنَّ الملك سليمان بناه في القرن العاشر قبل الميلاد في أورشليم (القدس) ليكون المركزَ الديني الرئيسي لعبادة «يهوه» وموضعَ حفظِ تابوت العهد.
وتشير النصوصُ التوراتية إلى أنَّ الهيكل بُني في «جبل المريا» في أورشليم. وقد ربط التقليدُ اليهودي اللاحق هذا الموقعَ بما يُعرف اليوم بـ«جبل الهيكل»، أي المنطقة التي يقوم عليها الحرمُ القدسي الشريف، حيث يقع المسجد الأقصى الذي هو أولى القبلتين، وثالثُ الحرمين الشريفين عند المسلمين، ورمزُ الصمود الفلسطيني في وجه الغطرسة الصهيونية.
*الصورةُ المتخيَّلةُ للهيكل في التوراة*

تصف التوراةُ بناءَ الهيكل في سفر الملوك الأول وسفر الأخبار وصفاً تفصيلياً يُبرز عظمةَ البناء وفخامته، من حيث أعداد العمال والمواد المستخدمة والزخارف الداخلية. فقد سخّر الملكُ سليمان آلافَ العُمَّال، واستورد خشب الأرز من لبنان، واستخدم كمياتٍ كبيرةٍ من الذهب والفضة في تزيين جدران المعبد وأثاثه.
وجاء في النص التوراتي ما يلي: «وسخَّر الملك سليمان من جميع إسرائيل رجالاً، وكان عددهم ثلاثين ألف رجل. فأرسلهم إلى لبنان عشرة آلاف في الشهر بالتناوب: يكونون شهراً في لبنان وشهرين في بيوتهم … وكان لسليمان سبعون ألفاً يحملون أحمالاً، وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل، ما عدا رؤساء الوكلاء لسليمان الذين على العمل، ثلاثة آلافٍ وثلاث مئةٍ … وأمر الملك أن يقلعوا حجارةً كبيرةً كريمةً لتأسيس البيت بحجارة منحوتة … فبنى سليمان البيت وأكمله… وهيّأ محراباً في وسط البيت من داخل ليضع هناك تابوت عهد الرب … وغشَّى البيتَ من داخل بذهبٍ خالص … وغشَّى جميعَ البيت ذهباً حتى انتهى كل البيت» (الملوك الأول 5:13–18 ؛ 6:14–22).
*الهيكلُ في سياقِ معابد الشرق الأدنى القديم*

عند مقارنة وصف التوراة للهيكل بالمعابد المعروفة في حضارات الشرق الأدنى القديم، يظهر قدرٌ لافتٌ من التشابه في التصميم المعماري والعناصر الزخرفية. فقد كانت المعابد الكنعانية والفينيقية والمصرية تتكوّن عادةً من فِناءٍ خارجي، وقاعةٍ رئيسية، وغرفةٍ داخلية مقدسة تشبه ما تسميه التوراة «قُدس الأقداس».
كما كانت الأعمدةُ الضخمة والزخارفُ النباتية والكائناتُ المجنحة واستخدامُ الذهب في التزيين عناصرَ شائعةً في عمارة المعابد في تلك المنطقة. وتشير هذه التشابهات إلى أنَّ وصف الهيكل لا يخرج عن الإطار المعماري العام لمعابد الشرق الأدنى القديم، بل يبدو أقرب إلى نموذجِ معبدٍ إقليمي مألوف أعادت النصوص التوراتية تقديمه ضمن رؤيةٍ لاهوتيةٍ خاصَّة.
وتذكر التوراةُ أيضاً أنَّ سليمان عقد اتفاقاً مع ملك صور الفينيقي «حيرام»، الذي أرسل خشب الأرز من لبنان وعدداً من الحرفيين المهرة، إضافة إلى الحرفي المعروف باسم «حيرام الصوري» الذي كان مسؤولاً عن أعمال النحاس والزخرفة (الملوك الأول 5:1–18). وتشير هذه الروايةُ إلى تأثير فينيقي واضحٍ في بناء الهيكل، ما يعزز الرأي القائل إنَّ تصميمه لم يكن نموذجاً فريداً، بل جزءاً من تقاليد معمارية إقليمية معروفة في شرق المتوسط.
*من تعدديَّةِ الآلهة إلى مركزيِّة يهوه*
لفهم مكانة الهيكل في الديانة الإسرائيلية القديمة، لا بد من النظر أيضاً في الخلفية الدينية التي نشأت فيها عبادة «يهوه». وتشير الدراسات التاريخية المقارنة إلى أنَّ بلاد كنعان خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد كانت موطناً لتقاليد دينية متعددة، حيث عُبدت آلهةٌ مختلفةٌ مثل «إيل» الذي كان يُعدُّ الإله الأعلى في مجمع الآلهة الكنعاني، إضافةً إلى «بعل» إله العواصف والخصب، و«عشيرة» و«عشتار» وغيرهم من الآلهة المحلية.
وفي هذا السياق يرى عدد من الباحثين أنَّ «يهوه» ربما كان في الأصل إلهاً إقليمياً أو محلياً ارتبط بمناطق الجنوب مثل سيناء أو أدوم أو مدين، وأنَّ عبادته في مراحل مبكرة من تاريخ إسرائيل لم تكن «حصرية»، بل كانت تتعايش مع عباداتٍ أخرى داخل المجتمع نفسه. وتدعم بعضُ النصوص التوراتية القديمة هذا الاحتمال، إذ تصف ظهور «يهوه» قادماً من تلك المناطق: «جاء الربُّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران» (التثنية 33:2).
وتشير نصوصٌ توراتيةٌ (مثل يشوع 18:1 وصموئيل الأول 1:3) إلى أنَّ عبادة «يهوه» لم تكن مرتبطةً بمركزٍ ديني واحد، بل كانت تُنصَبُ خيمةُ الاجتماع وتُقام الطقوسُ الدينية والذبائحُ في عدة مواقع داخل بلاد كنعان (شيلوه، بيت إيل، دان، الجلجال، وبئر سبع): «في تلك الأيام لم يكن ملكٌ في إسرائيل. كان كلُّ واحدٍ يعمل ما يحسن في عينيه» (قضاة 21:25).
ما يعني أنَّ هيكل أورشليم لم يكن الأصلَ في عبادة «يهوه»، وأنَّ هذا الدور لأورشليم لم يترسخ إلا في مرحلةٍ لاحقةٍ، ولا سيما بعد السبي البابلي، حيث برز تصورٌ لاهوتي يؤكد أنَّ «يهوه» هو الإله الوحيد الذي يجب عبادته، وأنَّ مركزية العبادة في أورشليم وحدها (الملوك الثاني 23:4–9).
*مملكةَ داود وسليمان في ميزانِ الأدلة الأثرية*
تكشف المقارنةُ بين الرواية التوراتية لهيكل سليمان والنتائج التي توصل إليها علمُ الآثار عن فجوةٍ ملحوظةٍ بين النصِّ الديني والأدلةِ المادية. فبينما تقدِّم التوراةُ صورةً لمعبدٍ عظيم بُني في إطار مملكةٍ قويةٍ وواسعةِ النفوذ، تشير المعطياتُ الأثريةُ المتاحة إلى واقعٍ تاريخي أكثر تواضعاً وتعقيداً.
وقد شهدت المنطقةُ المحيطةُ بالحرم القدسي خلال العقود الماضية أعمالَ حفرٍ وتنقيبٍ وإنشاء أنفاق لأغراضٍ أثرية وسياحية، إلا أنَّ هذه الأعمال لم تسفر عن اكتشاف أيِّ أدلةٍ أثريةٍ تثبت وجودَ الهيكل الأول في الموقع الذي تفترضه الروايةُ التوراتية.

ومن هنا بدأ الباحثون يطرحون أسئلةً حول حقيقة مملكة سليمان نفسها، بسبب غياب أي ذكرٍ له في السجلات التاريخية الخارجية. فلا توجد كتاباتٌ أو نقوشٌ معاصرةٌ من مصر أو آشور أو بابل أو فينيقيا تشير إلى سليمان أو إلى مملكةٍ واسعة النفوذ في أورشليم خلال القرن العاشر قبل الميلاد.
ويثير هذا الغيابُ تساؤلاً مهماً: كيف يمكن لملكٍ تصفه التوراةُ بأنه حكم مملكةً عظيمةً، وأقام علاقاتٍ دبلوماسيةً واسعة، وتزوج ابنةَ فرعون، وبنى هيكلاً فخماً، أن يغيب تماماً عن السجلات التاريخية للشعوب المجاورة؟ بينما لدينا في المقابل، معلومات وفيرة عن ملوك آخرين من تلك الفترة مثل أخناتون أو نبوخذنصر أو تغلت فلاسر، بفضل النقوش والآثار التي خلفوها.
ورغم المكانة المركزية التي يحتلها الملك «داود» في السردية التوراتية، يرى عالِمُ الآثار الإسرائيلي “إسرائيل فنكلشتاين” أنَّ داود وسليمان – إن وُجدا تاريخياً – ربما كانا زعيمين محليين محدودي النفوذ. وعلى الرغم من اكتشاف نقش «تل دان» في «مدينة داود» الواقعة في شمال فلسطين – في تسعينيات القرن العشرين – الذي يذكر عبارةَ «بيت داود»، فإنَّ الحفريات الأثرية تشير إلى أنَّ أورشليم في القرن العاشر قبل الميلاد – وهو الزمنُ المفترضُ لحُكم داود وسليمان – كانت مستوطنةً صغيرةً نسبياً، ومساحتها لم تتجاوز بضعة هكتارات، وكان عدد سكانها على الأرجح بضعة آلاف فقط. وهذا الحجم المتواضع لا يتوافق مع صورةِ مدينةٍ مزدهرةٍ تحكم مملكةً واسعةً وتمتلك الموارد لبناء مشاريع ضخمة مثل الهيكل الفخم الموصوف في التوراة. وهو ما دفع بعض الباحثين إلى القول إنَّ أورشليم لم تتحول إلى مركز سياسي وديني كبير إلا في فتراتٍ لاحقةٍ، خاصةً خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد.
*خاتمة*
في ضوء هذه المعطيات التي تشكِّك في حقيقة المُسلَّمات اليهودية، يذهب كثيرٌ من الباحثين إلى أنَّ وصف الهيكل في النصوص التوراتية قد لا يكون أكثر من جزءٍ من مشروعٍ أدبيّ ولاهوتيّ أوسع سعى إلى تعزيز مكانةِ أورشليم ومعبدها في الوعي الديني للجماعة اليهودية، خاصة بعد فتراتٍ من الأزمات التاريخية مثل السبي البابلي.
ولا يعني ذلك بالضرورة نفياً تاماً لوجود معبد في أورشليم في العصور القديمة، لكنه يدعو إلى قراءةِ الرواية التوراتية بوصفها نصاً دينياً تَشكَّل عبر مراحل تاريخية مختلفة، عَكَسَ أزماتٍ ونكساتٍ وأُمنياتٍ ورؤى لاهوتيةٍ وهُويَّاتٍ جماعيةٍ، بقدر ما عَكَسَ أحداثاً تاريخية.
ومن هنا تبرز أهميةُ قراءةِ هذه السرديات قراءةً نقديةً واعيةً تفصل بين الإيمان الديني واستخدام النصوص في التوظيف السياسي، ولاسيما أنَّ الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل لا تزال تنظر إلى إعادة بناء الهيكل بوصفه هدفاً دينياً مستقبلياً، وترى أنَّ إيجاد “بقرةٍ حمراء” هو شرطٌ طقسيٌ أوليّ قبل إزالة ما هو قائمٌ في الموقع، وإزالة النجاسة وتطهير الكهنة والمكان بواسطة ماءٍ ممزوجٍ برماد بقرةٍ حمراء، تمهيداً لإعادة بناء الهيكل الثالث. وهي تستند في ذلك إلى طقوسٍ توراتيةٍ قديمة، من بينها طقس «البقرة الحمراء»: «يأخذون إليك بقرةً حمراء صحيحةً لا عيب فيها ولم يعلُ عليها نيرٌ … وتُذبح خارج المحلة … وتُحرق البقرةُ أمامه … ويكون الرمادُ لجماعةِ بني إسرائيل لماء النجاسة» (العدد 19: 2–9).
ومنذ تدمير الهيكل الثاني في العام 70، لم يتمّ العثور على بقرةٍ حمراء مطابقةٍ للوصف التوراتي. ولكن منذ سنواتٍ تمَّ الإعلان عن استقدام عدةِ بقراتٍ حمراء من الولايات المتحدة لتربيتها في الكيان.

وهنا بالضبط تكمن خطورةُ النصوص المؤسِّسة والأساطير التوراتية القديمة التي لا بدَّ من نقدها وتفكيكها، لأنها لم تعُد مجرد رواياتٍ تاريخية، بل تحولت في سياق الصراع العربي الإسرائيلي ومشروع إقامة إسرائيل الكبرى، إلى مشاريع سياسية وأدواتٍ أيديولوجيةٍ فتَّاكة لتبرير الجرائم والإبادة الجماعية والهيمنة والاستيلاء على الأرض وهدم مقدسات المسلمين.
(هذه المقالة هي الجزء الثالث من سلسلةِ مقالاتٍ نقديةٍ للروايات والأساطير التوراتية المؤسِّسة للديانة اليهودية)


