أخبار لبنان ??

تحت شعار «الملوِّث يدفع»… الحكومة اللبنانية تُحمّل المواطنين فاتورة فشلها..

مقال رأي ينتقد قرار الحكومة اللبنانية بإقرار المرسوم رقم 3214 المتعلق بالرسوم البيئية، معتبراً أن المواطنين سيتحملون مجدداً كلفة فشل الدولة في إدارة الملفات الاقتصادية والبيئية."

تحت شعار «الملوِّث يدفع»… الحكومة اللبنانية تُحمّل المواطنين فاتورة فشلها

بقلم: رشيد الخطيب

مرة جديدة، تثبت الحكومة اللبنانية أنها لا تزال تتقن فن البحث عن الموارد المالية في المكان الخطأ، وتصر على تحميل المواطن اللبناني أعباء فشلها المزمن، بدلاً من معالجة أسباب الانهيار الاقتصادي والمالي الذي أوصل البلاد إلى حافة الهاوية.

ففي جلستها الأخيرة، أقرت الحكومة تعديلات جديدة على الرسوم البيئية، وصدر على إثرها المرسوم رقم 3214 المنشور في الجريدة الرسمية، والمتعلق بتعديل الرسوم المفروضة على المواد المنتجة للنفايات، في خطوة أثارت موجة واسعة من التساؤلات والاعتراضات حول تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويستند المرسوم، بحسب أسبابه الموجبة، إلى مبدأ “الملوِّث يدفع” المنصوص عليه في قانون حماية البيئة، والذي يقوم على تحميل المنتج أو المستورد جزءاً من كلفة إدارة النفايات الناتجة عن منتجاته، بهدف المساهمة في تغطية النفقات التي تتحملها الدولة في هذا المجال. كما يشير المرسوم إلى أن هذا التعديل يأتي استناداً إلى الصلاحيات التي منحها القانون لمجلس الوزراء لتعديل الرسوم أو إخضاع منتجات أخرى لها عند الاقتضاء.

لكن الواقع اللبناني يفرض سؤالاً بديهياً: من سيدفع هذه الرسوم فعلياً؟ هل سيدفعها المنتجون والمستوردون من أرباحهم، أم أن كلفتها ستنتقل مباشرة إلى المستهلك اللبناني الذي أنهكته الضرائب والرسوم والانهيار الاقتصادي؟

الجميع يعلم أن أي زيادة في الرسوم على المنتجات ستنعكس حكماً على أسعار السلع والخدمات، ما يعني أن المواطن اللبناني، الذي فقد الجزء الأكبر من قدرته الشرائية، سيكون مرة أخرى الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن. وهكذا يتحول شعار “الملوِّث يدفع” عملياً في لبنان إلى معادلة أكثر واقعية ومرارة: “المواطن يدفع”.

والمفارقة المؤلمة أن هذه الحكومة، التي عجزت على مدى عقود عن إدارة ملف النفايات بشكل علمي ومستدام، ولم تتمكن من بناء معامل فرز ومعالجة حديثة، ولم تنهِ أزمة المطامر العشوائية والحرق المكشوف، تعود اليوم لتطلب من اللبنانيين تمويل نتائج هذا الفشل عبر فرض رسوم إضافية.

فأين ذهبت مليارات الدولارات التي أنفقت على ملف النفايات؟ ومن يتحمل مسؤولية السياسات الفاشلة التي جعلت لبنان واحداً من أكثر الدول معاناة في إدارة هذا القطاع؟ ولماذا لا تبدأ الدولة بمحاسبة المسؤولين عن الهدر والفساد قبل أن تفرض رسوماً جديدة على المواطنين؟

إن مبدأ “الملوِّث يدفع” المعتمد عالمياً لا يهدف إلى زيادة الجباية، بل إلى تشجيع الإنتاج النظيف، وتحفيز إعادة التدوير، وتقليل الأضرار البيئية ضمن سياسات متكاملة وعادلة. أما في لبنان، فيبدو أن هذا المبدأ تحول إلى مجرد عنوان جديد لسياسة قديمة تقوم على سد عجز الدولة من جيوب الناس.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول المالية الترقيعية، القائمة على فرض المزيد من الرسوم والضرائب، لم تنجح في إنقاذ الاقتصاد، ولم تحسن الخدمات، ولم تحد من الهدر والفساد، بل ساهمت في زيادة معدلات الفقر، ودفعت المزيد من اللبنانيين إلى الهجرة واليأس.

إن اللبنانيين لا يحتاجون اليوم إلى رسوم جديدة، بل إلى دولة جديدة؛ دولة تحاسب المسؤولين قبل المواطنين، وتستعيد الأموال المهدورة قبل فرض الجباية، وتبني سياسات اقتصادية وبيئية حقيقية بدل الاكتفاء بإصدار مراسيم تزيد من أعباء الناس.

وفي بلدٍ يدفع فيه المواطن ثمن الفساد، وثمن الهدر، وثمن الانهيار، يبدو أن الحكومة قررت اليوم أن تدفعه أيضاً ثمن النفايات.


رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى