شماليات

رغدة الصوفي… حين تتحول امرأة إلى نافذة أمل لمدينة بأكملها..

رغدة الصوفي… حين تتحول امرأة إلى نافذة أمل لمدينة بأكملها

في مدينة أنهكتها الأزمات، وأثقلت كاهل أبنائها سنوات طويلة من الضيق الاقتصادي وانسداد الآفاق، تبرز بين الحين والآخر وجوه ترفض الاستسلام لمنطق العجز، وتؤمن بأن تغيير الواقع يبدأ بخطوة، وبفكرة، وبقلب يؤمن بالناس. من بين هذه الوجوه، يسطع اسم السيدة رغدة الصوفي كواحدة من النماذج المضيئة التي اختارت أن تصنع الفرق بصمت، بعيداً عن الأضواء والشعارات الرنانة.

لم تدخل رغدة الصوفي العمل العام من بوابة السياسة أو النفوذ، بل دخلته من أوسع أبوابه الإنسانية. بدأت رحلتها من مجموعة متواضعة على موقع “فيسبوك” حملت اسم “الألماسات”، لتكون مساحة تجمع السيدات اللواتي يعملن في منازلهن، والحرفيين وأصحاب المهن البسيطة الذين يبحثون عن فرصة لعرض نتاج تعبهم أمام الناس.

كانت تدرك أن خلف كل قطعة مطرزة، وكل طبق منزلي، وكل منتج مصنوع بحب، حكاية أم تكافح، وشاب يحاول تأمين مستقبله، وعائلة تتشبث بكرامتها في وجه الظروف الصعبة. لذلك لم يكن هدفها مجرد إنشاء مجموعة إلكترونية، بل بناء مجتمع متكامل قائم على التشجيع والتضامن والإيمان بقدرات الآخرين.

ومع مرور الوقت، لم تعد شاشة الهاتف تتسع لأحلام هؤلاء. نقلت رغدة الصوفي فكرتها إلى أرض الواقع، وأطلقت سلسلة من المعارض التي فتحت أبوابها أمام أصحاب المشاريع الصغيرة، لتمنحهم فرصة حقيقية للقاء الجمهور وتسويق منتجاتهم واستعادة ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على النجاح.


كانت النتائج لافتة. إقبال كثيف، وتفاعل واسع، وقصص نجاح بدأت تُكتب على هامش كل معرض. تحولت هذه المبادرات إلى منصات دعم اقتصادي واجتماعي، أعادت الحياة إلى مشاريع كادت أن تموت بصمت، وأثبتت أن المجتمعات تُبنى أيضاً بأيدي أبنائها وبناتها عندما تتوافر الإرادة الصادقة.

ويوم أمس، أضافت رغدة الصوفي محطة جديدة إلى سجل نجاحاتها، بافتتاح معرضها الجديد في المجمع الكويتي الصناعي التجاري في منطقة المنية، وسط حضور كبير ومشاركة واسعة عكست حجم الثقة والمحبة التي استطاعت أن تحصدها من الناس الذين وجدوا فيها سنداً حقيقياً وشريكاً في أحلامهم الصغيرة.


إن تكريم أمثال رغدة الصوفي ليس مجاملة شخصية، بل اعتراف بدور اجتماعي نبيل يحتاجه لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. ففي زمن كثرت فيه الخطابات وقلّت الأفعال، اختارت هذه السيدة أن تتحدث بلغة العمل، وأن تزرع الأمل في القلوب، وأن تذكّر الجميع بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما نحققه لأنفسنا فقط، بل بما نمنحه للآخرين من فرص للحياة والكرامة.

ربما لن تحمل رغدة الصوفي لقباً رسمياً، لكنها استطاعت أن تنال لقباً أصدق وأجمل منحها إياه الناس عن محبة واستحقاق: امرأة آمنت بمدينتها، فآمنت المدينة بها.

✍️ بقلم: رشيد الخطيب

رئيس التحرير – TVRLB

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى