الأرجنتين: من العبودية إلى التانغو… كيف تمت صناعة «الأُمّة الأوروبية البيضاء»؟

**بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون**
حين تُذكر الأرجنتين، يتبادر إلى الذهن بلدٌ أوروبي الملامح في قلب أمريكا الجنوبية؛ موطن التانغو، وكرة القدم. لكن هذه الصورة تخفي وراءها واحداً من أكثر مشاريع العنصرية وإعادة الهندسة الديموغرافية طموحاً في التاريخ الحديث. فما تبدو عليه الأرجنتين اليوم، سبقه تاريخ طويل من استبعاد الأفارقة، ومحو حضورهم الديموغرافي والثقافي، وحملات عسكرية واسعة ضد السكان الأصليين، وتشجيع الهجرة الأوروبية، وبناء هُوية وطنية جديدة تقوم على فكرة «الأُمّة البيضاء».
## تجارة العبيد… البداية المنسية لتاريخ الأرجنتين
مع التوسع الاستعماري الإسباني في أمريكا الجنوبية، تحولت “بوينس آيرس”، بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، إلى أحد الموانئ التي استقبلت أعداداً كبيرة من الأفارقة المستعبدين. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مئتي ألف رجل وامرأة وطفل نُقلوا قسراً عبر هذا الميناء خلال الحقبة الاستعمارية.
وعلى خلاف البرازيل أو جنوب الولايات المتحدة، حيث استُخدم العبيد في مزارع السكر والقطن الواسعة، اتجه الاقتصاد الاستعماري في الأرجنتين إلى توظيفهم في الخدمة المنزلية، والحِرَف اليدوية، وتربية الماشية، والأعمال الحضرية المختلفة. وبمرور الوقت أصبح المجتمع الأفرو-أرجنتيني ركناً أساسياً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وبحلول العام 1810، كان المتحدرون من أصول أفريقية يشكلون ما يقارب ثلاثين في المئة من سكان “بوينس آيرس”.
## من مجتمع متعدد الأعراق إلى مشروع «الأُمّة البيضاء»

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولاً جذرياً في نظرة النخبة الحاكمة إلى هوية الدولة. فقد تبنّى عدد من السياسيين والمثقفين، وفي مقدمتهم “دومينغو سارمينتو”، أفكاراً متأثرة بالعنصرية العلمية والداروينية الاجتماعية التي كانت منتشرة آنذاك في أوروبا.
وانطلقت هذه الرؤية من تقسيم المجتمع إلى ثنائية «الحضارة والهمجية». فالحضارة – بحسب هذا التصور – كانت مرتبطة بالأوروبي الأبيض، بينما عُدَّ السود والسكان الأصليون تجسيداً للتخلف والعائق الذي يمنع البلاد من اللحاق بأوروبا الحديثة.
ولذلك لم يُنظر إلى الهجرة الأوروبية باعتبارها مجرد وسيلة لتنمية الاقتصاد، بل باعتبارها مشروعاً لإعادة تشكيل البنية السكانية نفسها، وبناء دولة يغلب عليها الطابع الأوروبي في الثقافة واللغة والهوية والعرق.
## «حملة التبييض»… كيف اختفى المجتمع الأفرو-أرجنتيني؟
لم تعتمد الدولة سياسة طرد جماعي للسود، بل انتهجت مساراً أكثر تعقيداً وقسوة أدى، مع مرور الزمن، إلى تراجع وجودهم الديموغرافي بصورة كبيرة.
فخلال حرب الباراغواي (1864-1870)، جرى تجنيد أعداد كبيرة جداً من الرجال السود وإرسالهم إلى الخطوط الأمامية، حيث قُتل الكثير منهم هناك.
وبعد سنوات قليلة، في العام 1871، ضرب وباء الحمى الصفراء مدينة “بوينس آيرس”، وكان أشد فتكاً بالأحياء الفقيرة التي عاش فيها معظم السكان المتحدرين من أصول أفريقية.
وأدى النقص الكبير في أعداد الرجال إلى ارتفاع معدلات الزواج المختلط مع المهاجرين الأوروبيين، وهو ما سرّع اندماج المجتمع الأفرو-أرجنتيني داخل الأغلبية الجديدة.
لكن الخطوة الأكثر دلالة جاءت في العام 1895، عندما ألغت السلطات خانة «السود» من التعدادات السكانية الرسمية، لإخفاء الوجود الأفريقي تدريجياً من السجلات الرسمية ومن الذاكرة العامة، ولإعادة تعريف الهوية الوطنية، بحيث يظهر المجتمع الأرجنتيني وكأنه مجتمع أوروبي متجانس.
## إبادة السكان الأصليين… الوجه الآخر المظلم لبناء الدولة
في الوقت الذي كانت فيه الدولة تعمل على تقليص الحضور الأفريقي داخل المجتمع، اتجهت نحو توسيع حدودها جنوباً على حساب الشعوب الأصلية التي كانت تعيش في سهول «باتاغونيا» والمناطق الجنوبية الشاسعة.
وفي الفترة الممتدة بين عامي 1878 و1884، قاد الجنرال “جوليو أرجنتينو روكا” الحملة العسكرية التي عُرفت باسم «غزو الصحراء».
وقد حمل هذا الاسم بُعداً دعائياً واضحاً؛ إذ أوحى بأن الأراضي الجنوبية كانت مناطق خالية من السكان، بينما كانت في الواقع موطناً لقبائل عديدة، أبرزها المابوتشي والتيهويلشي، عاشت فيها منذ قرون.
واستُخدمت في الحملة أحدث الأسلحة الأوروبية وشبكات السكك الحديدية لتحقيق تفوق عسكري حاسم، وانتهت بسيطرة الدولة على عشرات ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة.
وقد تعرّض آلاف السكان الأصليين للقتل أو الأسر، بينما نُقل كثير من الناجين إلى معسكرات احتجاز، كان أشهرها معسكر جزيرة مارتين غارسيا، حيث تفشت الأمراض والأوبئة بين المعتقلين.
كما فُصلت العائلات قسراً، وأُرسل كثير من الرجال إلى أعمال السخرة، بينما وُزعت النساء والأطفال على بعض الأسر للعمل في الخدمة المنزلية، مع فرض أسماء جديدة عليهم، ومنع استخدام لغاتهم الأصلية، وتعميدهم ودمجهم قسراً داخل المجتمع الجديد، تمهيداً لتحويل أراضيهم المصادرة إلى قاعدة لاستيطان المهاجرين الأوروبيين.
## الهجرة الأوروبية… الحلقة الأخيرة في مشروع «التبييض»
بعد القضاء على الوجود الأفريقي، وإخضاع السكان الأصليين، بدأت المرحلة الثانية، التي تمثلت في استقدام ملايين المهاجرين الأوروبيين.
وقد عبّر دستور العام 1853 عن هذا التوجه بصورة صريحة؛ إذ نصت المادة الخامسة والعشرون على تشجيع الهجرة الأوروبية باعتبارها وسيلة لتعمير البلاد واستثمار الأراضي.
ولم يكن هذا الخيار اقتصادياً فحسب، بل كان انعكاساً للرؤية الفكرية السائدة لدى النخبة الحاكمة، التي رأت في أوروبا نموذجاً للحضارة والتقدم، وفي المهاجر الأوروبي الوسيلة المثلى لصناعة أمة حديثة ذات طابع غربي.
وخلال العقود التالية تدفقت موجات هائلة من المهاجرين، ولا سيما من إيطاليا وإسبانيا، إضافة إلى أعداد أقل من فرنسا وألمانيا وسويسرا ودول أوروبية أخرى.
وبحلول العام 1914، كان أكثر من ثلث سكان الأرجنتين قد وُلدوا في أوروبا، وهي واحدة من أعلى نسب المهاجرين في العالم آنذاك.
ومع هذا التحول الديموغرافي الكبير، أصبحت الصورة الأوروبية هي الصورة الرسمية للأرجنتين، بينما تراجع حضور الأفارقة والسكان الأصليين في المجال العام، نتيجة اندماج قسم منهم، وتهميش القسم الآخر، وإقصائهم من السردية الوطنية التي قدمت البلاد بوصفها «أمة أوروبية» في أمريكا الجنوبية.
## رقصة التانغو… عندما تنجو الثقافة بعد اختفاء أصحابها

يعود أصل كلمة «تانغو» إلى لغات متداولة في منطقة الكونغو بغرب ووسط أفريقيا، وكانت تشير إلى المكان الذي يجتمع فيه الناس للغناء والرقص.
وخلال عصور العبودية، أصبحت الكلمة تُستخدم في “بوينس آيرس” و”مونتيفيديو” للدلالة على الساحات أو البيوت التي كان يجتمع فيها الأفارقة المستعبدون لإحياء احتفالاتهم وممارسة طقوسهم الموسيقية.
وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، التقت في الأحياء الشعبية والموانئ فئتان كانتا تعيشان ظروفاً متشابهة: جماعات أفرو-أرجنتينية محدودة العدد، وملايين المهاجرين الأوروبيين الفقراء الذين استقروا في الأحياء نفسها بحثاً عن العمل.
وفي هذا الفضاء المشترك، وُلدت تدريجياً لغة موسيقية جديدة، عبّرت عن الفقر، والاغتراب، والحنين إلى الأوطان التي اقتُلعوا منها قسراً.
في البداية، نظرت النخبة المحافظة إلى “التانغو” بازدراء، واعتبرته رقصة مبتذلة وغير أخلاقية، مرتبطة بالفقراء والملونين والهامش الاجتماعي.
غير أن هذه النظرة تغيرت جذرياً في مطلع القرن العشرين، عندما انتقلت موسيقى التانغو إلى باريس على يد موسيقيين وراقصين أرجنتينيين.
وهناك حققت نجاحاً واسعاً داخل الأوساط الأرستقراطية الأوروبية، وتحولت إلى إحدى أبرز رموز الحداثة والأناقة.
وعندما عاد هذا النجاح إلى “بوينس آيرس”، أعادت النخبة الأرجنتينية النظر في موقفها.
لكن برزت صورة جديدة للتانغو باعتباره فناً أوروبياً أنيقاً، يؤديه رجال ونساء بيض بملابس فاخرة، مما حوّل رقصة وُلدت في أحياء العبيد والفقراء إلى أحد أهم الرموز الثقافية للأرجنتين، بعد أن خضعت هي الأخرى لعملية «تبييض ثقافي» أعادت تقديمها بوصفها جزءاً من الهوية الأوروبية للبلاد، مع تقليص حضور جذورها الأفريقية في الذاكرة العامة.
## العنصرية لم تختفِ… بل تغيّرت أشكالها
المجتمع الذي بُني على فكرة «الأمة البيضاء» لم يتخلَّ تماماً عن التصنيفات العنصرية التي نشأ عليها، بل أعاد إنتاجها بأشكال جديدة تتناسب مع العصر.
ولعل العبارة الأكثر تعبيراً عن ذلك هي المقولة الشائعة داخل الأرجنتين: «لا يوجد سود في الأرجنتين».
وتكشف اللغة اليومية في الأرجنتين جانباً آخر من استمرار الإرث العنصري. فكلمة «نيغرو» (Negro) لا تُستخدم دائماً للدلالة على المتحدرين من أصول أفريقية، بل كثيراً ما تُستعمل للإشارة إلى الفقراء، أو سكان الأحياء الشعبية، أو الأشخاص ذوي الملامح الأقرب إلى السكان الأصليين، حتى وإن لم يكونوا سوداً بالمعنى العرقي.
وتُعد لعبة كرة القدم إحدى أهم أدوات بناء الهوية الوطنية في الأرجنتين، ولكن يُلاحظ أن المنتخب الأرجنتيني، مقارنة بمنتخبات كبرى أخرى في العالم، هو المنتخب الوحيد الذي لا يضم لاعبين من أصول أفريقية حديثة.
## من التاريخ إلى السياسة… لماذا أصبحت الأرجنتين من أكثر الدول دعماً للكيان؟
منذ وصول الرئيس “خافيير ميلي” إلى السلطة، شهدت السياسة الخارجية الأرجنتينية تحولاً غير مسبوق في اتجاهها نحو الدولة العبرية.
فميلي لا يخفي إعجابه العميق بالكيان، وقد وصف نفسه في أكثر من مناسبة بأنه «أكثر رئيس مؤيد لإسرائيل في العالم».
وأعلن أن الكيان يمثل حليفاً استراتيجياً وأخلاقياً للأرجنتين، ويرى أن مستقبل الأرجنتين الاقتصادي والسياسي يرتبط بالاندماج الكامل مع المعسكر الغربي، وفي مقدمته الولايات المتحدة والكيان.
وخلال السنوات الأخيرة، غادرت الأرجنتين الموقف التقليدي الذي اتخذته غالبية دول أمريكا اللاتينية تجاه القضية الفلسطينية.
فقد عارضت انضمام فلسطين عضواً كاملاً في الأمم المتحدة، وساندت مواقف الكيان في عدد من المحافل الدولية التي اتهمته بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة، كما أعلن الرئيس “ميلي” عزمه نقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس.
وفي 19 نيسان 2026 تم التوقيع الرسمي على «اتفاقيات إسحاق» بين الأرجنتين والكيان (توسيع لنموذج اتفاقيات أبراهام).
وتسعى الأرجنتين إلى جذب دول أمريكا اللاتينية والوسطى الأخرى، مثل أوروغواي، وبنما، وكوستاريكا، وباراغواي، للتوقيع على هذه الاتفاقيات، وهو ما سيجعل نفوذ الكيان يتمدد في دول أمريكا اللاتينية.
وبذلك أصبحت الأرجنتين، للمرة الأولى منذ عقود، واحدة من أكثر الحكومات الغربية انحيازاً للكيان خارج أوروبا وأمريكا الشمالية.
## الأرجنتين والكيان… هل تشابه التجربتين يبرر التحالف بينهما؟
أثارت تجارب مثل الأرجنتين، والولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، والكيان، اهتمام الباحثين في دراسات «الاستعمار الاستيطاني» الذي يقوم على إحلال مجتمع جديد محل المجتمع الأصلي، وإعادة تشكيل المجال الديموغرافي والثقافي للدولة.
وقد رأى عدد منهم وجود تشابهات بنيوية بين التجربة الأرجنتينية في القرن التاسع عشر والمشروع الصهيوني في فلسطين.
### 1- «الحضارة» في مواجهة «الهمجية»
في الأرجنتين، قدّم “دومينغو سارمينتو” السكان الأصليين باعتبارهم عقبة أمام التقدم والحضارة الأوروبية، بينما بررت الدولة توسعها بوصفه مهمة تمدينية.
وفي الحالة الإسرائيلية، كثيراً ما يُقدَّم الكيان في خطابه الرسمي بوصفه واحة للديمقراطية والتحضر في محيط معادٍ، وقد أثارت تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين، التي وصفت الفلسطينيين بأنهم «حيوانات»، انتقادات واسعة لأنها تسهم في تبرير إبادتهم وممارسة العنف الفردي والجماعي ضدهم.
### 2- السيطرة على الأرض وإعادة تشكيلها
في الأرجنتين، استُخدم تعبير «غزو الصحراء» للإيحاء بأن الجنوب أرض خالية تنتظر الاستيطان، بينما كانت مأهولة بشعوب أصلية منذ قرون.
وفي فلسطين، شكّل شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» أحد الشعارات التي ارتبطت بالرواية الصهيونية في بداياتها، وهو شعار يرفضه المؤرخون الفلسطينيون وكثير من الباحثين، لأنه يتجاهل الوجود التاريخي للفلسطينيين.
وفي كلتا الحالتين، ارتبط التوسع الإقليمي بمصادرة الأراضي، وإقامة تجمعات استيطانية جديدة، وتغيير البنية السكانية للمناطق الخاضعة للسيطرة.
### 3- تفكيك المجتمع الأصلي
شهدت حملة «غزو الصحراء» نقل أعداد من السكان الأصليين إلى معسكرات احتجاز، وتفكيك كثير من الأسر، وإخضاع الناجين لأشكال مختلفة من العمل القسري.
أما في الحالة الفلسطينية، فقد أدى الاحتلال، والحصار، والاستيطان، ونظام التصاريح، والاعتقالات، إلى تفكيك أجزاء واسعة من النسيج الاجتماعي، وإلى تهجير وتشتيت كثير من العائلات داخل فلسطين وخارجها.
### 4- محو الهوية
بعد انتهاء حملات التوسع في الأرجنتين، تعرض كثير من أبناء الشعوب الأصلية لسياسات دمج قسري، شملت تغيير الأسماء، ومنع اللغات المحلية، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس أوروبي.
وفي فلسطين، تم تهويد أسماء المدن والقرى والمعالم الجغرافية، وهناك صراع مستمر حول التراث الثقافي والذاكرة التاريخية، بوصفها جزءاً من الصراع على هوية المكان.
## خاتمة
تكشف التجربة الأرجنتينية أن بناء الدول لا يتم دائماً عبر الاندماج والتوافق، بل يقوم أيضاً على الإقصاء وإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.
ومن هذا المنظور، تبدو المقارنة بين الأرجنتين وتجارب استعمارية استيطانية أخرى، خاصة المشروع الصهيوني داخل فلسطين، مجالاً مشروعاً للدراسة التاريخية التي كثيراً ما تكشف عن أنماط متشابهة في كيفية بناء هوية الدول، والسيطرة على الأرض، وإعادة تشكيل المجتمعات بعد إخضاع السكان الأصليين.
كما تعيد هذه المقارنة فتح النقاشات المتعلقة بالهوية، والعنصرية، والعدالة التاريخية، والحقوق المسلوبة للشعوب الأصلية، وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني.



