مقالات رأي حر

*الدياناتُ الإبراهيمية: مركزيةُ بني اسرائيل في البنيةِ اللاهوتية*(الجزء الثاني عشر)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

*المقدمة*

لا يمكن التعامل مع النصوص التوراتية بوصفها أرشيفاً تاريخياً محايداً يعكس الوقائعَ كما هي، بل هي مزيجٌ معقّد من الذاكرة التاريخية وإعادة الصياغة اللاهوتية، يهدف إلى بناء هُويَّةٍ جماعيةٍ متماسكة.

فهي لا تنقل التاريخ بقدر ما تعيد تشكيله ضمن رؤيةِ الجماعة لذاتها وللآخر، حيث تُوظَّف السرديات لتثبيت موقع بني إسرائيل باعتبارهم «الابن المختار» أو «الامتداد الشرعي للعهد»، بما يمنحهم مركزيةً تاريخيةً وأخلاقيةً داخل عالمهم.

ويزداد هذا الفهمُ وضوحاً إذا أُخذ بعين الاعتبار أنَّ هذه النصوص لم تُكتب دفعةً واحدة، بل تشكّلت عبر فتراتٍ طويلة امتدت لقرون، وشارك في صياغتها عددٌ من الكتَّاب الذين لم يكونوا بصدد تدوين تاريخٍ دقيق بقدر ما كانوا يسعون – من خلال سردِ أخبار الحروب والممالك والأنبياء والانكسارات والانتصارات – إلى بلورة هُويَّةٍ جماعيةٍ في سياقاتٍ تاريخيةٍ مأزومة، ولا سيما مرحلة ما بعد السبي، حيث برزت الحاجةُ إلى إعادةِ تعريفِ الذات وإعادة بناء الذاكرة.

*الصراعاتُ بوصفها آليةً داخليةً لإنتاج الهُويَّات*

تكشف قراءةُ السرد التوراتي للصراعات مع الجماعات الأخرى، أنَّ النصَّ لا يكتفي بوصف الصراع، بل يؤسّس له من خلال طريقةِ تصنيفِ البشر داخل ثنائيةٍ حادّة: «نحن/الآخر». وهكذا، لا يبدأ الصراعُ من لحظةِ إعلانِ أيِّ حربٍ، بل من لحظةِ تعريفِ الجماعات داخل خريطةٍ رمزيةٍ تحدد الانتماء والاختلاف، حيث يتمُّ تحديدُ «نحن”» (بني إسرائيل) في مقابل «الأمم الأخرى» (الغوييم).

أي أنَّ النَسَب نفسه ليس بريئاً، بل يؤدي وظيفةً محوريةً من خلال الشبكة العائلية الكبرى التي تنطلق من إبراهيم (الأب الروحي والمؤسِّس)، والتي تعمل كأداة رمزيةٍ لإعادة ترتيب العالم وتعريف العلاقات والحدود بين المجموعات، بما يجعل البنية الإبراهيمية إطاراً تفسيرياً للصراع ولإنتاج الهُويَّات، لا وصفاً تاريخياً محضاً، ولا تسجيلاً بيولوجياً دقيقاً.

في هذا النظام الرمزي يُقدَّم بنو إسرائيل كامتدادٍ مباشرٍ ليعقوب، ويوضعون في المركز بوصفهم «شعب العهد». ويُنسب المديانيون الى مديان ابن ابراهيم من زوجته قنطورة (التي تزوجها بعد وفاة سارة)، والعماليق الى عيسو، وتنسب قبائلُ أخرى مثل المؤابيين والعمونيين إلى لوط ابن أخي إبراهيم. أما الجماعاتُ الكنعانيةُ (مثل الفرزيُّون،الحِثيُّون، اليبوسيِّون، الأمُّوريُّون …) فتُقدَّم بوصفها السكان الأصليين للأرض.

هذه الجماعاتُ تتحول من كياناتٍ بشريةٍ تاريخية وجغرافية إلى عناصر وظيفية داخل البنية اللاهوتية، تُعرَّف أساساً من خلال موقعها من مشروع «شعب العهد» (قريب، خصم، عدو مطلق ..) لا من خلال تاريخها المستقل. وهكذا لا يُعاد وصفُ العالم كما هو، بل يُعاد بناؤه كعائلة كونية مركزها بنو إسرائيل الذين يتربعون على قمة هرم الشرعية.

*بناءُ الهُويَّة: من الذاكرة إلى العُنف التأسيسي*

لا يقتصر بناءُ الهُويَّة على التصنيف النَسَبي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إنتاج معنى الصراع ذاته داخل هذه البنية الرمزية. فحين تُعرَّف الجماعاتُ ضمن ثنائية «نحن/الآخر»، لا يكون الاختلافُ مجرد اختلافٍ اجتماعي أو سياسي، بل يتحول إلى صراعٍ وجودي داخل نظامٍ رمزي مغلق، حيث تُعاد صياغةُ العلاقةِ مع الآخر بوصفها جزءاً من تعريف الذات نفسها.

وبهذا المعنى، فإنَّ الصراع لا يأتي في كثير من الحالات لاحقاً على الهُويَّة، بل يشارك في لحظةِ تأسيسها الأولى. والعنفُ داخل السردية هو أيضاً جزءٌ من آليةِ إنتاجِ الهُويَّة ذاتها لا مجرد انعكاس لها. وفي هذا الإطار، لا يُقدَّم العنفُ بوصفه فعلاً سياسياً أو تاريخياً عادياً، بل يُعاد تأطيره لاهوتياً من خلال نقله من المجال البشري إلى الإرادة الإلهية. فبدلاً من القول: «إسرائيل تقاتل»، يُقال: «الله يقاتل عبر إسرائيل».

ويؤدي هذا التحولُ إلى نتائج عميقة، أبرزها: إلغاءُ المسؤولية الأخلاقية المباشرة عن الفعل العنيف، وتحويلُ الحرب إلى طاعةٍ دينية، وإعادةُ تعريف العدو بوصفه تهديداً لاهوتياً. كما يسهم هذا البناءُ في توحيدِ الداخل في مواجهة الخارج، وتثبيتِ مركزية «شعب العهد«، وشرعنةِ التاريخ المكتوب من خلال قراءة الانتصارات بوصفها تحقُّقاً للوعد الإلهي.

وفي هذا السياق، تُفهم الحروبُ والإبادةُ الجماعية – سواءً أكانت أحداثاً تاريخيةً أو تمثيلاتٍ سرديةً ذاتَ طابعٍ أدبيّ وبلاغي – لا كغزواتٍ أو أفعالٍ عسكرية أو اعتداءات، بل كطقوسٍ تطهيرية تعيد تنظيم العالم وفق الإرادة الإلهية. وهذا يتجلّى بوضوح في نصوص مثل سفر التثنية وسفر يشوع حيث يظهر مفهومُ “التحريم” (ḥerem) الذي يعني تكريسَ كلِّ شيءٍ لله عبر إفناء العدو وإهلاكه بهدف “التطهير”.

وبلغةٍ تحليليةٍ معاصرة، يمكن التمييزُ بين مستويين متداخلين: أولاً: العنفُ الرمزي الذي يعمل عبر التصنيف والتسمية وإعادة إنتاج الآخر داخل شبكةٍ دلاليةٍ تحدد موقعه سلفاً. وثانياً: العنفُ المادي التأسيسي الذي يظهر عند لحظةِ تثبيت الهُويَّة نفسها. فالجماعةُ لا تُبنى فقط عبر الاختلاف والتمايز، بل عبر فعلٍ إقصائي يعيد رسم حدود «نحن» في مقابل « كلِّ ما ليس نحن». وبهذا، لا يصبح العنفُ مجرد أداةٍ في الصراع، بل يتحول إلى لحظةٍ تأسيسيةٍ تُعيد من خلالها الجماعةُ تعريف ذاتها وحدودها داخل العالم.

*إسماعيل: نموذجُ الإقصاء داخل البنيةِ العائليةِ نفسها*

تذكر التوراةُ «اسماعيل» بوصفه ابن ابراهيم من هاجر المصرية، وتذكر أسماءَ أبنائه الاثني عشر: «هؤلاء هم بنو إسماعيل، وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم، اثنا عشر رئيساً حسب قبائلهم» (تكوين 25). وهم يظهرون في السرد التوراتي بوصفهم جماعاتٍ بدويةٍ صحراويةٍ هامشيةٍ شرقية (تُفهم أحياناً على أنها قريبةٌ مما نسمّيه اليوم العرب) أو تجاراً صحراويين (في قصة بيع يوسف) أو جزءاً من شبكاتٍ قَبَليةٍ أخرى مثل المديانيين والأدوميين. ولكن لا يوجد نصٌ توراتي صريح يقول إنَّ “«لعرب» هم نسلُ إسماعيل، التي هي فكرةٌ مركزيةٌ في التقليد الإسلامي، لكنها ليست كذلك في العقيدة اليهودية.

تعترفُ التوراةُ بأنَّ نسلي اسماعيل واسحاق إخوة: «أمام جميع إخوته نزل» (تكوين 25:18). ويُعدُّ هذا اعترافاً واضحاً بأنَّ نسل اسماعيل هم “إخوةٌ” لنسل اسحاق من حيث الأصل الإبراهيمي. لكنَّ هذه القرابة المعترف بها نَسَبياً، لا تعني المساواةَ في المكانة. إذ توصف هاجر بوصفها “جارية”: «وهاجر المصرية جاريتها» (تكوين 16:1) أي انها لا تُقدَّم كزوجةٍ أولى، بل كجارية. وفي (تكوين 21:10)، تقول سارة لإبراهيم: «اطرد هذه الجارية وابنها، لأنَّ ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق». وهذا الطردُ ينعكس مباشرةً على وضع ابنها من حيث إقصائه من وراثة الاصطفاء والعهد مع الله.

ثم يكرر النصُّ نفس المعنى: «بإسحاق يُدعى لك نسل» (تكوين 21:12)، «وأما ابنُ الجارية فسأجعله أُمةً» (تكوين 21:13). وهذا التمييزُ الحادُ بين «ابن الجارية» و«ابن الحرة»، يعني أنَّ ليس كلَّ أبناء إبراهيم متساوين، وأنَّ هناك اختياراً إلهياً حصرياً لنسل اسحاق، وأنَّ الصراع مع «الآخر»، يبدأ حتى من داخل البنية العائلية نفسها. فالشرعيةُ والهُويَّة تُبنيان عبر الاختيار والإقصاء، لا عبر النَسَب الإبراهيمي وحده.

*الدياناتُ الإبراهيميةُ وإعادةُ قراءةِ البنية التوراتية*

لا تقتصر أهميةُ السرد التوراتي على سياقه النصِّي الأصلي، بل تمتد إلى ما بعده عبر تاريخٍ طويل من إعادة الكتابة والقراءة والتأويل، حيث أُعيد توظيف بنيته الرمزية داخل تقاليد دينيةٍ لاحقة تشترك فيما يُعرف حديثاً بمفهوم «الديانات الإبراهيمية» الذي هو تصنيفٌ حديثٌ في الدراسات الدينية المقارنة، ولا يعكس وحدةً تاريخيةً أو نصَّية، بقدر ما يشير إلى تقاطعٍ لاحقٍ في إعادة تفسير شخصية «إبراهيم» بوصفها مرجعيةً تأسيسيةً مشتركة.

ففي «اليهودية»، أُعيد إنتاجُ البنيةِ التوراتية ضمن تقاليد تفسيريةٍ لاحقةٍ أعادت صياغة مفاهيم العهد والاختيار ضمن إطار ديني – قانوني متجدد. وفي «المسيحية»، أُعيد تأويلُ هذه البنية حول مركزية المسيح ومفاهيم الصلب والفداء والخلاص من الخطيئة الأصلية – ضمن اختلافٍ لاهوتي بين اليهودية والمسيحية حول شخصية المسيح – بما يعيد تعريفَ العلاقة بين “شعب الله” والعالم. أما في «الإسلام»، فقد أعيد تثبيتُ المرجعيةِ الإبراهيمية ضمن تصور توحيدي شامل، يُعيد إدماجَ السرد السابق داخل بنيةٍ عَقَديةٍ مختلفةٍ، مع إعادة تعريف مفاهيم العهد والنسل والاصطفاء والأرض الموعودة،

وبهذا المعنى، فإنَّ ما يجمع هذه التقاليد لا يتمثل في وحدةٍ نصِّيةٍ أو تاريخية، بل في استمرار إعادة إنتاج البنى الرمزية ذات الأصل الإبراهيمي داخل أنظمةٍ لاهوتيةٍ متباينة، بما يجعل «الإبراهيمية» فضاءً تأويلياً ممتداً أكثر من كونها بنيةً دينيةً واحدةً متطابقة.

*الخاتمة*
في ضوء ذلك، يمكن القول إنَّ السرد التوراتي لا يعمل بوصفه تسجيلاً تاريخياً بقدر ما يشكّل جهازاً لإعادة إنتاج العالم رمزياً. فهو يعيد بناءَ الماضي عبر تحويله إلى نَسَب، ويعيد تفسير الصراع بوصفه امتداداً لإرادة إلهية، ويحوّل العنفَ إلى أداةٍ لإعادة تثبيت النظام اللاهوتي.

ومن هذا المنظور، لا تبدو رواياتُ الأنبياء والملوك والحروب مجرد سردٍ لأحداث ماضية، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء هُويَّةٍ جماعيةٍ تضع «بني إسرائيل» في مركز التاريخ، وتمنحهم موقع «الشعب المختار» صاحب العهد والأرض الموعودة.

وبامتدادِ القراءةِ خارج النص التوراتي، يتضح أنَّ هذه البنية الرمزية لم تتوقف عند حدودها الأصلية، بل أُعيد توظيفها ضمن تقاليد دينية لاحقة، أعادت تشكيل مفاهيم العهد والهُويَّة والخلاص داخل أُطر مختلفة، ما يجعل مصطلح «الديانات الإبراهيمية» فضاءً تأويلياً ممتداً لإعادة إنتاج إرثٍ رمزي واحدٍ عبر مساراتٍ متعددة.

واذا قمنا باسقاطِ السياق التوراتي القديم على الواقع السياسي المعاصر، سنجد أنَّ مفهوم «الديانات الإبراهيمية» الذي يُروَّج له حالياً، ليس إطاراً بريئاً أو محايداً أو جامعاً بالضرورة، بل إنَّ التعامل معه يتطلب وعياً نقدياً: ذلك أنَّ مَن يقبله اليوم، قد يجد نفسه – بوعي أو من دونه – منخرطاً ضمن أفقٍ تأويلي يستعيد بعض عناصر السردية التوراتية التي تمنح «بني يعقوب» هُويَّةً متفرِّدةً ومتعاليةً على الآخرين، وتضعهم في «مركزيةٍ» تاريخيةٍ وأخلاقيةٍ داخل العالم، تعتمد الصراع والعنف لإعادة تثبيت نظامٍ لاهوتيّ مغلقٍ لا يعترف بالتعددية. مركزيةٍ تنطلق من منطق الاصطفاء والتفوق باعتبار «بني إسرائيل» الشعب المختار المستحقِّ للأرض الموعودة التي هي كل فلسطين وأجزاء من الدول المجاورة.

بعبارةٍ أخرى، إنَّ استدعاء المرجعيَّة الإبراهيميَّة لا يمكن فصله عن بنيتها الأصلية. ومن الصعب تبنّي خطابٍ «إبراهيمي» جامعٍ دون إعادةِ إنتاجِ نفسِ التصنيفات الهَرمَية التي قامت عليها هذه البنيةُ السرديةُ في أصلها، والتي تصنِّف أغلبيةَ الشعوب والجماعات المجاورة في خانة «العدو» اللاهوتي أو السياسي أو العسكري الذي يُعتبر قتاله وإفناؤه عملاً تطهيرياً مقدسَّاً ومُحقِّقاً لمشيئةِ إلههم «يهوه».

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى