مقالات رأي حر

*العماليق في السرد التوراتي: من العدو التاريخي إلى البنيةِ الرمزية للصراع* (الجزء الحادي عشر)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

تحتل قصةُ العماليق في التوراة موقعاً محورياً في بناء صورة “العدو” داخل الذاكرة الدينية لبني إسرائيل، إذ لا تُقدَّم هذه المواجهةُ بوصفها حرباً عابرة، بل كصراع ممتدٍّ يحمل طابعاً عقائدياً وعسكرياً في آنٍ واحد؛ وكأمر يُقدَّم داخل السرد بوصفه أمراً إلهيَّاً بالإبادة، ما يمنحه طابعاً مطلقاً يشمل قتل النساء والأطفال والحيوانات، وهو ما يطرح إشكاليةً أخلاقيةَ كبرى تُعدُّ اليوم من أعقد الإشكاليات في نقد النصوص الدينية.

وتكشف قصةُ بني إسرائيل مع العماليق عن تحوّلٍ لافت، إذ تنتقل من صراعٍ تاريخي محدودٍ إلى بنيةٍ رمزيةٍ دينيةٍ تُنتج «الخصم الدائم» الذي يتكرر حضوره في النص رغم أوامر إلهيَّة بإزالته. وهذا التوترُ بين السرد اللاهوتي والواقع النصِّي يعكسُ طبيعةً مركبَّةً للنص التوراتي، حيث يتداخل التاريخيُّ بالرمزي، والواقعيُّ بالعقائدي.
ولا تكمن خطورةُ هذا النموذج في الحدث ذاته، بل في قابليته لإعادةِ التوظيف عبر الأزمنة، بما يسمح بإعادة إنتاج «العدو» داخل الوعي الجمعي، وتحويل الصراع من سياقه القَبَلي المحدود إلى إطار عقائدي مفتوح.

*العماليق بين الأصلِ التاريخيِّ والبناءِ السرديِّ*

في البداية هناك مسألةٌ مهمةٌ يجب توضيحها، وهي أنَّ الكثير من الناس يخلطون بين العماليق والعناقيين والرفائيين، بحيث يتمُّ تصوير «العماليق» على أنهم عمالقةٌ ضِخامُ الأجسام. ولكنَّ هذا التباساً وخلطاً بين شعوبٍ ثلاث مختلفةٍ في الأصل والوظيفة داخل السرد التوراتي. فالعماليق (Amalekites) هم قبيلةٌ منسوبةٌ إلى عماليق بن أليفاز بن عيسو، ويُقدَّمون في سفر التكوين كعدوٍّ قَبَليّ تاريخي لبني اسرائيل، ولا يوصف بالضخامة الجسدية (36:12). أما العناقيون (Anakim) فيُذكرون في سفر العدد (13:32–33) بوصفهم أناساً طوال القامة وذوي حضور يُثير الرهبة (13:32–33) ما جعلهم المصدر الأبرز لفكرة “الجبابرة” في النص. في حين أنَّ الرفائيين (Rephaim) يُشار إليهم في سفر التثنية كقوم “عِظام القامة” (2:10–11) وغالباً ما يُربطون بالعناقيين من حيث الصورةِ العامةِ للقوة والضخامة، دون تحديدِ نسبٍ إثني واضحٍ لهم.

وقد ورد ذكرُ «العماليق» في أسفار العهد القديم نحو ثلاثين إلى أربعين مرة، موزّعةً على عددٍ من الأسفار، أبرزها التكوين، والخروج، والعدد، والتثنية، والقضاة، وصموئيل الأول والثاني، والأخبار، وأستير، وهو ما يعكس مركزيتهم في تشكيل صورة العدو الخالد الذي لا يموت، داخل السرد التوراتي.

ويُقدَّم «العماليقُ» في بعض المواضع بوصفهم «أول الأمم»، كما في سفر العدد (24:20):«أولُّ الأُمم عماليق، وأما آخرته فإلى الهلاك»، وأنهم كانوا يقيمون في مناطق النقب وصحراء سيناء: «العماليق ساكنٌ في أرض الجنوب (النقب)» (العدد 13:29).
أما بحسب سفر التكوين (36:12) فهم يُنسبون إلى «عماليق بن أليفاز بن عيسو»، أي أنهم من نسل «عيسو» أخي «يعقوب». ومن هذا المنظور، يمكن فهم العلاقة بوصفها تأصيلاً رمزياً للصراع، حيث يمثّل يعقوب وعيسو الأصل الرمزي، بينما تمثّل ذريتهما الامتداد التاريخي اللاحق.

غير أنَّ النصَّ يطرح إشكالاً زمنياً، إذ يَرِد في سفر التكوين (14:7)
تعبيرُ «أرض العماليق» في سياقٍ يُفترض أنه يعود إلى زمن «إبراهيم»، أي قبل ظهور «عماليق» كشخصٍ في السرد التوراتي، ما يعزّز فرضيةَ وجود إسقاطٍ زمني ناتجٍ عن تحريرٍ لاحقٍ للنص، حيث استُخدمت أسماءٌ معروفةٌ لإعادةِ صياغةِ أحداثٍ أقدم زمنياً.

كما تُصوّرهم بعضُ النصوص بوصفهم قبائل بدوية/صحراوية مُحارِبة وكثيرة العدد، تعتمد الغزو والسلب، كما في سفر القضاة (7:12): «حالِّين في الوادي كالجراد في الكثرة، وجِمالهم بلا عددٍ كالرملِ الذي على شاطئ البحر في الكثرة.».

*العماليق: النموذجُ الرمزي للعدو الخالد الذي لا يموت*


يُلاحظ في السرد التوراتي أنَّ المواجهة مع «العماليق» لا تقتصر على حدثٍ واحدٍ أو جيلٍ بعينه، بل تتكرّر عبر مراحل تاريخية متعددة، من زمن الأنبياء إلى عصر القضاة ثم الملوك، وهو ما يمنح هذا العدو طابعاً استثنائياً داخل السرديَّة النصَّية التوراتية.
وهذا التكرار عبر شخصياتٍ تنتمي إلى أزمنةٍ ووظائف مختلفة (نبي، قائد، ملك) لا يمكن فهمه بوصفه مجرد سلسلةٍ من الحروب المنفصلة، بل يكشف عن نمطٍ سردي يعيد إنتاج نفس العدو داخل كل مرحلة تاريخية.

تبدأ المواجهةُ الفعليةُ مع العماليق بعد خروج بني إسرائيل من مصر: «فجاء عماليق وحارب إسرائيل في رفيديم» (الخروج 17:8). وفي هذه الواقعة، يقود «يشوع» القتال، بينما يقف «موسى» على الجبل رافعاً يديه: «وكان إذا رفع موسى يده يغلب إسرائيل، وإذا وضع يده يغلب عماليق». ويحمل هذا المشهدُ دلالاتٍ دينيةٍ ولاهوتيةٍ واضحة، إذ يُفهم رفعُ اليدين بوصفه رمزاً للاعتماد على القوة الإلهية، بما يشير إلى أنَّ النصر لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بالاتصال بالله. وهكذا، يقود «موسى» المعركة روحياً، في حين يتولاها «يشوع« ميدانياً، في تداخلٍ لافتٍ بين البُعد الديني والعسكري.

وتنتهي الواقعةُ بأمرٍ إلهي: «اكتب هذا تذكاراً في الكتاب .. أني أمحو ذكرَ عماليق من تحت السماء» (خروج 17: 14).
وهذه العبارةُ تُعدُّ من أخطر النصوص، لأنها تؤسِّس لفكرةِ الإبادةِ الكاملة، سواءً فُهمت بوصفها وعداً مستقبلياً أو تكليفاً موجَّهاً لكل بني إسرائيل. ويتعزز هذا التوجهُ على لسان «موسى» في سفر التثنية (25:19): «تمحو ذكرَ عماليق من تحت السماء. لا تنسَ»، حيث تكتسب عبارةُ «لا تنسَ» بُعداً تأسيسياً في ترسيخ الذاكرة العدائية عبر الأجيال، بما يكرّس مفهومَ “العدو” لدى بني إسرائيل، ويجعل النصَّ «تكليفاً شرعياً» جَمعِيِّاً موجَّهاً إلى الأمة عبر الزمن، لا مجرد توجيهٍ لفردٍ في لحظةٍ تاريخية بعينها.

ويعاود العماليقُ الظهور في فترة القضاة، حيث يرِد ذكرُهم ضمن تحالفاتٍ قَبَليةٍ مع المديانيين وبني المشرق: «وكان متى زرع إسرائيل يصعد المديانيون والعمالقة وبنو المشرق عليهم» (القضاة 6:3). يهاجم «جدعون» ورجاله معسكرَ التحالف ليلاً بالأبواق والمشاعل والجِرار الفخارية، ممَّا يُحدث رعباً وفوضى في صفوف العدو، فيُهزم: «فنفخوا بالأبواق وكسروا الجرار .. وأمسكوا بالمشاعل بيدهم اليسرى .. وصرخوا» (قضاة 7:20)
في هذه المعركة، لا يُهزم العدو (ومنهم العماليق) بالقوة المادية فقط، بل بفضل الدعم الإلهي، ما يعزّز البُعد الرمزي للصراع. والمفارقة أنَّ اسرائيل اطلقت اسم «عربات جدعون» على عملياتٍ عسكريةٍ (آخرها في حربها على غزة في العام 2025)، بوصفها رمزاً للانتصار رغم قلةِ عددِ الفئةِ المؤمنة (300 مقاتل فقط هو عدد جيش جدعون) في مقابل كثرة جيش العدو .

«جدعون» قاد المواجهةَ ضد العماليق وحلفائهم المديانيين (وهم قبائل عربية بدوية سكنت في النقب وسيناء وشمال غرب الجزيرة العربية، جنوب فلسطين)
في إطار صراعٍ يتخذ طابع الغارات والحروب غير النظامية، لا في إطار خطابِ الإبادة الشاملة الذي يبلغ ذروته في سفر صموئيل الأول (15:3)، حيث يُؤمَر الملكُ «شاول» بإبادة العماليق إبادةً شاملةً: «فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرِّموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً».
غير أنَّ شاول لا ينفّذ الأمرَ كاملاً، فيُدان ويُصوَّر كملكٍ أخفق في تنفيذ أمرٍ إلهيٍّ، ويعاقَب بزوال مُلكه. بما يعكس تشديداً لاهوتياً على ضرورة الامتثال الكامل لمنطق الإبادة التامة «التحريم» (Herem).

في سفر صموئيل الأول يُذكر أنَّ «داود» كان يشنّ غاراتٍ على العماليق ضمن صراعاته في الجنوب: «وصعد داود ورجاله وغزوا الجشوريين والجرزيين والعمالقة» (27:8)، قبل أن تبلغ المواجهةُ ذروتها في حادثة صقلغ، حيث يهاجم العماليق المدينةَ ويحرقونها ويسبون أهلها، فيستشير داود الإله قبل مطاردتهم، فيأتيه الجواب: «الحقهم، فإنكَ تدرك وتنقذ إنقاذاً» (30:8)، فيخرج داود ويهزمهم ويستعيد جميع المسبيين.

ويستمر ذكرُ العماليق في زمن الملك «حزقيا»، كما يرد في سفر أخبار الأيام الأول (4:41–43): «وذهب هؤلاء المكتوبون بأسمائهم في أيام حزقيا ملك يهوذا .. وضربوا بقيةَ الناجين من العمالقة .. وسكنوا مكانهم إلى هذا اليوم». ويكشف هذا النصُّ المتأخر زمنياً عن استمرار وجود “بقيةٍ” من العماليق رغم أوامر الإبادة السابقة، وعن تحوُّل المواجهة من خطابٍ لاهوتي إلى صراعٍ قَبَلي عسكري ذي طابعٍ استيطاني.

ورغم أوامر الإبادة المتكررة، لا يختفي العماليق تماماً من الرواية، بل يظهرون مرةً جديدةً في سفر أستير. وهذا يعكس مفارقةً سرديةً بين الإبادة المأمور بها إلهيَّاً، والبقاء الفعلي المستمر لهذا الشعب: «بعد هذه الأمور، عظّم الملكُ أحشويروش هامان بن همداثا الأجاجي، ورفَّعه وجعل كرسيه فوق جميع الرؤساء الذين معه» (أستير 3:1). وُتفهم كلمةُ “الأجاجي” تقليدياً على أنها نسبةٌ إلى «أجاج» ملك العماليق. أي أنَّ الوزير الفارسي «هامان» الذي أراد إفناء بني إسرائيل انتقاماً من «موردخاي»، يُقدَّمُ كامتدادٍ رمزي للعماليق.

إنَّ امتدادَ حضور العماليق في السرد التوراتي من عهد «موسى» إلى زمن الملك «حزقيا» – أي عبر فترةٍ زمنيةٍ تُقدَّر افتراضياً بنحو خمسة إلى سبعة قرون – يعزّز فكرةَ أنهم لم يكونوا مجرد جماعةٍ تاريخيةٍ عابرةٍ، بل عنصراً سردياً يُعاد إدماجه عبر طبقاتٍ زمنيةٍ مختلفة، بما يسمح باستمرار الصراع داخل البنية النصِّية في أسفار العهد القديم. وهذا التناقضُ بين أوامر الإبادة التامة وبقائهم الفعلي داخل السرديَّة يؤكد أنَّ النصوص ليست تسجيلاً دقيقاً لوقائع تاريخية حقيقية، بل هي انعكاسٌ لصراعاتٍ بشريةً أُسبغ عليها طابعٌ إلهي.

*من الأسطورةِ إلى البنيةِ السرديةِ المُنتجةِ للعنف*

تُظهر قراءةُ قصة «العماليق» أنَّ المسألة لا تتعلّق بمواجهاتٍ عسكريةٍ متفرّقة، بل ببناءٍ سردي متكامل يُعيد تشكيلَ صورةِ العدو داخل الوعي الديني للجماعة،ويؤسس آليةً خطابيةً لإنتاج المعنى تعيد صياغة الأحداث لمنحها استمراريةً ممتدةً تتجاوز حدود الزمن.
فالسردُ التوراتي هنا لا ينقل وقائع تاريخية يشكِّل العماليقُ فيها طرفاً من الأطراف المتقاتلة، بل يعيدُ إدماجهم داخل بنية النص بوصفهم تهديداً وجودياً مستمراً، كي يصبح حضورهم وظيفياً أكثر منه واقعياً. وهكذا يتحوّل «العماليقُ» من جماعةٍ تاريخيةٍ محدودة إلى نموذجٍ تفسيري للصراع، يُستدعى كلما دعت الحاجةُ إلى تحديد الخصم.

ومن هنا، يمكن فهمُ «السرديَّة» بوصفها أداةً لإعادة إنتاج الصراع لا لإنهائه، إذ تُبقي الخصمَ حاضراً في الذاكرة الجمعية، وتعيد إنتاجه في صور متعددة عبر الأجيال، بما يسمح بتحويل الصراع إلى بنيةٍ ذهنيةٍ ممتدة. وفي هذا الإطار، يغدو العنفُ جزءاً من منطق السرد ذاته، يُعاد تبريره وإنتاجه عبر الخطاب النصي.

*الخاتمة*
في العام 2023 وبعد إعلان الكيان المحتل خوضه حرب إبادةٍ شاملة في غزة، وجَّه رئيس وزرائه “بنيامين نتنياهو” خطاباً الى جنوده قائلاً «عليكم أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، نحن أبناء النور وهم أبناء الظلام، وسينتصر النورُ على الظلام». وعلى الرغم من وجود تياراتٍ يهوديةٍ نقديةٍ ترى أنَّ نصوص الإبادة في العهد القديم تعكس سياقاتٍ تاريخيةً أو أسطوريةً لا يجوز إسقاطها على الواقع، فإنَّ هناك في المقابل خطاباً دينياً – أيديولوجياً يقوم باستثمار نموذجَ «العماليق» بوصفه رمزاً أزلياً للعدو قابلاً لإعادة التوظيف عبر الأزمنة المختلفة. وهو يُسقِط هذا النموذج على خصومٍ معاصرين مثل الفلسطينيين او اللبنانيين أو الإيرانيين …) لتحويل الصراع على الأرض والنفوذ وممرات الطاقة الى صراعٍ عقائدي.

ومن هنا، فإنَّ استدعاء نموذج «العماليق» لا يعكس بالضرورة قراءةً دينيةً تقليدية، بقدر ما يكشف عن آليةٍ أيديولوجيةٍ تعيد إنتاج العدو داخل الحاضر. وبذلك، لا يعود النصُّ التوراتي مجرد سجلٍّ للماضي، بل يتحول إلى إطار مرجعي يُسهم في إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر ضمن ثنائيةٍ قطبيةٍ حادَّة (الخير المطلق والشرّ المطلق) تكرّس استمراريةَ الصراع، وتُضفي عليه شرعيةً رمزيةً تتجاوز حدودَه التاريخية.

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى