*إشكاليةُ الهُوية والآخر في التوراة: من العهد الديني إلى التوظيف الأيديولوجي المعاصر* (الجزء العاشر)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*
تتشكّل الهُويَّةُ في عددٍ من النصوص التوراتية بوصفها هُويَّةً حدوديةً، لا تقوم فقط على تعريف الذات، بل على رسم فواصل حادَّة بينها وبين «الآخر». وتكشفُ هذه النصوصُ عن بناءٍ هُويَّاتي يقوم على ثنائيةِ «نحن/هم»، حيث يُعاد تعريفُ الآخر بوصفه تهديداً دينياً ووجودياً، وتُبرَّر مواجهتُه ضمن أطرٍ دينيةٍ وأخلاقية. إنها هُويَّةٌ تتماسك عبر الخوف من الذوبان، وتنتج آلياتٍ صارمةٍ للحفاظ على نقائها واستمرارها.
*العهدُ والاصطفاءُ: تأسيسُ ثنائيةِ «نحن/هُم»*
يقف مفهومُ «العهد» في قلب الهُويَّة التوراتية، حيث يُقدَّم بنو إسرائيل كشعبٍ مرتبطٍ بعلاقةٍ خاصةٍ مع الإله: «لأنك أنت شعبٌ مقدسٌ للرب إلهك، إياك قد اختار الربُّ إلهك لكي تكون له شعباً خاصاً من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض» (التثنية 7: 6). ويتعزَّز هذا التصورُ في نصوصٍ أخرى: «أنتم أولادٌ للرب إلهكم … لأنكَ شعبٌ مقدَّسٌ للرب، وقد اختارك الربُّ لكي تكون له شعباً خاصاً» (التثنية 14: 1-2)
الاصطفاءُ هنا لا يُفهمُ كامتياز روحيٍّ فحسب، بل كإطار يؤسَّس لتمييز واضحٍ بين الداخل والخارج، ويضع الأساسَ لبنيةٍ ثنائيةٍ تُعرِّف الجماعةَ من خلال تمايزها عن غيرها.
*الآخرُ بوصفه تهديداً دينياً*
ضمن هذا الإطار، لا يُنظر إلى «الآخر» بوصفه مختلفاً فقط، بل كاحتمالٍ دائمٍ للانحراف الديني. ويظهر ذلك بوضوحٍ في التشريعات التي تهدف إلى حماية الجماعة من التأثير الخارجي، وعلى رأسها منع المصاهرة: «ولا تصاهرهم .. لأنه يردُّ ابنك من ورائي، فيعبدُ آلهةً أخرى» (التثنية 7: 3-4)
وتؤكد السردياتُ هذا التصور، كما في قصة موآب: «ابتدأ الشعبُ يزنون مع بنات موآب … فالتصق إسرائيلُ ببعل فغور» (العدد 25: 1- 3). في هذا السياق، يتحول الاختلافُ إلى خطرٍ لاهوتيّ، ويُعادُ تعريفُه كمدخلٍ محتملٍ لكسر العهد، خاصةً في ظلِّ تأكيدِ حصريةِ العبادة: «لا يكون لك آلهةٌ أخرى أمامي … لأنَّ الربَّ إلهك إلهٌ غيور» (الخروج 20: 3-5)
*نقاءُ الجماعةِ وإعادةُ بناءِ الهُويَّة (مرحلةُ ما بعد السبي)*
مع التحولات التاريخية، خصوصاً بعد السبي البابلي، يتخذ مفهومُ الهُويَّة بُعداً أكثر تشدداً. لم يَعُد التهديدُ خارجياً فقط، بل أصبح داخلياً أيضاً، ما أدَّى إلى التركيز على «نقاء الجماعة»: «اختلط الزرعُ المقدَّسُ بشعوبِ الأراضي» (عزرا 9: 2) ، «فلنقطع عهداً … أن نُخرج كلَّ النساء والذين وُلدوا منهن» (عزرا 10: 3)
تعكس هذه النصوصُ انتقالَ الهُويَّة من إطارٍ ديني إلى إطارٍ شبه إثنيّ، حيث يصبح الانتماءُ مسألةً تتعلق بالحفاظ على حدود الجماعة من الداخل.
*العنفُ كامتدادٍ للاصطفاءِ وحمايةِ الهُويَّة*

لا يقتصر بناءُ الهُويَّة على التشريعات الاجتماعية والدينية، بل يمتدُّ إلى المجال السياسي والعسكري. ففي بعض النصوص، يُشرَعنُ العنفُ تجاه الآخر ضمن سياقِ حمايةِ الجماعة: «وإن لم تُسالمك … فاضرب جميعَ ذكورها بحدِّ السيف» (التثنية 20: 10-14)، «تَضرب سكانَ تلك المدينة بحدِّ السيف، تُحرِّمها بكلِّ ما فيها» (التثنية 13: 15)
وفي أسفارٍ مثل يشوع (6-11)، تُصوَّر الحروبُ ضد الكنعانيين بوصفها تنفيذاً لإرادةٍ إلهيَّة. وفي هذا الإطار، يُفهم العنفُ ليس فقط كردِّ فعلٍ على تهديدٍ، بل كجزءٍ من منطقٍ ديني يهدف إلى حماية حدود الهُويَّة واستمراريتها.
*«الغوييم» وترسيمُ حدودِ الآخر*
يندرج مفهومُ “الأُمم” (الغوييم) ضمن هذا البناء الهُويَّاتي، حيث يتحول من دلالةٍ لغويةٍ محايدةٍ إلى توصيفٍ للآخر الخارج عن العهد. وبهذا، لا يُعرَّف الآخرُ فقط بوصفه مختلفاً، بل بوصفه خارج النظام الديني والأخلاقي الخاص بالجماعة، ما يجعله حدَّاً فاصلاً بين الداخل المقدَّس والخارج النجس المهدِّد.
وتتجلى هذه الرؤية في عباراتٍ مثل: «ها شعبٌ يسكنُ وحده، وبين الشعوب لا يُحسَب» (العدد 23: 9)، وهي تعبيرٌ مكثَّفٌ عن منطقِ الانفصال الهُويَّاتي.
*من اللاهوت إلى الأيديولوجيا: توظيفُ الهُويَّة سياسياً*
لا تكمن الإشكاليةُ في هذه النصوص بذاتها فقط، بل في كيفيةِ إعادةِ توظيفها في سياقاتٍ معاصرة. فمفاهيم مثل «الشعب المختار» و«أرض الميعاد» تُستدعى في بعض القراءات الحديثة بوصفها أساساً لخطابٍ سياسي يمنح شرعيةً دينيةً لاحتلال أراضي الآخرين، ولاسيما في فلسطين المحتلة، وربما أبعد منها.

في هذا السياق، يُعادُ تأويلُ نصوصِ الاصطفاء ووعود الأرض بحيث تتحول من تعبيراتٍ لاهوتيةٍ إلى ما يُفهمُ باعتباره حقَّاً تاريخياً ممنوحاً لبني اسرائيل منذ الآف السنين. وهذا الانتقالُ من المجال الديني إلى السياسي لا يتمُّ بشكلٍ محايد، بل عبر قراءاتٍ انتقائيةٍ متطرِّفةٍ تُبرز عناصر الامتياز والامتلاك، وتتجاهل السياقات التاريخية والتعدُّد داخل التراث.
النتيجةُ هي إعادةُ تشكيل العلاقة مع «الآخر»، حيث يتحول من تهديدٍ ديني في النصِّ القديم إلى خصمٍ أو عدوٍ سياسي معاصر يُعاد تعريفُه كوجودٍ غير شرعي. وهنا يكتسب الصراعُ طابعاً مقدساً، ما يجعله أقلَّ قابليةً للنقد أو التسوية.
*الخاتمة*
تكشفُ النصوصُ التوراتيةُ عن نموذجٍ هُويَّاتي مأزومٍ ومُعقَّد يقوم على العهد والاصطفاء، ويُبنى عبر ترسيمِ حدودٍ صارمةٍ بين الجماعة والآخر . وفي هذا النموذج، يتحول الاختلافُ إلى تهديدٍ ديني، وتُستخدم آلياتٌ مثل العزل والعنف لحمايةِ الهَُّوية.
غير أنَّ الإشكاليةَ الأعمق تظهر في إعادةِ توظيفِ هذه المفاهيم في الواقع المعاصر، حيث تنتقل من سياقها الديني التاريخي الغابر إلى مجال الأيديولوجيا السياسية، فتتحولُ من عناصر لتعريفِ الذات إلى أدواتٍ تُستخدمُ في تبرير الإقصاء والهيمنة والاستيلاء على أراضي الآخرين (وهو ما يحدث في فلسطين منذ 80 سنة).
وهنا يتجلى التوترُ بين النصَّ – الذي كُتب منذ آلافِ السنين في ظروفٍ مختلفةٍ لتحقيقِ أهدافٍ مغايرة – وتأويله، واستخدامه، بوصفه أحدَ أبرز إشكالاتِ العلاقةِ بين الهُويَّةِ والدين والسياسة.
فبعض المفاهيم تُعاد قراءتها خارج سياقها التاريخي، ويتمُّ تأويلها لتتحوَّل إلى طاقةٍ تعبويةٍ في صراعاتٍ معاصرة، وتُمنح بُعداً يتجاوز السياسي إلى المقدَّس .
وهنا تتجلى خطورةُ هذا التداخل، إذ ينتقل الصراعُ من كونه نزاعاً تاريخياً أو سياسياً قابلاً للتسوية، إلى صراعٍ مؤطَّرٍ بسردياتٍ مطلقةٍ تستمدُّ مشروعيتَها من مرجعيةٍ دينيةٍ يُنظر إليها بوصفها فوق التاريخ، وتحصل على التأييد من قوى عالميةٍ عظمى (سياسية وعسكرية واقتصادية ومالية وتكنولوجية وإعلامية) تجد في دعم أصحابها تحقيقاً لمصالحها الحيوية.

