مقالات رأي حر

*حين تتحولُ الخطيئةُ والعُنفُ إلى سردٍ مقدس: قراءةٌ نقديةٌ في قصصِ التوراة* (الجزء السادس)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

*ثانياً – أنبياءُ العهد القديم بين المعجزةِ والسخريةِ والعُنف:*

في حين تورد النصوصُ التوراتيةُ معجزاتٍ جميلةٍ للأنبياء كإحياء الموتى، إلا أنها تورد أيضاً رواياتٍ عنيفةً للغاية، تتحول فيها الخطيئةُ الى سردٍ مقدس، ممَّا يجعل الحاجة ملحةً الى تفكيك هذه الروايات وإعادة قراءتها قراءةً نقديةً، لا إلى تبريرها وتجميلها تمهيداً للقبول بها كحقائق واقعية أو مقدسة.

١- يوسف: غيرةُ أيناء يعقوب من أخيهم الصغير يوسف – الابن المحبوب لأبيه – تصل إلى حدِّ التفكير في قتله. وفي النهاية يتفقون على رميه في بئرٍ خاليةٍ من الماء كي يموت هناك. ثم يذهبون إلى أبيهم باكين وحاملين قميصه الملوَّث بالدم، مدَّعين أنَّ ذئباً افترسه. يعثر تُجَّار إسماعيليون عليه في البئر، ويأخذونه إلى مصر حيث سيتحوّل «يوسف» من عبدٍ إلى رجل دولة.

قصَّةُ إلقاءِ إخوةِ يوسف له في البئر التي وردت في سفر التكوين (الاصحاح 7) تُعَدُ واحدةً من أبشع صور الخيانة داخل الأسرة، ونموذجاً قاسياً للغيرة العائلية المدمِّرة التي يمكن أن تتحول إلى عنف شديد،
من الناحيةِ الأخلاقية إنها جريمةٌ عائليةٌ كاملةُ الأركان تمثل انهياراً أخلاقياً داخل الأسرة المؤسِّسة لبني إسرائيل، تتجلى باستغلالِ ثقةِ الأب يعقوب، الذي طلبوا منه إرسال يوسف معهم وهم يُخفون نيتهم، إضافةً الى اختلاق قصة الذئب، وتزييف الأدلة بوضعِ دمٍ على القميص، والكذب المتعمَّد الذي استمر سنواتٍ طويلة.

حتى لو انتهت القصةُ بالندم والاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة، يبقى هناك أسئلةٌ مُهمَّة: كيف يمكن لأبناء نبيٍّ – وهم أساسُ أسباط بني إسرائيل – أن يصلوا إلى هذا الحدِّ من التآمر الجماعي والظلم والقسوة في تعريض أخيهم للموت بسبب الغيرة والحسد؟ وكيف دام الاتفاقُ بينهم على الصمت الجماعي، دون أن ينهار أحدُهم ويعترف ليعقوب بالحقيقة؟ وكيف استطاعوا تحمُّل رؤيةِ حزنِ أبيهم كل تلك السنين؟ القرآنُ الكريم وصف حالةَ يعقوب الذي أصابه الحزنُ والأسى والغمُّ وذهب بصرُه من شدة البكاء: «وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» (سورة يوسف: آية 84)

2- موسى: يرسل الإلهُ موسى ليخلّص شعبه من مصر، ثم يفاجئه بارسال ملاكٍ لقتله، بسبب عدم ختان ابنه: «وحَدَث في الطريق في المنزل أنّ الربّ التقاه وطلب أن يقتله. فأخذت صفّورةُ صَوَّانةً وقطعت غُرلة ابنها، ومسّت رجليْه، وقالت: إنك عريسُ دمٍ لي. فانفكَّ عنه» (خروج 4: 24 – 26).

يُعَدُّ هذا النص الغريب نصَّاً إشكالياً، ويطرح عدةَ أسئلةٍ: إذ كيف تنقذ «صفّورة» زوجةُ موسى غير اليهودية حياةَ النبي والرسالةَ عبر خِتان ابنها بيدها؟ وهل تعكس طريقةُ الختان الواردة في النص طقساً قديماً وتقاليد بدوية قديمة في «مديان» التي هي موطن صفّورة، أُضيفت لاحقاً في التوراة لتوضيح أهمية الختان في الشريعة؟ ولماذا أراد اللهُ قتلَ موسى فجأةً بعد أن اختاره للرسالة؟ وكيف لموسى النبي أن يُهمل شريعةً أساسيةً مثل «الختان» الذي هو علامةُ العهد الإبراهيمي مع الله، ثم يعرِّض نفسه للومِ والعقوبة الإلهية ؟ وكيف يستطيع موسى أن يكون بطلَ الخروج ويقود شعبَ العهد، إذا كان بيته نفسه خارج هذا العهد؟

3- مذبحةُ اللاويين: تروي التوراةُ في سفر الخروج قصةً عنيفةً جداً تمثِّل لحظةَ تأسيس سلطة الكهنة اللاويين في المجتمع الإسرائيلي القديم. إذ
بعد أن صعد موسى إلى جبل سيناء ليتسلّم الوصايا، وتأخر في النزول، عاد ليجد أنَّ بني إسرائيل طلبوا من أخيه «هارون» أن يصنع لهم إلهاً، فصنع لهم عجلاً ذهبياً من ذهب النساء، وبدأ الشعبُ بعبادته والاحتفال حوله والسجود له. وفي لحظة غضبٍ من خيانةِ قومه، يصرخ موسى أمام الجميع قائلاً لهم: «مَن للربَّ فإليّ .. هكذا قال الربُّ إله إسرائيل: ليضع كلُّ واحدٍ سيفه على فخذه ومرّوا وارجعوا من بابٍ إلى باب في المحلة، واقتلوا كلَّ واحدٍ أخاه، وكلَّ واحدٍ صاحبه، وكلَّ واحدٍ قريبه» (خروج 32: 27). فقتل بنو لاوي بأيديهم – بأمر نبويّ ودينيّ واضح – ثلاثةَ الاف شخص من أقاربهم وأصدقائهم .

هذه القصةُ تقدم مثالاً على عنفٍ ديني داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وليس فقط عنفاً ضد الأعداء. فقد قام «موسى» بتطهير الجماعة والحفاظ على وحدةٍ دينيةٍ صارمة، عبر اللجوء الى مبدأ العقاب العنيف للجماعةِ نفسها التي من أجلها قام بمعجزةِ شَقِّ البحر، ليخرجها من مصر ويخلِّصها من عبودية الفرعون.
وهذا يطرح سؤالاً حول صورة القيادة الدينية لموسى: فهل كانت عبادةُ العجل تستحق ارتكاب هذه المجزرة بحقَّ الأخ والصديق والقريب؟ وهل جميعُ القتلى كانوا مشاركين فعلاً في عبادته، أم أنَّ العقوبة الجماعية كانت عشوائيةً ؟ وكيف تمَّ تغليبُ الولاء الديني على الروابط الإنسانية بأمرٍ إلهي؟

4 – شمشون: هو أحدُ “القضاة” في التاريخ القديم لبني إسرائيل، يُقدَّم كرجل ذي قوةٍ غير طبيعية. وسِرُّ قوته يكمن في نذرٍ خاصٍ يجعل شعره رمزاً للقوة الإلهية الممنوحة له. يقع شمشون في حبَّ «دليلة» التي يقنعها أعداؤه الفلسطينيون بأن تكتشف سرَّ قوته مقابل الكثير من المال. وبعد سلسلةٍ محاولاتٍ، يبوح بسرَّه. فتقوم بقصُّ شعره وهو نائم، ثم يُقبَض عليه ويُعمى. يُدعى للظهور في احتفالٍ داخل معبدٍ وثني، وهناك يدفع عَمودي المعبد فينهار عليه وعلى أعدائه. وهكذا تنهار القوةُ الخارقةُ الممنوحةُ له من الإله، عن طريق إمرأةٍ خائنةٍ سلَّمته لأعدائه مقابل المال.
قصةُ «شمشون» التي وردت في سفر القضاة (13 – 16) تجمع بين القوة الخارقة، وفقدان الحكمة، والضعف الأخلاقي، والنهاية التراجيدية حيث يدمِّر معبد الإله الفلسطيني على نفسه وعلى آلاف الناس، بما يشبه العملية الانتحارية (أو الإنغماسية بمعناها المعاصر). فهو لا يشبه الصورةَ التقليدية للأنبياء أو القادة الدينيين، بل هو أكثر قُضاة اسرائيل اندفاعاً وتهوراً، حتى لو اعتُبر في بعض التقاليد اليهودية أحد القضاة الذين أرسلهم الله لإنقاذ إسرائيل من الفلسطينيين، وأنَّ ما فعله يحمل تضحيةً وبطولةً قوميةً في الحرب ضد عدوٍّ قوميّ.

5 – أليشع: يورد سفرُ الملوك الثاني روايةً عن النبي «أليشع» – تلميذ النبي «إيليا» – تصطدم مباشرةً بالقيم الأخلاقية الأساسية: الرحمة، والعدالة الإلهية، والتناسب في العقاب: «أمّا هو (أليشع) فصعد إلى بيت إيل … وكان صبيانٌ صغار قد خرجوا من المدينة وسخِروا منه قائلين: اصعد يا أصلع! اصعد يا أصلع! فالتفت ولعنهم باسم الرب، فخرجت دُبّتان من الوعر وافترستا منهم اثنين وأربعين صبيَّاً» (الملوك الثاني 2: 23 – 25).
تثير هذه القصةُ معضلةً أخلاقيةً كغيرها من النصوص التوراتية التي تبدو متعارضةً مع الحسِّ الأخلاقيّ المعاصر، لأنها تقدِّم مثالاً على العنف الديني غير المتناسب مع الفعل: فهل السخريةُ من شخصٍ أصلع تستحق الموت والهلاك؟ وكيف يُقتل 42 طفلاً بسبب الإهانة؟ وهل لعنُ الأطفال وقتلُهم يعكسُ روحَ الأنبياء؟ وهل صورةُ النبي الغاضب والمنتقم تعزز هيبته في المجتمع أم تسيء إليها ؟ ولماذا يستجيب اللهُ للعنةِ النبي بهذه السرعة والقسوة؟ الواقع إنَّ ردَّ الفعل الإلهي غير متناسبٍ مع الذنب في هذه الرواية العنيفة التي تثير الصدمةَ وتكشف قسوةً شديدةً في القصص التوراتية.

6 – بلعام: بلعام نبيٌّ يُستدعى ليلعن بني إسرائيل مقابل مال. يرسل الإلهُ ملاكاً ليقتله في الطريق، ولكنَّ بلعام لا يراه، بينما يرى حمارُه الملاكَ ثلاث مرات وينحرف عن الطريق. ثم يتكلم بصوتٍ بشري معاتباً صاحبه لأنه ضربه ثلاث مرات. ما يعني أنَّ الحمار كان أكثر بصيرة ًمن النبي نفسه: «ففتح الربُّ فمَ الأتان فقالت لبلعام: ماذا صنعتُ لكَ حتى ضربتني ثلاث مرات؟ وقال ملاكُ الربّ لبلعام: لو لم تُمِل الأتان عنّي لكنتُ الآن قتلتك وأبقيتُها حيّةً» (العدد 22: 28–34). وهذه الروايةُ عن نبيٍّ ينقذه حمارُه من الموت، هي من أغرب القصص التي تُروى دائماً للتدليل على سخرية الإله من نبيٍّ جشِع كان يُفترض به أن يتلقى الرؤى ويرى الأمور الروحية، ولكنه أُصيبَ بالعمى الروحي ولم يرَ الملاكَ، بينما رآهُ حمارُه بوضوح.

7 – هوشع: يأمر اللهُ أحدَ أنبيائه بأن يتزوّج امرأةً زانية: «فقال الربُّ لهوشع: اذهب خُذ لنفسك امرأةَ زنى وأولاد زنى، لأنَّ الأرض قد زنت زنى تاركة الرب … فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم» (هوشع 1:2) . ثم سمَّى هوشع ولديه “لُو رُحَامَة” (لا رحمة) و “لُو عَمِّي” (ليس شعبي).
هذه القصةُ تعكس علاقةَ الله المتوترة بشعب إسرائيل، وأنه لن يُظهر الرحمة لهذا الشعب بسبب عصيانه وخطاياه المتكررة: فأن يتزوج النبيُ إمرأةً زانيةً، فهي علامةٌ رمزيةٌ على خيانة شعب إسرائيل للرب. فكما أنَّ المرأة الزانية تخون زوجها، كذلك شعبُ إسرائيل يخون الربَّ بعبادة الاصنام وآلهة أخرى وارتكاب الخطايا. والغريب أنَّ هذا النصُّ يعكس نظرةً ذكوريةً قويةً في الأدب القديم: فهو يقدَّم صورةً غريبةً لله كزوجٍ غاضبٍ، يغار ، ويشعر بالخيانة. وتُقدَّم المرأةُ كرمزٍ للخيانة الدينية، والزوجةُ كرمزٍ لإسرائيل الخائنة.

والنصَّ يطرح عدةَ إشكالاتٍ أخلاقية: فلماذا يأمر اللهُ نبيّاً بالزواج من زانيةٍ، أليس الزواج في النصوص الدينية يفترض الطهارة؟ ولماذا جعل النصُّ الأطفالَ – من خلال الأسماء الرمزية التي أُعطيت لهم – أدواتٍ رمزيةٍ لعقابٍ ديني، وتحميلهم معنى الخطيئة الجماعية؟
الحقيقة إنَّ هذه القصة تبدو مناقضةً للقيم الأخلاقية التقليدية التي تُنسب للأنبياء، وهي مثالٌ صارخٌ للدراما الشخصية التي يعيشها نبيٌّ بنفسه كي يشرح للشعب رسالته الدينية!

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى