خاص tvrمقالات رأي حر

*بنو إسرائيل والفلستيون: قراءةٌ نقديةٌ في رواياتِ الخروج والتِيه والاستيطان* (الجزء الثاني)

*بنو إسرائيل والفلستُّيون: قراءةٌ نقديةٌ في رواياتِ الخروج والتِيه والاستيطان* (الجزء الثاني)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

لطالما اعتمد الوعيُ الشعبيُ والسياسي، وخصوصاً في الخطاب الصهيوني الحديث، على الرواية التوراتية لتفسير نشوء «إسرائيل» القديمة، وقصة خروج بني إسرائيل من مصر، والتيه في سيناء، ثم دخول أرض كنعان بقيادة يشوع بن نون، وبناء هيكل سليمان العظيم في أورشليم.

غير أنَّ علم الآثار الحديث، إلى جانب الدراسات التاريخية المقارنة، قدّم خلال العقود الأخيرة معطياتٍ مختلفةٍ إلى حدٍّ بعيدٍ عن هذه السردية التقليدية، وكشف عن فجواتٍ ملحوظةٍ بين ما ترويه النصوصْ الدينيةُ وما تُثبته الأدلةُ المادية.

فالرواياتُ الدينيةُ، على غِناها الرمزي واللاهوتي، لعبت دوراً مهماً في تشكيل وعي الجماعات الدينية والثقافية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحدياتٍ كبيرةٍ عندما تُقرأ بوصفها سجلاتٍ تاريخية حرفية. وفي عالم يتداخل فيه الأسطوريُّ بالتاريخي، تبرز أسئلةٌ إشكاليةٌ أساسية:
هل يمكن التعامل مع القصص التوراتية بوصفها وقائع تاريخية دقيقة؟ أم أنها مجرد نصوصٍ دينيةٍ صيغت في سياقاتٍ لاحقةٍ لأغراضٍ لاهوتيةٍ وتربويةٍ وهُوويَّة؟

أولاً – من «بني إسرائيل» إلى «اليهود»: تطوّرُ الاسم والهُويَّة


يرى عددٌ من الباحثين في تاريخ التوراة أنَّ قصص الخروج والتيه والغزو ليست تسجيلاً تاريخياً مباشراً للأحداث، بل بناءً لاهوتياً متأخراً تَشكّل بصورة أساسية بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، أي بعد قرون من الزمن المفترض لوقوع تلك الأحداث.
في تلك المرحلة كانت الجماعةُ العبرانيةُ تعيش أزمةً وجوديةً عميقةً بعد سقوط مملكة يهوذا وتهجير قسمٍ كبير من سكانها إلى بابل. وفي مثل هذه الظروف غالباً ما تلجأ الجماعاتُ إلى إعادةِ صياغةِ ماضيها وبناءِ سردياتٍ تأسيسيةٍ تمنحها معنى واستمراريةً تاريخية.

وتعرض النصوصُ التوراتية هذه الهُويَّة عبر رواياتٍ مليئةٍ بالتوترات الداخلية: صراعاتٌ بين الإخوة، وخداعٌ داخل الأسرة، ونزاعاتٌ على البركة والوراثة، وأحداثٌ تتضمن إشكالات أخلاقية واضحة. وهذا يشير إلى أنَّ النصَّ لا يسعى بالضرورة إلى تقديم تاريخٍ مثالي، بل إلى تفسير المعاناة والانقسام ضمن إطار لاهوتي.

وقد مرّت تسميةُ أبناء يعقوب بعدة مراحل تاريخية:
1- بنو إسرائيل
من أكثر الروايات إثارةً في سفر التكوين تلك التي تذكر أنَّ يعقوب صارع الإله نفسه: «فبقيَ يعقوب وحده. وصارعه إنسانٌ حتى طلوع الفجر … فقال: لا أطلقك إن لم تباركني … فباركه هناك. ودعا يعقوبُ اسمَ المكان فنيئيل قائلاً: لأني نظرتُ الله وجهاً لوجه ونجَّيتُ نفسي» (تكوين 32: 24–30).
تثير هذه الروايةُ إشكالاتٍ لاهوتيةٍ واضحة، إذ تصور الإله في هيئةٍ يمكن مصارعتها والإمساك بها وانتزاع البركة منها. والمفارقة أنَّ النصَّ التوراتي نفسه يقدّم لاحقاً تصوراً مختلفاً تماماً عندما يقول الإله لموسى: «لا تقدر أن ترى وجهي، لأنَّ الإنسان لا يراني ويعيش» (خروج 33:20).


بعد هذه الحادثة يُمنح يعقوبُ اسمَ «إسرائيل»، أي الذي جاهد أو صارع الله وغلب. ومنذ ذلك الوقت أصبح الاسم يُطلق على نسله، أي الأسباط الاثني عشر. واستُخدم مصطلح «بني إسرائيل» في النصوص التي تتحدث عن مرحلة الخروج والتيه وفترة القُضاة.
وترتبط القصةُ أيضاً بطقسٍ غذائي (الامتناع عن أكل عرق النسا)، وهو ما يشير إلى أنَّ الرواية تحمل وظيفةً رمزيةً وتشريعيةً إلى جانب بُعدها السردي.

2- من اليهوذايين إلى اليهود:

بعد انقسام المملكة المنسوبة لسليمان (التي يقال إنها استمرت 80 سنة) ظهرت مملكةُ إسرائيل في الشمال ومملكةُ يهوذا في الجنوب.
ومع ذلك، يثير عددٌ من الباحثين تساؤلاتٍ حول الصورة التقليدية لمملكتي إسرائيل ويهوذا كما تقدمها النصوصُ التوراتية. فبينما تؤكد بعضُ النقوش الآشورية والمصادر الخارجية وجودَ كيانٍ سياسي يُعرف باسم «إسرائيل» في الشمال خلال القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، إلا أنَّ حجم هذا الكيان وطبيعته السياسية ما يزالان موضع نقاش. أما مملكة يهوذا في الجنوب، فتشير الأدلةُ الأثرية إلى أنها كانت في بداياتها كياناً صغيراً ومحدود الموارد، وأنَّ مدينة أورشليم نفسها كانت بلدةً متواضعةً نسبياً في القرن العاشر قبل الميلاد. ولذلك يرى بعض الباحثين أنَّ الصورة التي تقدمها التوراةُ عن مملكتين كبيرتين متوازيتين قد تكون نتاجَ إعادةِ صياغةٍ تاريخيةٍ لاحقة، جرى فيها تضخيمُ حجم هذه الكيانات ودورها السياسي في سياقِ بناءِ سرديةٍ دينيةٍ وقوميةٍ متماسكة.
وبعد السبي البابلي في العام 586 ق.م توسعت دلالةُ كلمة «يهود» لتشمل جماعةً دينيةً وسياسيةً موحدةً نسبياً، بصرف النظر عن الانتماء القبلي السابق.
وبذلك فإنَّ مصطلح «اليهود» لم يكن في الأصل اسماً لشعبٍ متماسكٍ منذ البداية، بل هو تسميةٌ تاريخيةٌ تشكلت تدريجياً وارتبطت أساساً بجغرافيا يهوذا وبمرحلة ما بعد السبي. وهذا ما يعزز الرأي القائل إنَّ الصيغة النهائية للنصوص التوراتية هي نتاجٌ أدبي ولاهوتي متأخر.

ثانياً – الفِلستيُّون: سكانٌ مستقرون أم جماعةٌ وافدة؟

تشير الأدلةُ الأثرية إلى أنَّ الفلستيين استقروا في السواحل الجنوبية لكنعان، خاصة في مدنٍ مثل غزة وعسقلان وأشدود، منذ نحو 1200 ق.م. ويرجِّح كثيرٌ من الباحثين أنهم قدمِوا من منطقة بحر إيجه ضمن ما يعرف بـ«شعوب البحر».
ورغم أنهم كانوا بدورهم جماعةً وافدةً، فإنهم سرعان ما استقروا وشكّلوا ثقافةً مميزةً ذات طابع عمراني وتنظيمي واضح. فقد كشفت الحفرياتُ الأثرية عن أنماط فخارية ومعمارية مميزة، إضافةً إلى طقوس دفن تختلف نسبياً عن تقاليد الكنعانيين.


ولا تشير الأدلةُ إلى أنهم سعوا إلى إبادة السكان المحليين، بل يبدو أنهم عاشوا إلى جانبهم ضمن شبكة من الصراعات والتحالفات الإقليمية المعتادة في الشرق الأدنى القديم.

أما اسم «فلسطين»، فيُشتق لغوياً من «فلست» أو «فلستيا»، لكنه اكتسب صفته الإدارية الرسمية في العصر الروماني بعد العام 135م عندما أطلق الرومان اسم Syria Palaestina على الإقليم.

ثالثاً – أسطورةُ الخروج: غيابُ التأريخ وحضورُ اللاهوت

تصور التوراةُ بني إسرائيل كمجموعةٍ كبيرةٍ خرجت من مصر بقيادة «موسى»، وتجولت في صحراء سيناء أربعين سنة قبل أن تدخل أرض كنعان بقيادة «يشوع».
وتُقدَّمُ هذه القصةُ باعتبارها تحقيقاً لوعدٍ إلهي أُعطيَ لإبراهيم، حيث يُفترض أنَّ الأرض مُنحت لبني إسرائيل بعد سلسلةٍ من الحروب التي تضمنت أوامر إلهيةً بإبادةِ سكان المُدن الكنعانية بالكامل فيما يُعرف بمفهوم «التحريم».
و«التحريمُ» هو مفهومٌ توراتي يقتضي تقديمَ كلِّ شيءٍ لله من خلال الإبادة الجماعية: لا أسرى، لا غنائم، لا حياة تُترك. إنه شكلٌ من أشكال العبادة عبر الإبادة الجماعية. وقد نصّت أسفارٌ مثل يشوع والتثنية وصموئيل على قتلِ كل سكان المدن: «لا تُبقِ منهم نسمة» (تثنية 20:16).

لكنَّ هذه الروايةَ تواجه عدداً من الإشكالات التاريخية. فبحسب النصِّ التوراتي بلغ عددُ الخارجين من مصر: «نحو ستمئة ألف رجل ماشٍ عدا الأولاد» (خروج 12:37). وإذا أُضيفت النساءُ والأطفالُ فقد يتجاوز العددُ مليوني إنسان. غير أنَّ هذا الرقم يبدو صعب التوفيق مع الظروف الديموغرافية والاقتصادية في مصر القديمة وسيناء.
واللافت أنه عندما نزل يعقوبُ وأولاده إلى مصر للّحاق بيوسف: «كان جميعُ نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعين نفساً» (تكوين 46:27). وبعد نحو 400 سنة (وهي الفترة المقدرة بين موتِ يعقوب ونهايةِ سُلالة يوسف في مصر، وظهور موسى كقائدٍ للعبور) صاروا 600 ألف رجل عند الخروج.

لذلك يرى معظمُ الباحثين أنَّ هذا الرقم رمزي، أو أنَّ القصة نفسها ليست حدثاً تاريخياً جماعياً من الأساس، بل هي أسطورةٌ تأسيسيةٌ صيغت لاحقاً لتفسير نشأة جماعةٍ دينية.

وتزداد الإشكاليةُ تعقيداً عندما ننظر إلى الأدلة الأثرية في شبه جزيرة سيناء نفسها. فقد أجرت بعثاتٌ أثريةٌ عديدة منذ ستينيات القرن العشرين مسوحاتٍ واسعة في المنطقة بحثاً عن آثار لمعسكراتٍ أو تجمعاتٍ بشرية كبيرة تعود إلى تلك الفترة، إلا أنَّ النتائج جاءت سلبيةً إلى حد بعيد.
فلم يُعثر على بقايا مخيماتٍ واسعة أو أدواتٍ فخارية أو مدافن تشير إلى وجود جماعةٍ بشريةٍ ضخمةٍ أقامت في الصحراء مدة طويلة. ويشير بعضُ الباحثين إلى أنَّ البيئة الصحراوية في سيناء غالباً ما تحفظ الآثار البشرية جيداً، بل إنَّ علماء الآثار تمكنوا من اكتشاف آثار قوافل صغيرة ومواقع تعدين مصرية قديمة في المنطقة.

ولهذا أصبح ما يسميه بعض الباحثين «الصمت الأثري في سيناء» أحدَ أبرز الإشكالات التي تواجه القراءة التاريخية الحرفية لقصة الخروج.

رابعاً – الغزو أم النشوءُ الداخلي؟


تذهب بعضُ المدارس النقدية إلى أنَّ الخروج – إن حدث – ربما اقتصر على مجموعاتٍ صغيرةٍ، أو أنه لم يحدث بالشكل الذي تصفه الروايةُ التوراتية.
كما أنَّ الأدلة الأثرية لا تدعم فكرة الغزو العسكري الشامل لأرض كنعان كما ورد في سفر يشوع. فعند دراسة المدن التي يُفترض أنَّ بني إسرائيل دمروها تظهر صورة مختلفة.
ففي مدينة «أريحا»، التي تقول الروايةُ التوراتية إنَّ أسوارها انهارت أثناء حصار يشوع، أظهرت الحفرياتُ الأثرية أنَّ المدينة لم تكن مدينةً محصنةً في الفترة المفترضة للغزو، بل كانت شبه مهجورة.
أما موقع «عاي»، الذي تصفه التوراة بأنه شهد معركة كبيرة، فقد تبيّن أنَّ المدينة كانت مدمَّرة قبل ذلك بقرونٍ طويلة ولم تكن مأهولةً في تلك الفترة.
وفي مدنٍ كنعانيةٍ أخرى مثل مجدو ولاخيش استمرت الحياة بشكل متواصل دون دلائل واضحة على دمار واسع يتوافق مع رواية غزو شامل.

وقد دفع هذا التباينُ بين النصوص الدينية والنتائج الأثرية كثيراً من الباحثين إلى اقتراح تفسير مختلف لنشأة إسرائيل، يرى أنها نشأت تدريجياً من داخل المجتمع الكنعاني نفسه، عبر تحولاتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ شهدتها مجموعاتٌ ريفية في المرتفعات، تبنّت عبادة «يهوه»، ثم أعادت كتابة تاريخها لاحقاً في صورةِ غزوٍ إلهيٍّ مشروع.

ويعزز هذا الاحتمال ظهورُ مئات القرى الصغيرة الجديدة في مناطق المرتفعات الفلسطينية حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهي قرى تحمل ثقافةً ماديةً قريبة جداً من الثقافة الكنعانية.
ومع ذلك يوجد دليلٌ أثري يشير إلى وجود جماعةٍ تُدعى «إسرائيل» داخل كنعان في تلك الفترة، وهو “نقش مرنبتاح” المصري الذي يعود إلى نحو العام 1208 ق.م. ويذكر النقشُ ضمن قائمة الشعوب التي حاربها المصريون عبارةَ: «إسرائيل خربت ولم يبقَ لها زرع».
ويُعدُّ هذا أقدمَ ذكرٍ معروفٍ لاسم إسرائيل خارج النصوص التوراتية، إلا أنَّ النقش يصفُ إسرائيل كشعبٍ أو جماعةٍ بشرية، لا كدولةٍ مُنظَّمة.

الخاتمة …
تكشفُ المقارنةُ بين الرواية التوراتية ونتائج علم الآثار عن فجوةٍ واضحةٍ بين النصوص الدينية والواقع التاريخي كما تعكسه الأدلةُ المادية. وهذا لا يعني بالضرورة نفي القيمة الدينية أو الرمزية لهذه النصوص، بل يدعو إلى قراءتها ضمن سياقها الأدبي واللاهوتي.
ومن هنا فإنَّ هدف القراءة النقدية لهذه السرديات هو التمييزُ بين البُعد اللاهوتي والبُعد التاريخي، وفهمُ النصوص القديمة في سياقها الثقافي والحضاري الأوسع. لأنَّ القصص الدينية كثيراً ما تؤدي وظائف تتجاوز التسجيل التاريخي المباشر، إذ تسهم في بناءِ الهُويَّة الجماعية وتفسير الماضي وإضفاءِ معنى على التجارب التاريخية الصعبة.

(الجزء الثاني من دراسةٍ أطول تعمل الدكتورة هلا رشيد أمون على كتابتها منذ وقت طويل بغية نشرها في كتاب)

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى