خاص tvrمقالات رأي حر

من طقوس وثنية إلى احتفالات في بلاد الحرمين… كيف وصل الهالوين إلى المجتمعات الإسلامية؟

من طقوس وثنية إلى احتفالات في بلاد الحرمين… كيف وصل الهالوين إلى المجتمعات الإسلامية؟

لم يعد الهالوين مجرد مناسبة غربية عابرة، ولا مجرد أزياء غريبة وأقنعة مخيفة وفوانيس قرع مضاءة. لقد أصبح ظاهرة ثقافية تتجاوز حدود المجتمعات التي نشأت فيها، حتى وصل إلى شوارع مدن عربية وإسلامية، وها نحن نشاهد مظاهر الاحتفال به في السعودية، البلد الذي يحتل مكانة دينية استثنائية لدى المسلمين باعتباره مهد الإسلام وقبلة المسلمين.

لكن قبل أن نسأل كيف وصل الهالوين إلى مجتمعاتنا، علينا أن نعرف من أين جاء أصلاً، وما الذي كان يعنيه لمن احتفلوا به قبل مئات السنين.

🎃 الهالوين… حكاية بدأت مع طقوس قديمة

تعود الجذور التاريخية للهالوين إلى احتفال قديم يُعرف باسم «سامهاين» (Samhain)، ارتبط بالشعوب الكلتية التي عاشت في مناطق من أوروبا، ولا سيما إيرلندا واسكتلندا وويلز.

كان هذا الاحتفال مرتبطاً بنهاية موسم الحصاد وبداية الشتاء، وكان الكلت يعتقدون أن ليلة الانتقال بين الفصلين تشهد اقتراب عالم الأحياء من عالم الأموات، وأن الأرواح تستطيع العودة إلى عالم البشر.

ولهذا كانوا يشعلون النيران، ويرتدون أزياء وأقنعة غريبة، في محاولة لإبعاد الأرواح الشريرة أو تجنب التعرف إليهم، وفقاً لمعتقداتهم القديمة.

بمعنى آخر، نحن أمام طقوس نشأت في بيئة وثنية، ارتبطت بالمعتقدات الغيبية والخوف من الأرواح والموت، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى مناسبة ذات أشكال مختلفة.

⛪ كيف دخل الهالوين إلى التقويم المسيحي؟

مع انتشار المسيحية في أوروبا واتساع نفوذ الكنيسة، لم تختفِ جميع العادات القديمة دفعة واحدة. بل دخل بعضها في مسار طويل من التغيير والامتزاج مع المناسبات الدينية المسيحية.

في القرن الثامن الميلادي، جرى تثبيت الأول من تشرين الثاني موعداً لعيد جميع القديسين، وأصبح المساء الذي يسبقه يُعرف باسم «All Hallows’ Eve»، أي ليلة جميع القديسين، ومنها جاءت تسمية Halloween.

ثم أُضيف الثاني من تشرين الثاني مناسبة لإحياء ذكرى الموتى والصلاة من أجلهم.

وهكذا تداخلت التقاليد الشعبية القديمة مع التقويم الكنسي، وأخذت المناسبة شكلاً جديداً، قبل أن تتطور لاحقاً، خصوصاً مع انتقال المهاجرين الإيرلنديين إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، إلى احتفال تجاري واجتماعي واسع الانتشار، يعتمد على الأزياء التنكرية والقرع والحلوى والحفلات.

ومن هنا بدأت رحلة الهالوين الحديثة إلى بقية العالم.

🌍 من أوروبا وأميركا إلى المجتمعات الإسلامية

المفارقة أن مناسبة نشأت في سياق معتقدات وثنية قديمة، ثم ارتبطت بمناسبات في التقويم المسيحي، أصبحت اليوم تُسوّق باعتبارها مجرد ترفيه وثقافة عابرة للحدود.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والشركات العالمية، والمراكز التجارية، تحولت المناسبة إلى منتج تجاري وتسويقي، ولم تعد محصورة في المجتمعات الغربية.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل يعني انتشار أي ظاهرة في العالم أن علينا استيرادها والاحتفال بها من دون التفكير في جذورها وخلفياتها الثقافية والدينية؟

فالمجتمعات لا تفقد خصوصيتها دفعة واحدة، بل قد تتخلى عنها تدريجياً عندما تتحول كل مناسبة وافدة إلى موضة، وكل تقليد غربي إلى مشهد مطلوب لاستكمال صورة الحداثة والانفتاح.

🇸🇦 السعودية تحتفل بالهالوين… أين اختفت الأسئلة والفتاوى؟


هنا نصل إلى المفارقة الأكثر إثارة للنقاش.

شهدت السعودية خلال الأيام الأخيرة فعاليات وأجواء مرتبطة بموسم الهالوين، شملت حفلات وديكورات وأزياء تنكرية وأنشطة تجارية وترفيهية في الرياض.

والسؤال هنا ليس متعلقاً بحق الناس في الترفيه، ولا برفض كل ما يأتي من الخارج لمجرد أنه غربي، بل يتعلق بالتناقض الذي يراه كثيرون بين الخطاب الديني الذي اعتادت مؤسسات دينية في السعودية تقديمه، وبين المشهد الجديد الذي باتت تستضيفه مدن المملكة.

لسنوات طويلة، كانت السعودية حاضرة بقوة في النقاشات والفتاوى المتعلقة بالاحتفالات والمناسبات والأعياد الوافدة، وكانت مواقف التحليل والتحريم تصل إلى المسلمين في مختلف أنحاء العالم، ويستند إليها كثيرون في تحديد ما يجوز وما لا يجوز.

فأين أصبحت تلك الأسئلة اليوم؟ وكيف يُفسَّر هذا التحول؟ وهل تغيرت المعايير، أم أن مفهوم الاحتفال بات يخضع لحسابات مختلفة عندما يتعلق الأمر بالسياحة والترفيه والانفتاح الاقتصادي؟

إن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه المناسبة لا تنسجم مع ما كان يُقدَّم سابقاً من خطاب ديني، فما الذي تغير؟ هل تغيرت الفتوى، أم تغيرت الأولويات؟

وهذا لا يعني أن جميع السعوديين يؤيدون هذه الاحتفالات، ولا أن المجتمع السعودي يتبنى موقفاً واحداً منها، لكنه يضع المؤسسات الدينية أمام تساؤلات مشروعة حول اتساق خطابها ومواقفها.

إعلان Tvrlb

⚖️ الانفتاح لا يعني التخلي عن الهوية

لا أحد يعترض على التطور، ولا على السياحة، ولا على أن تتعرف المجتمعات إلى ثقافات بعضها البعض. لكن الانفتاح الحقيقي لا يعني أن تتحول المجتمعات إلى نسخ متشابهة، ولا أن يصبح تقليد الآخرين معياراً للتقدم.

يمكن لأي بلد أن يستضيف فعاليات عالمية، وأن يطور قطاع الترفيه، من دون أن يتجاهل الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ والمعتقدات.

فالمشكلة ليست في قناع مخيف أو ثمرة قرع مضاءة، بل في طريقة تعاملنا مع ما نستورد من ثقافات، وفي ازدواجية المعايير التي تجعل أمراً مرفوضاً في خطاب الأمس مقبولاً ومحتفى به في مشهد اليوم.

والأكثر غرابة أن نرى مناسبة بهذه الخلفية التاريخية تنتقل إلى مجتمعات إسلامية، بينما لا نجد النقاش الديني والثقافي الذي كان يرافق مناسبات مشابهة في السابق بالحضور نفسه.

فهل أصبح الحلال والحرام يتغيران بتغير المواسم والمصالح؟ أم أن ما كان يُقدَّم على أنه مسألة مبدئية أصبح اليوم قابلاً لإعادة التفسير؟

سؤال لا يتعلق بالهالوين وحده، بل بمفهوم الهوية، وبالمعايير التي نحتكم إليها، وبالفارق بين الانفتاح على العالم والتخلي عن الخصوصية.

رشيد الخطيب – رئيس تحرير موقع Tvrlb

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى