خاص tvrمقالات رأي حر

نتنياهو يكشف خصومه الحقيقيين… هل تمتد أصابع إسرائيل إلى الداخل الأوروبي لإضعاف الحكومات المزعجة؟

نتنياهو يكشف خصومه الحقيقيين… هل تمتد أصابع إسرائيل إلى الداخل الأوروبي لإضعاف الحكومات المزعجة؟

لم يكن كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الدول العربية وأوروبا مجرد تصريح سياسي عابر. ففي مقطع مصوّر من مقابلة مع صحيفة «جيروزاليم بوست»، بدا وكأنه يرسم خريطة مختلفة للعلاقات الدولية، يضع فيها المواقف العربية المعلنة في خانة المجاملات السياسية، بينما يصوّر بعض الدول الأوروبية باعتبارها الطرف الأكثر إزعاجاً لحكومته.

https://youtu.be/UVt9GhjaDgs?si=-Ku38Xxk2AN5quNv
وبحسب الترجمة العربية المتداولة للمقابلة، يقول نتنياهو إن غالبية الدول العربية لا تعطي القضية الفلسطينية الأهمية التي تظهرها في تصريحاتها، وإن مسؤولين عرباً يعبّرون في السر عن مواقف مختلفة عما يعلنونه أمام شعوبهم.

ثم ينتقل إلى الحديث عن الدول الأوروبية وتحفظاتها على تركيبة حكومته.

وهنا يبدأ السؤال الأخطر: إذا كانت بعض الحكومات الأوروبية تشكّل مصدر إزعاج حقيقي لنتنياهو، فهل تكتفي إسرائيل بمراقبة التحولات السياسية داخل تلك الدول، أم أنها تعمل على التأثير في اتجاهاتها، مستفيدة من الانقسامات الاجتماعية وصعود التيارات اليمينية؟

🔴 أوروبا التي تزعج نتنياهو

لفهم أبعاد التصريح، لا بد من النظر إلى التحولات التي شهدتها العلاقة بين إسرائيل وعدد من العواصم الأوروبية.

فالحرب على غزة لم تترك الخلاف محصوراً في المواقف الدبلوماسية التقليدية، بل نقلته إلى الشارع والجامعات والبرلمانات، ووضعت حكومات أوروبية أمام ضغوط متزايدة بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ووقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وهذه التحولات لا تخدم بالضرورة حكومة نتنياهو، خصوصاً عندما تتحول المواقف الأوروبية إلى إجراءات سياسية أو اقتصادية يمكن أن تؤثر في المصالح الإسرائيلية.

من هنا، تصبح طبيعة الحكومات الأوروبية المقبلة مسألة تتجاوز بالنسبة إلى إسرائيل العلاقات الدبلوماسية، لتلامس مصالحها الاستراتيجية المباشرة.

فحكومة أوروبية تنتقد الاستيطان وتطالب بمحاسبة إسرائيل ليست كحكومة تعتبر التحالف معها جزءاً من معركتها السياسية والأمنية.

🔍 هل يمكن أن تكون إسرائيل اليد الخفية؟

السؤال لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تصنع الاحتجاجات أو تقف وراء كل اضطراب تشهده دولة أوروبية. فالاحتجاجات غالباً ما تنطلق من أزمات داخلية حقيقية تتعلق بالاقتصاد والبطالة والهجرة وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية.

لكن السياسة الدولية لا تقوم دائماً على صناعة الأحداث من الصفر؛ فقد يكون التأثير الأكثر فاعلية في استثمار حدث قائم، وتوجيه النقاش حوله، وتضخيم بعض جوانبه بما يخدم مصالح طرف خارجي.

وهنا يمكن طرح فرضية تستحق البحث: هل تستفيد إسرائيل من بعض التحركات الأوروبية لتغذية المناخ السياسي الذي يضعف الحكومات المنتقدة لها، أو يعزز القوى الأكثر استعداداً للتحالف معها؟

هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى أدلة مباشرة لإثبات أي تدخل في تحركات بعينها، لكنها ليست منفصلة عن واقع العلاقات السياسية القائمة بين إسرائيل وبعض التيارات الأوروبية.

⚖️ اليمين الأوروبي… تقاطع مصالح أم تحالف سياسي؟

لم تعد العلاقة بين إسرائيل وأحزاب اليمين الأوروبي مجرد تقارب ظرفي.

فقد شهدت السنوات الماضية انفتاحاً إسرائيلياً متزايداً على قوى قومية ويمينية تتبنى مواقف متشددة تجاه الهجرة والإسلام السياسي، وتنظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفاً في معركة أمنية وحضارية مشتركة.

بالنسبة إلى نتنياهو، يمكن أن يشكّل صعود هذه القوى فرصة سياسية مهمة.

فكلما ازدادت قوة الأحزاب المتعاطفة مع إسرائيل داخل المؤسسات الأوروبية، تراجعت فرص الوصول إلى موقف أوروبي موحد قادر على ممارسة ضغوط جدية عليها.

وهذا لا يعني أن تلك الأحزاب تعمل بتعليمات إسرائيلية، لكنه يكشف عن تقاطع مصالح قد يدفع الطرفين إلى دعم مواقف بعضهما بعضاً.

هل تسعى إسرائيل إلى التعامل مع أوروبا كما هي، أم إلى المساهمة في تشكيل أوروبا سياسية جديدة تكون أكثر انسجاماً مع توجهاتها؟

🇫🇷 فرنسا نموذجاً… من يستفيد من اهتزاز الداخل؟


تكتسب التطورات الفرنسية أهمية خاصة في هذا السياق، خصوصاً بعد اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية عام 2025، وما رافق ذلك من تباينات سياسية مع الحكومة الإسرائيلية.

وتشهد فرنسا منذ سنوات توترات اجتماعية وسياسية متكررة، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية وملفات الهجرة والأمن والهوية مع الصراع بين القوى الحزبية.

وفي ظل هذه الأجواء، يمكن لأي اضطراب داخلي أن يتحول إلى مادة للاستثمار السياسي والإعلامي، سواء من جانب القوى المحلية أو الأطراف الخارجية التي تجد مصلحة في تغيير توجهات الحكم الفرنسي.

لكن لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن إسرائيل تقف وراء اندلاع هذه التحركات، ومن الضروري التمييز بين نشأة الاحتجاجات لأسباب داخلية وبين احتمال استثمار أطراف خارجية لها إعلامياً وسياسياً.

فليس ضرورياً أن تكون جهة ما قد أشعلت الحريق حتى تستفيد من نتائجه، أو تسعى إلى توجيه الرأي العام بشأن أسبابه والمسؤولين عنه.

🌍 المعركة الحقيقية قد لا تكون في الشارع بل في الرأي العام

إذا كانت الحروب التقليدية تعتمد على السيطرة العسكرية، فإن معارك النفوذ الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على السيطرة على الرواية السياسية.

لم يعد ضرورياً إسقاط حكومة بالقوة لتغيير سياساتها الخارجية؛ فقد يكفي إضعاف شعبيتها، أو تعزيز خصومها، أو تحويل اهتمام الناخبين من قضية دولية إلى أزمة داخلية أكثر إلحاحاً.

وتملك إسرائيل مؤسسات دبلوماسية وإعلامية وقدرات تقنية متقدمة تتيح لها الدفاع عن مصالحها والتأثير في النقاش الدولي، شأنها شأن دول أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها.

والسؤال المطروح ليس عن وجود هذه الأدوات، بل عن حدود استخدامها، وما إذا كانت بعض الحملات السياسية والإعلامية تتجاوز الدفاع عن الموقف الإسرائيلي إلى محاولة التأثير في موازين القوى داخل المجتمعات الأوروبية.

فحين تصبح الهجرة والأمن والهوية القضايا الطاغية على المشهد الأوروبي، قد تتراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبة ثانوية في حسابات بعض الناخبين والحكومات.

وهذا بحد ذاته مكسب سياسي لحكومة تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب سياساتها تجاه الفلسطينيين.

🎯 ماذا أراد نتنياهو أن يقول للعرب والأوروبيين؟

يمكن قراءة كلام نتنياهو على مستويين.

الأول عربي، إذ يحاول تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية فقدت أولويتها لدى عدد من الحكومات العربية، في رسالة هدفها إظهار إسرائيل وكأنها تجاوزت مرحلة العزلة الإقليمية.

أما المستوى الثاني فهو أوروبي، وفيه تبدو رسالة نتنياهو أكثر حساسية: المشكلة، وفق تصويره، لم تعد في المنطقة العربية بقدر ما أصبحت في بعض العواصم الأوروبية وتركيبتها السياسية.

وإذا كانت هذه هي قراءته الفعلية للمشهد، فمن الطبيعي التساؤل عما إذا كان تغيير التوازنات السياسية الأوروبية قد أصبح هدفاً استراتيجياً لحكومته.

لكن يبقى الفارق قائماً بين الرغبة في حدوث تغيير سياسي وبين التدخل الفعلي لإحداثه.

✍️ الخلاصة: هل قال نتنياهو أكثر مما كان يريد؟

ربما لم يكشف نتنياهو سراً استخباراتياً، ولم يعترف بإدارة تحركات داخل أوروبا، لكنه قدّم من خلال حديثه مؤشراً مهماً إلى الطريقة التي ينظر بها إلى خريطة المصالح الدولية.

فإذا كانت المواقف العربية، وفق روايته، قابلة للاحتواء خلف الأبواب المغلقة، بينما تشكّل بعض الحكومات الأوروبية مصدر الإزعاج الحقيقي، فإن مستقبل التوازن السياسي الأوروبي يصبح جزءاً أساسياً من الحسابات الإسرائيلية.

وهنا لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كانت إسرائيل تتدخل مباشرة في اضطرابات أوروبا، بل يتسع ليشمل طبيعة علاقاتها بالقوى السياسية الصاعدة، وحجم تأثيرها في الخطاب الإعلامي، ومدى استفادتها من الأزمات التي تضرب الحكومات غير المنسجمة مع سياساتها.

قد لا تكون إسرائيل اليد التي تحرّك كل اضطراب أوروبي، لكن من الخطأ أيضاً استبعاد احتمال سعيها إلى توظيف بعض هذه الاضطرابات لمصلحتها.

وبين صناعة الحدث واستثماره مساحة واسعة تتحرك فيها أجهزة النفوذ والدبلوماسية والإعلام.

أما الحقيقة التي تستحق التحقيق، فهي ليست فقط من ينزل إلى الشارع الأوروبي، بل من يحاول توجيه نتائج ما يحدث في ذلك الشارع، ومن يربح سياسياً عندما تتغير موازين القوى في العواصم الأوروبية.


ففي السياسة الدولية، لا تحتاج اليد الخفية دائماً إلى تحريك الشارع؛ أحياناً يكفيها أن تعرف كيف تستثمر اتجاه حركته.

رشيد الخطيب – رئيس تحرير موقع Tvrlb

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى