*من العَهدِ إلى الأُسطورة: نقدُ المفاهيمِ المؤسسةِ في السردية التوراتية. ..*

*من العَهدِ إلى الأُسطورة: نقدُ المفاهيمِ المؤسِّسةِ في السرديَّة التوراتيَّة ..*
*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

قبل الخوض في سرد قصص اليهود: أنبيائهم وملوكهم، نشأتهم التاريخية، أساطيرهم المؤسِّسة، السبي وما بعد السبي – لا بدّ من التوقّف عند البنية اللاهوتية والفكرية التي تشكّل الإطار المرجعي للرواية التوراتية ذاتها. فهذه القصصُ لا تُروى بوصفها وقائع تاريخية محايدة، بل كذاكرةٍ دينيةٍ مشحونةٍ بالمعنى، تُعيد تفسير الماضي من منظور العهد والاختيار والوعد.
إنَّ التوراة، بوصفها نصاً مقدّساً لدى جماعةٍ بعينها، لا تقدّم نفسها سجلاً للأحداث، بل خطاباً لاهوتياً يحدّد مَن هو الإله، ومَن هو الشعب، وما هي الأرض، ومَن يمتلك الشرعية الأخلاقية والتاريخية. ومن هنا، فإنَّ أيَّ قراءةٍ نقديةٍ لتاريخ بني إسرائيل لا يمكن أن تنفصل عن مساءلة المفاهيم المؤسِّسة التي يحملها النصُّ، وفي مقدمتها: قانونيةُ الأسفار، طبيعةُ التوحيد، وفكرةُ الشعب المختار والأرضُ الموعودة.
تسعى هذه الدراسةُ إلى تفكيك هذه المفاهيم لفهم الإيمان في سياقه التاريخي والثقافي، والكشف عن المسافة الفاصلة بين النصِّ كخطابٍ لاهوتي، وبين الادعاء بامتلاكه حقيقةً أخلاقيةً كونيةً مطلقة. فالسؤال ليس: ماذا تقول التوراة؟ بل: كيف ولماذا قالت ما قالت؟ وما هي المخاطر التي تترتّب على قراءتها قراءةً حرفيةً في عالمنا المعاصر؟
أولًا – الفرقُ بين النصِّ الماسورتي والسبعينية:
أ- التوراةُ التي يعتمدها اليهود اليوم مكتوبة بالعبرية الكلاسيكية، وتُعرف باسم «النص الماسورتي». وهو نتاجُ تراكمٍ وتثبيتٍ لتقليدٍ نصّي عبري قديم، جرى الاستقرار عليه بوصفه النص المعتمد في العصور الإسلامية المبكرة (ما بين القرنين السابع والعاشر الميلادي)، على يد علماء يهود عُرفوا باسم «الماسوريين». وقد قام هؤلاء بضبط النص بالحركات والنقاط والهوامش، اعتماداً على التقليد الشفهي، ولا سيما في ما يتصل بنطق الكلمات وقراءتها الصحيحة، وذلك في سياق السعي إلى توحيد النص بعد تشتّت اليهود، وضياع أو تراجع تداول تقاليد نصيَّة عبرية أخرى.
ب- أمّا السبعينية فهي ترجمةٌ يونانية قديمة للنصوص العبرية، أُنجزت أساساً لليهود في الشتات، ولا سيما في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، اعتماداً على نصوصٍ عبرية كانت متداولةً آنذاك، يختلف بعضها في الصياغة والمضمون عن النص الماسورتي اللاحق. ولا تقتصر «السبعينية» على أسفار موسى الخمسة، بل تضم مجموعةً أوسع من الأسفار، منها أسفار إضافية مثل يهوذيت والمكابيين، غير الموجودة في النسخة العبرية المعتمدة اليوم.
وقد شكّلت «السبعينيةّ» الأساسَ النصّي الذي تبنّته المسيحيةُ المبكرة، حيث أُعيد إدراج النصوص العبرية ضمن إطار لاهوتي جديد، وأُطلق عليها لاحقاً اسم «العهد القديم» في مقابل «العهد الجديد»، كما شاع توصيفها ضمن مفهوم «الكتاب المقدس»، وهو اصطلاحٌ مسيحيُ الأصل يعكس تصوراً لوحدة النص وقداسته الشاملة.
وبهذا المعنى، تكشف التجربةُ التاريخيةُ أنَّ الهيمنة الرمزية التي مارستها المسيحيةُ على النص التوراتي لم تكن فِعل مصادرةٍ محض، بل كانت في الوقت نفسه شرطاً من شروط حفظ النص وانتشاره. فالسلطةُ التي أعادت تأويل النص وامتلاكه، هي ذاتها التي نقلته خارج حدوده الجماعية الضيقة، وكرّسته ضمن أفقٍ كوني، ولو بثمنٍ تأويلي ولاهوتي باهظ.
ثانياً – هل التوحيدُ اليهوديُ توحيدٌ خالص؟
كثيراً ما توصف اليهوديةُ في الأدبيات الدينية والشعبية، بأنها ديانةٌ «سماوية» و«توحيدية»، وأنها مع المسيحية والاسلام، تنتمي الى جدٍّ واحدٍ هو ابراهيم (ومن هنا أتت تسميةُ الديانات الإبراهيمية)، وأنها تعتمد على كتابٍ موحى به من الله، تلقى «موسى» تشريعاته على جبل صحراء سيناء بعد الخروج من مصر، واثناء فترة التيه التي استمرت أربعين سنة.
أ – الفرقُ بين التوحيد اليهودي والتوحيد القرآني:
هل التوحيدُ اليهودي هو توحيدٌ خالص؟ الجوابُ بالنفي. لأنَّ التوراة تُقدِّم مفهوماً لافتاً يُعرف بالتوحيد الإخلاصي، او التوحيد الولائي، وهو الاعترافُ بوجودِ آلهةٍ أخرى تُعبَدُ من قِبَل الأمم، مع مطالبةِ الربِّ لبني إسرائيل بعبادته وحده دون سواه. فهذه النصوصُ لا تنفي وجودَ آلهةٍ أخرى، لكنها تؤكد أنَّ عبادة غير الرب (يهوه) تُعدُّ خيانةً للعهد الإلهي، لذلك يحظر على بني إسرائيل عبادتها، فالربٌ إلهٌ غيورٌ يطالب بولاءٍ حصري.
وهذا يتجلى في وصايا موسى العشر: «أنا الربُّ إلهك الذي أخرجكَ من أرض مصر، من بيت العبودية. لا يكن لكَ آلهةٌ أخرى أمامي» (خروج 20:2–3). ويضيف: «مَن ذبح لآلهةٍ غير الرب وحده، يُهلك» (خروج 22:20). ويتكرر هذا التحذيرُ: «لا تسجد لإلهٍ آخر، لأنَّ الربَّ اسمه غيور. إلهٌ غيورٌ هو» (خروج 34:14). ويشدد سفرُ التثنية: «الربُّ إلهكَ تتَّقي، وإياه تعبد، وباسمه تحلف. لا تسيروا وراء آلهةٍ أخرى من آلهةِ الأمم الذين حولكم، لأنَّ الربَّ إلهكَ إلهٌ غيورٌ في وسطك، لئلا يحمى غضبُ الربِّ إلهكَ عليكَ، فيبيدكَ عن وجه الأرض» (تثنية 6:13–14). وفي ختام حياته، يوصي يشوع الشعب قائلاً: «انزعوا الآلهةَ التي عبدها آباؤكم في عبر النهر وفي مصر، واعبدوا الرب» (يشوع 24:14)
تشيرُ هذه النصوصُ بوضوحٍ إلى أنَّ الربَّ «يهوه» طلب «ولاءً حصريَّاً»، ورأى في عبادةِ أيِّ إلهٍ آخر غيره، خرقاً للعهد ومثاراً لغضبه. وهكذا يتجلى التوحيدُ في التوراة ليس بصفته نفياً للآلهة الأخرى، بل كميثاقٍ أخلاقي يقتضي الإخلاصُ الكامل دون شريك.)
ب – هل «يهوه» إلهٌ كونيّ أم إلهٌ محلِّيّ؟
يزداد الإشكالُ تعقيداً حين نلاحظ أنَّ التوراة لا تقدِّم صورةً واحدةً متجانسةً للإله. فنجد إلهاً كونياً خالقاً للسماء والأرض والنور والظلمة والانسان والحيوان في سفر التكوين الأول، وإلهاً قَبَلِّياً يرافق عائلةً واحدةً في التكوين الثاني عشر، وإلهاً محارباً يأمر بإبادةِ شعوبٍ بأكملها في يشوع، ثم إلهاً أبويَّاً حنوناً في نصوص الأنبياء.
هذا التعددُ الذي يعكس تطوّر الوعي الديني البشري في فهم جوهر الإله، لا تفسير له إلا بوجود مصادر متعددة للتوراة (اليهوية، الإلوهيمية، الكهنوتية، التثنوية)، كُتبت في عصور مختلفة، وحملت تصوراتٍ مختلفةً عن الإله والعهد والأرض.
الخلاصة: «يهوه» في بعض النصوص إلهُ شعبٍ خاص، له مشروعٌ قومي، أكثر منه إلهاً أخلاقياً عالمياً لكل البشر. ونصوصُ التوراة تركّز على رفضِ عبادةِ آلهةٍ أخرى باعتبارها مُحرّمة على بني إسرائيل، ولكنها لا تنفي وجودها في معتقدات شعوبٍ أخرى. ويُطلق على هذه النظرة أحياناً اسم: «التوحيد الإخلاصي» أو «التوحيد الحصري»، وذلك بخلاف التوحيد الفلسفي المطلق أو التوحيد القرآني: «قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ ٱلصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌ» (سورة الإخلاص) و «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَنُ ٱلرَّحِيمُ» (البقرة: 163). هاتان الآيتان تُعبّران عن جوهر التوحيد في الاسلام: أنَّ الله واحدٌ في ذاته، لا شريك له، لا مثيل له، ولا يحتاج إلى أحد.
ثالثاً – أسطورةُ «الشعب المختار» و«الأرض الموعودة»

تشغل فكرةُ «الشعب المختار» و«الأرض الموعودة» موقعاً مركزياً في اللاهوت التوراتي، إذ تُقدَّم بوصفها وعداً إلهيًا أُبرم مع إبراهيم ونسله، ويقضي بمنحهم أرض كنعان ميراثاً أبدياً. وتستند هذه الفكرةُ إلى نصوصٍ متعددةٍ في أسفار التكوين والخروج والتثنية: «في ذلك اليوم قطع الربُّ مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الارض، من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات .. وأقيم عهدي بيني وبينك ونسلك من بعدك في أجيالهم عهداً ابدياً، لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك. وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غُربتك، كل أرض كنعان مُلكاً أبدياً، وأكون إلاههم» (تكوين 15: 18-21 و 17: 7-8).
إنَّ «وعد الأرض» وفكرة «الشعب المختار» في التوراة، يعكسان لاهوتاً قوميَّاً نشأ في سياقٍ تاريخي محدد، وسعى إلى تفسير الماضي وتبرير الحاضر وبناء هُويَّةٍ للمستقبل. لكنه لاهوتٌ يثير إشكالاتٍ أخلاقيةً عميقةً إذا قُرئ قراءةً حرفيةً، لأنه يبرر العنف باسم الإله، ويُضفي قداسةً على الإقصاء.
أ – الوعدُ بلا استحقاقٍ .. منطقُ العهد لا منطق الأخلاق:
لا تقول التوراةُ إنَّ بني إسرائيل ورثوا الأرض لبِرِّهم أو لاستقامتهم، بل تؤكد صراحةً العكس: «اعلم أنَّ الربَّ إلهك لا يعطيك هذه الأرض الجيدة من أجل بِرِّكَ … لأنك شعب قاسي الرقبة» (تثنية 9:6)، و «ليس من أجل بِرِّكَ… بل من أجل شرِّ هذه الأمم يطردهم الرب» (تثنية 9:5).
وبذلك يُبنى منطقُ الوعد على نفي الاستحقاق الأخلاقي، واستبداله بعهدٍ سابقٍ غير قابل للنقض. فالأرضُ لا تُعطى كمكافأةٍ على صلاحهم، بل تُنتزع من شعوبٍ أخرى يُصوّرها السردُ التوراتي على أنها فاسدةٌ أخلاقياً، وكأنَّ الفساد يبرر نزعَ الأرضِ وإبادتها.
لكنَّ هذا المنطق لا يحلُّ الإشكال، بل يعمّقه: فإذا كان بنو إسرائيل أنفسهم قد ارتكبوا الخطايا – من القتل والخيانة وعبادة الأوثان، حتى في أزمنةٍ يُفترضُ أنها ذروةُ المجد الديني والسياسي، كعهد سليمان الذي عبد آلهة زوجاته الأجنبيات – فبأيِّ معيار يُبرَّر الطردُ الجماعي لشعوب كاملة؟ وهل يُواجه الشرُّ بشرٍ آخر؟ أم أنَّ السرد يعكس رؤيةً قوميةً ترى العالمَ من ثنائية «نحن» و«هم»؟
الحقيقة لا جواب، إلا بأنَّ سردية “الشعب المختار” و “الارض الموعودة”، مجرد رؤيةٍ بشريةٍ قُدّمت في زمنٍ مأزومٍ على أنها كلام إلهي.
ب – السردُ من الداخل .. لاهوتٌ مكتوبٌ بوعي جماعي:
تُكتبُ هذه النصوصُ من داخل الوعي الإسرائيلي القديم الذي تشكّل في ظل صراعاتٍ سياسيةٍ وثقافية، لا بوصفها تاريخاً محايداً، بل كذاكرةٍ دينيةٍ جماعية تبحث عن معنى، وهُويَّةٍ، وشرعيةٍ للوجود على الأرض. فالتوراة لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تُقدِّسها، وتضفي عليها طابعاً إلهياً، مُحوِّلةً الغزو والاستيطان إلى تنفيذٍ لإرادة سماوية.
ومن هنا، يرى كثيرٌ من باحثي النقد التوراتي أنَّ نصوص الوعد بالأرض قد تمَّت صياغتها بعد السبي البابلي، حين كانت الجماعةُ في أمسِّ الحاجة إلى سرديةٍ تعيدُ بناء الهُويَّة، وتمنح معنى للنجاة بعد الكارثة، والاستمرار في وجه الفناء.
ج – بين الأسطورة والواقع .. قراءةٌ أخلاقيةٌ معاصرة:
في ضوء الوعي الأخلاقي الحديث، يصعب الدفاع عن فكرةِ أنَّ الأرض تُمنَح لشعبٍ ما بقرارٍ إلهي على حساب شعوب أخرى. فالحقُّ في الأرض، وفق المنظور الإنساني المعاصر، لا يقوم على «الاختيار الإلهي»، بل على الوجود الإنساني المشترك والعدالة المتساوية. ولهذا السبب، أعاد كثيرٌ من اللاهوتيين المعاصرين – يهوداً ومسيحيين – قراءةَ هذه النصوص قراءةً رمزيةً، معتبرين أنَّ «الأرض» ليست وعداً جغرافياً حرفياً، بل رمزاً للهُوية أو العلاقة مع الله.
الخاتمة:
في ضوء ما تقدّم، يتبيّن أنَّ مفاهيم «التوحيد»، و«الأرض الموعودة»، و «شعب الله المختار» ليست معطياتٍ ثابتةً فوق التاريخ، بل هي بنياتٌ لاهوتية تشكّلت داخل سياقاتٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ محدّدة. وقد جرى لاحقاً إضفاءُ طابع القداسة عليها، فانتقلت من كونها سردياتٍ تفسيريةً للوجود، إلى أدواتٍ لتبرير الامتياز والإقصاء والعنف.
إنَّ قراءة هذه النصوص اليوم لا يمكن أن تكون قراءةً بريئة، بل قراءة واعية تُميّز بين الإيمان بوصفه تجربةً روحيةً، والأسطورة بوصفها خطاباً تأسيسياً للهُوية. وبهذا المعنى، فإنَّ أسطورة «الشعب المختار» لا تكشف عن حقيقةٍ إلهيةٍ مطلقة، بقدر ما تكشف عن صراع الإنسان القديم لفهم ذاته، وتاريخه، وإلهه، صراعٌ ما زالت انعكاساته السلبية حاضرةً حتى اليوم.
(الجزء الاول من دراسةٍ أطول تعمل الدكتورة هلا رشيد أمون على كتابتها منذ وقت طويل بغية نشرها في كتاب)



