*النبوءات في السردية التوراتية: بين التأويل اللاهوتي وبناء الهُوية التاريخية* (الجزء الرابع عشر).

*بقلم أ. د. هلا رشيد أمون*
النبوءاتُ التوراتيةُ ليست مجرد نصوصٍ دينيةٍ تتنبأ بالمستقبل، بل تمثل منظومةً فكريةً مركَّبةً تتداخل فيها العقيدةُ بالتاريخ، والدينُ بالسياسة، والنصُّ بالتأويل، والواقعي بالمتخيَّل. ومن هنا، فإنَّ دراستها تتطلب مقاربةً نقديةً تأخذ بعين الاعتبار سياقها التاريخي، ووظيفتها الخطابية، واحتمالاتِ إعادة صياغتها عبر الزمن.
وقد أدَّت النبوءاتُ دوراً محورياً في تشكيل الهُويَّة الجماعية لليهود، إذ ساهمت في تفسير الهزائم، مثل السبي، باعتبارها عقاباً إلهياً على عدم الطاعة، وفي تحويل الأزمات إلى جزءٍ من خطةٍ إلهيةٍ أكبر، وهو ما أسهم في منح الجماعة قدرةً على الاستمرار رغم الانكسار.
*أولاً: النبوءات في التوراة: تعريفها، أنواعها، وإشكالياتها*

قبل عرض أبرز النبوءات التي تُعدُّ أحد الأعمدة الأساسية في النص التوراتي، وقبل تحليل مضامينها واشكالياتها ووظيفتها في تفسير التاريخ، وتبرير الواقع السياسي والاجتماعي، لا بدَّ من التوقف عند بعض التعريفات لفهم طبيعة هذه النبوءات وتحديد وظيفتها داخل السياق التوراتي.
1- دورُ النبيّ
النبيُّ في السياق التوراتي هو ناقلٌ لكلام الإله، كما يظهر في النص: «أُقيم لهم نبيَّاً من وسط إخوتهم .. وأجعلُ كلامي في فمه» (تثنية 18: 18). وكذلك: «ومدَّ الربُّ يدَه ولمس فمي، وقال الربُّ لي ها قد جعلتُ كلامي في فمك» (إرميا 1: 9).
والنبوءةُ ليست رأياً بل إنذاراً وتحذيراً إلهياً يشبه في قوته «زئير الأسد» (وهي التسميةُ التي أُطلقت على الحرب الإسرائيلية الحالية ضد إيران). وقد ورد في سفر عاموس: «الأسدُ يزأر فمَن لا يخاف؟ السيدُ الربُّ يتكلم، فمَن لا يتنبأ؟»(عاموس 3: 8)، وكذلك
«يسيرون وراء الربِّ … يزأر كأسدٍ» (هوشع 11: 10). لذلك، هناك عقوبةٌ للنبي الذي يقدِّم رأيه الخاص على أنه كلام الله: «وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصِه أن يتكلم به … فيموت ذلك النبي» (تثنية 18: 20).
ويكشف هذا التعريفُ أنَّ «النبوءة» هي في جوهرها خطابٌ إلهي موجَّه للحاضر، لا مجرد استشرافٍ للمستقبل كما هو شائعٌ في التصورات الحديثة. بل إنَّ وظيفة النبيّ قد تتجاوز نقل الكلام الى الهدم والبناء والاصلاح: «قد وكَّلتكَ هذا اليوم على الشعوب والممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس» (إرميا 1: 10)
وبذلك، فإنَّ النبوءة تمثِّل أساساً خطاباً للحاضر بمرجعيةٍ إلهية، وإن كانت تتضمن أحياناً إشاراتٍ إلى المستقبل.
2- أصنافُ النبوءات
يمكن تصنيفُ النبوءات التوراتية إلى عدة أنواع رئيسية: نبوءاتٌ عقابيةٌ تحذر من الدمار نتيجة العصيان، ونبوءاتُ خلاصٍ تَعِدُ بالنجاة والعودة، ونبوءاتٌ سياسيةٌ تتعلق بسقوط الممالك وصعودها، ونبوءاتٌ ميسيانيةٌ تتحدث عن مجيء ملكٍ عادلٍ في المستقبل، إضافةً إلى نبوءاتٍ مشروطةٍ يرتبط تحققها بسلوك الجماعة. هذا التنوع يوضح أنَّ النبوءة ليست خطاباً بسيطاً، بل منظومةً فكريةً معقدةً تتفاعل مع الواقع التاريخي.
3- إشكالياتُ النبوءات
تطرح النبوءاتُ إشكالياتٍ نقديةً عميقة، من أبرزها مسألةُ النبوءة بعد وقوع الحدث، أي احتمال أن تكون بعض النصوص قد كُتبت أو صيغت بعد وقوع الأحداث التي تصفها، ثم قُدِّمت بوصفها نبوءاتٍ سابقة. وتزداد قوةُ هذه الإشكالية عندما يظهر تطابقٌ لافتٌ بين النص والحدث التاريخي، ممَّا يثير تساؤلاتٍ حول زمنِ كتابةِ النص ووظيفته.
كما تبرز إشكاليةُ العلاقة بين النبوءة والسلطة، إذ يظهر الأنبياءُ أحياناً كمعارضين للسلطة السياسية والدينية، ينتقدون الفساد والانحراف، لكنهم في أحيانٍ أخرى يساهمون في ترسيخ رؤيةٍ دينيةٍ تبرِّر الواقع أو تعيد تفسيره بما يخدم استمراريةَ الجماعة. ومن هنا، يمكن النظر إلى النبوءة بوصفها أداةً مزدوجةً: نقديةً من جهة، وتبريريةً من جهة أخرى.
*ثانياً: نبوءةُ إبراهيم: العهدُ والوعدُ بالأرض*
ينتمي إبراهيم، وفق التقليد الديني، إلى زمن الآباء المؤسِّسين في حدود القرن الثامن عشر قبل الميلاد، غير أنَّ شخصيته لا تستند إلى أدلةٍ تاريخيةٍ مستقلةٍ مؤكدة، ما يجعله أقرب إلى شخصيةٍ مؤسِّسةٍ في الذاكرة الدينية.
وتُعَدُّ نبوءةُ العهد مع إبراهيم من أقدم وأهمِّ النبوءات، لأنها تجمع بين وعد الأرض لنسل إبراهيم، والتنبؤ بالعبودية، ثم الخلاص، ولذلك فهي تشكِّل الأساسَ الفكري لفكرة «الأرض الموعودة» والتاريخ المُقدَّر مسبقاً.
وقد ورد في سفر التكوين: «لنسلك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (تكوين 15: 18)، وكذلك: «وأُعطي لكَ ولنسلك من بعدك أرضَ كنعان مُلكاً أبدياً».
وهناك نصوصٌ أخرى وردت في سفر التكوين، تتحدث عن الغربة والعبودية والاذلال: «اعلم يقيناً أنَّ نسلك سيكون غريباً في أرضٍ ليست لهم، ويُستعبدون لهم ويذلِّونهم أربعَ مئةِ سنة» (تكوين 15: 13)، ثم تليها نصوصٌ تشير الى العقاب والخروج والتعويض: «ثمَّ الأُمَّة التي يُستعبدون لها، أنا أُدينها، وبعد ذلك يخرجون بأموالٍ جزيلة» (تكوين 15: 14).
هذه النصوصُ تفتح الباب أمام قراءةٍ نقديةٍ ترى أنها ليست مجرد نبوءاتٍ عابرة، بل هي نموذجٌ سرديّ كامل، يُستخدم لتفسير قصة موسى، والخروج من مصر، والعودة إلى كنعان.
فهي لا تقتصر على التنبؤ بحدثٍ مستقبلي، بل تؤسس نموذجاً تفسيرياً كاملاً للتاريخ، حيث تُقدَّم الغربةُ والعبوديةُ بوصفهما جزءاً من خطةٍ إلهيةٍ مُسبقةٍ، وهو ما يمنح المعاناةَ معنى، ويحوِّل الخروجَ من مجرد حدثٍ تاريخي إلى تحقيقٍ لوعدٍ قديم.
وهذه القراءةُ لا تفترض بالضرورة ثبوتَ الأحداث تاريخياً كما وردت في النصوص، طالما أنه لا يتوافر حتى الآن دليلٌ تاريخي قاطع يؤكد الروايةَ التوراتية للعبودية في مصر بصيغتها الكاملة، بل تنظر إلى النبوءة بوصفها أداةً لإضفاء المعنى على تجربة الألم والمعاناة الجماعية سواءً أكانت واقعةَ تاريخيةً أو ذاكرةً جماعيةً، أُعيدَ صياغتها وتشكيلها ضمن سرديةٍ تاريخية – دينية كبرى، بهدف بناء معنى للتاريخ والهُويَّة، وتحويلها إلى جزءٍ من خطةٍ إلهيةٍ ذات معنى مفاده: “نحن لم نُعانِ عبثاً، بل لأنَّ الله أراد ذلك، ثم أنقذنا».
ثم أننا نجد أنَّ الفارق الزمني يمتدُّ قروناً طويلةً بين زمن إبراهيم المفترض (حوالي 1800- 1900 ق.م) وبين الأحداث التي يُنظر إليها كتحقُّقٍ لنبوءة الوعد، مثل دخول بني إسرائيل إلى كنعان (حوالي 1200–1300 ق.م) وقيام المملكة في زمن داود وسليمان (حوالي 1000 ق.م).
وهنا تظهر إشكاليةٌ تتمحور حول سؤالٍ مركزي عن طبيعة العلاقة بين التاريخ والنبوءة: فهل «النبوءةُ» مرآةٌ للتاريخ، أم أداةٌ لإعادةِ كتابته؟ وهل هي استباقٌ للمستقبل، أم إعادةُ بناءٍ للماضي؟ بعبارةٍ أخرى: هل يقع الحدثُ التاريخي أولاً، ثم يُعاد تفسيره وكتابته في صورةِ نبوءةٍ؟
وعند فحص تحقُّق نبوءة الارض الموعودة، يتبين أنَّ الامتداد الجغرافي المذكور، من نهر مصر إلى الفرات، لم يتحقق تاريخياً كسيطرةٍ فعليةٍ مستقرة، حتى في أقصى فترات القوة السياسية وفق السردية التوراتية، حيث كان النفوذ أقرب إلى تبعيةٍ سياسيةٍ منه إلى سيطرة مباشرة. كما أنَّ فكرة «المُلك الأبدي» – أو ما يُعرف بالعهد الإبراهيمي – تصطدم بوقائع لاحقةٍ عاشها بنو اسرائيل، كالسبي وفقدان الأرض والتشتت.
هذه المعطياتُ تفتح المجال لافتراضِ أنَّ النصَّ قد يكون قد تبلور في سياقاتٍ لاحقةٍ هدفت إلى إضفاءِ شرعيةٍ على العلاقة بالأرض. وبهذا المعنى، تؤدي هذه النبوءةُ وظيفةً تأسيسيةً عميقة، إذ لا تفسر حدثاً بعينه، بل تبني هُويَّةً جماعيةً، وتربط الأرض بالعقيدة، وتمنح الجغرافيا بُعداً مقدساً قابلاً لإعادة التوظيف عبر العصور.
*ثالثاً: نبوءاتُ البركة واللعنة*
في سفر التثنية، نجد نموذجاً واضحاً للنبوءة المشروطة، حيث تقوم على ثنائية الطاعة والعقاب: «إن سمعتَ صوت الربِّ إلهك … يجعلك الربُّ إلهك مستعلياً على جميع قبائل الأرض» (تثنية 28: 1)، وفي المقابل: «يسوقك الربُّ وملكك … إلى أمةٍ لم تعرفها … وتكون دهشاً ومثلاً وهُزأة» (تثنية 28: 36–37)، بل يصل الأمر إلى التشتت الكامل: «ويبدِّدك الربُّ في جميع الشعوب من أقصى الأرض إلى أقصاها» (تثنية 28: 64).
تقدِّم هذه النصوصُ تفسيراً لاهوتياً للهزائم التاريخية، مثل السبي والتشتت، من خلال ربطها بسلوك الجماعة، بحيث تصبح الهزيمةُ نتيجةً للعصيان، لا مجرد حدثٍ سياسي.
وتكمن أهميةُ هذه النبوءات في أنها لا تتحدث عن حدثٍ محدَّد بقدر ما تؤسس قانوناً تفسيرياً عاماً للتاريخ، بحيث تصبح جميع التحولات السياسية – من ازدهار أو سقوط – قابلةً للتفسير ضمن هذا الإطار الثنائي. فالهزيمةُ او الانتصارُ في الحروب لا تُفهم بوصفها نتيجةَ توازناتٍ سياسيةٍ أو عسكرية، بل بوصفها نتيجةً مباشرةً للعصيان الديني أو للطاعة.
وتطرح هذه النبوءاتُ إشكاليةً جوهريةً، إذ إنها تتميز بدرجةٍ عاليةٍ من العمومية والمرونة، تجعلها قابلةً للتطبيق على فتراتٍ تاريخيةٍ متعددة. ففكرةُ التشتت والعقاب يمكن إسقاطها على أكثر من حدث، وهو ما يعزز احتمال أن تكون هذه النصوص قد اكتسبت صيغتها النهائية في سياقاتٍ لاحقةٍ أثناء فترة التدوين، خاصةً في ظل الحاجة إلى تفسير الكوارث الكبرى، مثل السبي.
وبهذا المعنى، لا تعمل هذه النبوءاتُ أساساً بوصفها تنبؤاً بحدث مستقبلي محدد، بل بوصفها إطاراً تفسيرياً ثابتاً يُعاد من خلاله قراءةُ التاريخ، ممَّا يمنحها قوةً استمراريةً وتأثيراً عميقاً في تشكيل الوعي الجماعي.
*رابعاً: نبوءاتُ السبي والعودة وسقوط الممالك*

تردُ هذه النبوءاتُ في كتب الأنبياء، مثل سفر إرميا وسفر أشعياء، حيث يرد في إرميا: «وتكون كلُّ هذه الأرض خراباً ودهشاً وتخدم هذه الأممُ ملكَ بابل سبعين سنة … وعند تمام سبعين سنة أعاقبُ ملكَ بابل وأردُّ شعبي» (إرميا 25: 11).
وتُنسب هذه النبوءةُ إلى النبي إرميا، الذي عاش في أواخر القرن السابع وبداية السادس قبل الميلاد – وفق الرواية التوراتية – أي في الفترة التي سبقت السبي البابلي ورافقته. وتكمن أهميةُ هذا المعطى الزمني في أنه يقلّص المسافةَ بين النبوءة والحدث، ممَّا يُضعفُ من طابعها الاستباقي، ويجعلها أقرب إلى قراءةٍ دينيةٍ لواقعٍ سياسي مُتشكِّل.
وعند مقارنة النبوءة بالوقائع التاريخية، يظهر أنَّ رقم «سبعين سنة» لا يتحقق بدقةٍ حسابيةٍ صارمة، بل بصورةٍ تقريبيةٍ قابلةٍ للتكييف، وهو ما يعزز احتمال الطابع الرمزي لهذا الرقم، الذي كان يدلُّ في الثقافة القديمة على الاكتمال لا على الدقَّة العددية.
وفي سفر أشعياء ترِدُ نبوءاتٌ تعكس البنية نفسها، حيث يُفسَّر الحدثُ السياسي بوصفه فعلاً إلهياً مباشراً، كما في قوله: «عزُّوا عزُّوا شعبي يقول إلهكم … لأنَّ جهاد أورشليم قد كمُل» (إشعياء 40: 1–2)، وقوله: «سقطت سقطت بابل» (إشعياء 21: 9)، إضافةً إلى الإشارة إلى عودة المسبيين: «يبني مدينتي ويُطلق سبييّ» (إشعياء 45: 13).
تعكس نبوءاتُ النبي أشعياء الذي عاش في القرن الثامن ق.م، بنيةً متكررةً للنبوءة: سقوطٌ، ثم عقابٌ، ثم خلاصٌ وعودة، حيث لا يُقدَّم الحدثُ بوصفه نتيجةَ تطورٍ تاريخي طبيعي، بل كجزء من تدخُّلٍ إلهي مباشر في مجرى التاريخ. وعلى هذا الأساس، لا تبدو الوظيفةُ العميقةُ لهذه النبوءات في التنبؤَ بالمستقبل، بقدر ما هي في تفسير الكارثة التاريخية، إذ تُحوُّل السبيَ الذي بدأ في القرن السادس ق.م، من هزيمةٍ سياسيةٍ إلى عقابٍ إلهي، وتمنح المعاناة إطاراً زمنياً محدداً، وتزرع أملاً بالخلاص، وتحافظ على تماسك الجماعة في لحظة الانكسار.
*خامساً: النبوءاتُ الميسيانية*
ترِدُ النبوءاتُ الميسيانية في سفر أشعياء وسفر ميخا وغيرهما، حيث تتحدث عن مجيء ملكٍ عادلٍ يعيد بناء النظام ويحقق السلام، كما في قوله: «ويخرج قضيبٌ من جذعِ يَسَّى وينبت غصنٌ من أصوله، ويحلُّ عليه روحُ الرب … ويقضي بالعدل للمساكين» (إشعياء 11: 1–4)، وقوله: «وأنتِ يا بيت لحم … منكِ يخرج لي الذي يكونُ متسلطاً» (ميخا 5: 2).
هذا النصُّ الذي يحدِّد أنَّ الملك العادل سيكون من نسل داود ومن بيت لحم، سيصبح من أكثر النصوص جدلاً، حيث أشارت «المسيحيةُ» إلى أنه المسيح، بينما فسَّرتها «اليهوديةُ» على أنه رمزٌ لشعب إسرائيل.
كما ترِدُ في سفر أشعياء نصوصٌ أخرى أكثر إشكالية: «مُحتقرٌ ومخذولٌ من الناس … رجلُ أوجاعٍ ومُختبر الحزن، وهو مجروحٌ لأجل معاصينا … وبحبره شُفينا (إشعياء 53). هذه الصورةُ للعبد المتألم تختلف عن صورة الملك الداودي، ما سيفتح المجال لتأويلاتٍ متعددةٍ لاحقاً.
كما هو واضح، تتجه هذه النبوءاتُ نحو المستقبل، لكنها لا تقدِّم وصفاً زمنياً محدداً، بل ترسم صورةً مثاليةً لعالمٍ قائمٍ على العدل الإلهي، ما يجعلها مفتوحةً على التأويل عبر العصور. فهي لا ترتبط بحدثٍ تاريخي واحدٍ يمكن التحقق منه، بل تظل في حالةِ انتظارٍ دائم، وهو ما يمنحها طابعاً استثنائياً داخل المنظومة النبوئية.
ويرِدُ في سفر صموئيل: «أُقيم بعدك نسلك … وأُثبِّت مملكته … ويثبت كرسيُّ مملكته الى الأبد» (صموئيل الثاني 7: 12–13). وإذا أخذنا النصَّ بحرفيته، نجد أنَّ المقصود المباشر هو نسلُ داود ولاسيما سليمان.
غير أنَّ هذا الوعد بمملكةٍ أبديةٍ، رغم وضوحه، يصطدم بالواقع التاريخي الذي شهد زوالَ مملكة سليمان وانهيار الحكم الداودي، وهو ما يفتح المجال لإعادة تأويل النص، بحيث لا يُفهم «المُلك الأبدي» بوصفه تحقُّقاً تاريخياً مباشراً، بل بوصفه أفقاً لاهوتياً مفتوحاً، يُعادُ توظيفه في سياقاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ لاحقة.
وبهذا المعنى، لا يؤدي فشلُ التحقق إلى إبطال النبوءة، بل إلى توسيع مجال تأويلها، للحفاظ على دلالتها ورمزيتها: فلا يعود «سليمان» هو المقصودُ بالتحديد، بل سلالةُ داود بالكامل، أو أيُّ ملكٍ مستقبلي مثالي يعود نَسَبُه الى داود. ولاحقاً سيتدخل التفسيرُ المسيحي ليعيد تأويل النبوءة معتبراً أنَّ النبوءة تحققت في المسيح بن مريم، وأنَّ «المملكة الأبدية» هي مملكةٌ روحيةٌ لا سياسية، خصوصاً أنَّ «ابراهيم» عاش ومات غريباً في أرض كنعان، ولم يملك فيها سوى قبر.
وهذا يعني أنَّ «الأبدية» ليست وصفاً زمنياً دقيقاً، بل تعبيراً أيديولوجياً عن الشرعية والاستمرارية، سمح بإعادة تفسيرها لاحقاً، وأدَّى إلى انقسامٍ ديني عميق بين المسيحية واليهودية التي لا تزال ترى أنَّ النبوءة لم تتحقق بعد، وما يزال «الملك المنتظر» في أفق المستقبل.
ويمكن النظر إلى هذه النبوءات بوصفها تعبيراً عن حاجة الجماعة إلى أفقِ خلاصٍ مستقبلي، خاصةً في فترات الأزمات والانكسار. فهي لا تفسر «الماضي» بقدر ما تتخيل «المستقبل» وتعيد تشكيله، من خلال إنتاجِ نموذجٍ مثالي يُسقَط على التاريخ، وفتحِ أفقٍ دائمٍ للخلاص، ممَّا يجعلها من أحد أهمِّ عناصر الاستمرارية في السردية التوراتية.
*الخاتمة: تداخلُ القراءة التاريخية بالتأويل اللاهوتي*
من خلال هذا العرض، يتضح أنَّ «النبوءة» في التوراة لا يمكن اختزالها في كونها مجرد إخبار عن المستقبل أو تفسير للأحداث، بل هي بنيةٌ خطابيةٌ مركَّبةٌ تتداخل فيها العقيدةُ بالتاريخ، والحاضرُ بالمستقبل، واللاهوتي بالسياسي، والمتخيلُ بالواقعي، ويُعادُ من خلالها تشكيلُ الواقع ضمن إطارٍ ديني/أسطوري يمنحه المعنى والشرعية.
لم تظهر «النبوءةُ» في السياق التوراتي، سابقةً للحدث بقدر ما ظهرت بوصفها قراءةً لاحقةً له، يُعادُ من خلالها تأويلُ الماضي وإدماجه ضمن سرديةٍ لاهوتيةٍ متماسكة، تتحول فيها الهزيمةُ إلى عقابٍ إلهي، والمعاناةُ إلى اختبار، والتاريخُ إلى مسار ذي غايةٍ واضحةٍ هي الخلاص.
ومن هنا، لا تكمن الوظيفةُ العميقةُ للنبوءات في «التنبؤ»، بقدر ما تكمن في إعادة تنظيم العلاقة بين الجماعة وتاريخها. وعلى هذا الأساس، يمكن فهمُ النبوءات بوصفها جزءاً من ما يُعرف بـ«التاريخ المؤدلج»، أي ذلك النمط من السرد الذي لا يكتفي بتسجيل الأحداث، بل يعيد ترتيبها وتأويلها بما يخدم بناءَ هُويَّةٍ جماعيةٍ متماسكةٍ وقابلةٍ للاستمرار عبر الزمن.
وبما تحمله من قدرةٍ على إنتاج المعنى، وتشكيل الوعي الجماعي، وإعادة تفسير الواقع، لم تبقَ النبوءة – ولاسيما نبوءةُ الأرض الموعودة – مجرد نصٍّ ديني ينتمي إلى الماضي، بل أصبحت عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر من خلال إعادة توظيفها في سياقاتٍ سياسيةٍ وأيديولوجيةٍ حديثة، حيث تُستخدم – تحت مصطلح دولة إسرائيل الكبرى – لإضفاء شرعيةٍ دينيةٍ على الاحتلال، وتحويل الأرض من مجالٍ جغرافي إلى وعدٍ إلهي أو حقٍّ ديني مقدس، قابلٍ للاستدعاء والتوظيف عبر الزمن.
وبهذه الطريقة، تحولت «النبوءةُ» في الخطاب والممارسة السياسية إلى أداةٍ أيديولوجيةٍ تبرُِر العنف اللامحدود ضد المدنيين، وإلى مرجعيةٍ دينيةٍ إلغائيةٍ واقصائيةٍ حاضرةٍ بقوةٍ في صلب الحروب التوسعية التي لم تتوقف في بلادنا منذ 80 سنة.


