خاص tvrمقالات رأي حر

*الأرقامُ والزمنُ في السرد التوراتي: من التوثيق التاريخي إلى صناعة الزمن السردي* (الجزء الثالث عشر)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

*المقدمة: بين التاريخ الظاهر والبناء الخفي*

حين يُعرَض السردُ التوراتي بصورةٍ مبسَّطةٍ للقارئ غير المتخصص، يبدو وكأنه يقدِّم تاريخاً متصلاً يمتدُّ على قرونٍ طويلة: يبدأ بزمن إبراهيم في حدود الألفية الثانية قبل الميلاد، ثم ينتقل إلى مرحلة يوسف والنزول إلى مصر، فإلى الخروج بقيادة موسى بعد نحو أربعةِ قرونٍ، ثم دخول أرض كنعان مع يشوع بن نون، تليه فترةُ القضاة، فقيامُ المملكة مع داود وسليمان، وانقسامها لاحقاً، وصولاً إلى السبي البابلي، الذي يُعدُّ لحظةً مفصليةً يُرجَّح عندها بدءَ التدوين المنهجي للنصوص. وبهذا الترتيب، نحن أمام سردٍ يمتد – بحسب التقدير التقليدي – لأكثر من ألفِ عام بين التأسيس والتدوين.

غير أنَّ هذه الدراسة تنطلق من فرضيةٍ أساسيةٍ مفادها أنَّ الأرقام في هذا السرد لا تؤدي وظيفةً توثيقيةً تاريخيةَ خالصة، بل تعمل بوصفها أدواتٍ بنيويةً تُسهم في إعادة تشكيل الزمن وربط مراحله ضمن بناءٍ سردي يبدو متماسكاً ظاهرياً.

وتزداد الإشكاليةُ وضوحاً عند النظر إلى سياق تدوين النصوص، حيث يُرجِّح عددٌ من الباحثين أنَّ الصياغة النهائية تمَّت في مرحلةٍ متأخرة، غالباً خلال السبي البابلي أو بعده. وهذا يعني أنَّ الأرقام والأحداث لم تُدوَّن في زمنِ وقوعها، بل أُعيدَ تنظيمها بعد قرونٍ طويلةٍ، ضمن رؤيةٍ تفسيريةٍ تعيد ترتيب الماضي برمته، وتمنحه اتساقاً سردياً.

*الأعمارُ الأسطوريَّة وبناءُ الزمن البَدئيّ*

عند محاولة تحويل السرد إلى خطٍ زمني متصل، تظهر شبكةٌ من الأرقام والأعمار وسلاسل النسب التي تبدو مترابطةً، لكنها لا تقدم توثيقاً تفصيلياً مستمراً بين جميع المراحل، ما يجعل الزمنُ داخل النصِّ أقرب إلى بناءٍ مُركَّبٍ منه إلى تسلسلٍ تاريخي موثَّق.

ففي سفر التكوين تُعرَض سلسلةٌ من الأعمار الطويلة لشخصياتِ ما قبل الطوفان: آدم (930 سنة)، شيث (912 سنة)، أنوش (905 سنة)، قينان (910 سنة)، مهللئيل (895 سنة)، يارد (962 سنة)، أخنوخ (365 سنة)، متوشالح (969 سنة)، لامك (777 سنة)، ثم نوح (950 سنة). ويعرض النصُّ هذه الأعمار بصيغةٍ تقريريةٍ واضحة، كما في قوله: «فكانت كلُّ أيام متوشالح تسع مئةٍ وتسعاً وستين سنة ومات» (تكوين 5:27).

ويكشف تفكيكُ هذه السلسلة ملاحظتين رئيسيتين:
أولاً: تمتدُّ الأعمارُ لقرونٍ طويلة، مع تداخلٍ زمني بين الأجيال، في حين يبقى عددها محدوداً مقارنةً بطول المُدة المفترضة، ما يخلق فجوةً بين الامتداد الزمني والبنية النَسَبية.
ثانياً: لا تعمل الأرقامُ كتوثيقٍ زمني فقط، بل كآليةٍ لتمديد الزمن وربط مراحله ضمن سردٍ يبدو متصلاً ظاهرياً.

*الأنسابُ كأداةٍ لربطِ الزمن وبناءِ الهُويَّة*

لا تقتصر وظيفةُ الأنساب على الربط بين الأفراد، بل تمتد لتصبح أداةً لتنظيم الزمن السردي نفسه. فالسردُ يركّز على نسل «سام» بوصفه الخطِّ الذي ينتهي إلى إبراهيم: «عاش سام مئة سنة وولد أرفكشاد .. وعاش تارح سبعين سنة وولد أبرام» (تكوين 11:10). بينما تُعرَض سُلالتا «حام» و «يافث» بشكلٍ أقل تفصيلاً.

وهذا الانتقاء ليس محايداً، بل يخدم بناءَ هُويَّةٍ جماعيةٍ مرتبطةٍ بخطٍّ نَسَبي محددٍ، حيث تُستخدم الأنسابُ لربط التاريخ البشري المبكر بمسارٍ لاهوتيّ ينتهي بإبراهيم بوصفه شخصيةً محوريةً في العهد.

*الأرقامُ بين البيولوجيا والسرد*

يظهر تحولٌ واضحٌ في نمط الأعمار بين المراحل المختلفة: فبعد الأعمار الممتدة لما قبل الطوفان، تنخفض تدريجياً في زمن الآباء، لكنها تظل مرتفعةً مقارنةً بالمعايير البيولوجية المعروفة. فمثلًا: إبراهيم: 175 سنة، سارة: 127 سنة، إسحاق: 180 سنة، يعقوب: 147 سنة، يوسف: 110 سنوات، موسى: 120 سنة، يشوع: 110 سنوات، داود: نحو 70 سنة، أما سليمان فلم يُذكر عمره بل مُدة حُكمه (40 سنة).

ويذكر النصُّ أنَّ «سارة» أنجبت إسحاق في سن التسعين (تكوين 21:5، 17)، وأنَّ إبراهيم أنجب إسماعيل وهو في نحو السادسة والثمانين (تكوين 16:16). كما تُعرض قصصٌ تُظهر افتتان ملوك بجمال سارة رغم تقدمها في السن. والأكثر غرابةً أن نوحاً بدأ إنجاب أبنائه وهو في عمر 500 سنة: «وكان نوح ابن 500 سنة، وولد نوح ساماً وحاماً ويافث» (تكوين 5:32).

وهنا لا يكون السؤالُ فقط عن إمكان الحدث، بل عن وظيفته داخل السرد: هل يُقصد به تسجيل واقع تاريخي، أم تقديم نماذج استثنائية تُخرج الشخصيات من نطاق البشر العاديين إلى مستوى تأسيسي رمزي؟

*امتدادٌ زمنيٌّ ضخم وبنيةٌ غير متصلة*

يمتد السردُ التوراتي، وفق التقديرات التقريبية، من زمن «إبراهيم» في القرن التاسع عشر إلى الثامن عشر قبل الميلاد، إلى زمن «موسى» في القرن الخامس عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد، ثم دخول أرض كنعان بقيادة «يشوع«، تليه فترةُ القضاة (نحو 200–300 سنة)، ثم قيامُ المملكة في عهد داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد، قبل أن تنقسم وتسقط تباعاً حتى السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد.

ورغم هذا الامتداد الذي يتجاوز ألف عام، فإنَّ السرد لا يقدم كثافةً تاريخيةً متناسبةً مع طوله، خصوصاً في فترة القضاة، حيث يظهر الزمن ممتداً مقابل أحداث متقطعة وغير مترابطة. ويعكس النصُّ نفسه هذا الوضعَ بوضوح في قوله: «في تلك الأيام لم يكن ملكٌ في إسرائيل، كان كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه» (قضاة 21:25). ما يعني أنَّ بني اسرائيل ظلوا مجرد قبائل متفرقة غير مستقرة، بلا قيادةٍ مركزيةٍ أو بنيةٍ موحَّدة أو إنجاز تاريخي متراكم، ولاسيما بعد موقعة الخروج العظيمة بقيادة «موسى»، والدخول الأسطوري الى أريحا بقيادة «يوشع بن نون».

وهذا ما يطرح تساؤلاتٍ حول طبيعة هذا الامتداد الزمني: أهو تاريخٌ متصل حقَّاً، أم بناءٌ سرديّ يعيد ترتيب مراحل متباعدة ضمن إطار واحد؟

*الأرقامُ بوصفها أداةَ ضبطٍ سرديّ*

يتعزّز هذا الإطارُ عبر أرقامٍ تبدو حاسمةً. إذ يحدد النصُّ عددَ الداخلين إلى مصر بدقة:
«وكان جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعين نفساً» (تكوين 46:27)، ويكرر المعنى ذاته: «وكان جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفساً» (خروج 1:5).
ثم يحدد مُدَّة الإقامة: «وأما إقامةُ بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربعمئة وثلاثين سنة» (خروج 12:40). ثم يقدّم رقماً لافتاً لحجم الجماعة عند الخروج: «وكان بنو إسرائيل نحو ست مئة ألف راجلٍ، ما عدا الأولاد» (خروج 12:37).

ثم يُعادُ تثبيتُ الإطار الزمني عبر رقم آخر: «وكان في السنة الرابعة من ملك سليمان .. أنه بنى البيت للرب، وكان ذلك بعد أربعمئة وثمانين سنة من خروج بني إسرائيل من أرض مصر» (ملوك1- 6:1).

غير أنَّ هذه الأرقام، رغم دقَّتها الظاهرية، تثير إشكالاتٍ عند قراءتها تاريخياً، إذ يظهر تضخمٌ سكاني كبير يقارب الملايين خلال فترةٍ محدودة، وهذا ليس نمواً سكانياً استثنائياً، بل قفزةً سرديةً تُفرغ الرقمَ من معناه الإحصائي، وتحوّله إلى أداةِ تضخيمٍ رمزي.
كما تتكرر مُددٌ زمنيةٌ نمطية مثل 40 سنة (الطوفان، التيه، صيام موسى، مملكة داود، مملكة سليمان)، ما يشير إلى أنَّ الأرقام لا تعمل فقط كقياسات، بل كعناصر تنظيم داخل السرد. وهو ما يفُقِد الزمنَ طبيعته كقياس متدرج، ليصبح بنيةً مصمَّمةً تخضع لمنطقٍ توراتي داخلي، لا لتراكم واقعي.

وإذا ما قُرئت الأرقام ضمن تسلسلها الداخلي، تظهر بنيةٌ زمنيةٌ لافتة: فالمُدَّة من آدم إلى الطوفان تُقدَّر بنحو 1656 سنة، ثم لا تتجاوز الفترة بين الطوفان وظهور إبراهيم نحو 300 سنة، ما يجعل الزمن الكليّ من “بداية الخلق” حتى إبراهيم يقارب 2000 سنة. في المقابل، تمتدُّ الفترةُ من إبراهيم إلى السبي البابلي لما يقارب 1000 سنة.

وبذلك لا يبدو الزمنُ ممتدَّاً بشكلٍ طبيعي، بل مُعاد توزيعه سردياً: حيث تُضغَط المراحلُ الأولى وتُكثَّف، في حين تُمدَّد المراحلُ اللاحقةُ وتُفصَّل، بما يخدم بناءً يركِّز على لحظةِ التأسيس وما بعدها.

*الزمنُ والمكانُ: بنيةٌ دلاليةٌ لا إطار محايد*


في التوراة لا يوجد مفهومٌ للزمان والمكان بالمعنى الحديث، بل يُعاد تشكيلهما داخل السرد بحيث يفقدان حيادهما، ويتحوّلان إلى أدواتٍ لإنتاج المعنى لا لقياس الواقع. فالزمانُ هنا ليس كمّياً خالصاً مفتوحاً على ملايين أو مليارات السنوات، بل زمنٌ نوعيٌ مكثَّفٌ دِلالياً، لا يُقاس بامتداده الحسابي بقدر ما يُبنى عبر الأعمار والأنساب والوقائع المفصلية: الخلق بوصفه بداية العلاقة بين الاله والانسان، الطوفان كرمز للنجاة وإعادة بدء العالم، دعوة إبراهيم بوصفها لحظة الاختيار والاصطفاء والعهد والوعد، والخروج كرمز للتحرر .

ولا يقتصر ذلك على «الزمان» وحده، بل ينطبق على «المكان» أيضاً. إذ لا يظهر كجغرافيا مجردة، بل كفضاءٍ مُحمَّل بالرمزية، حيث تكتسب المواقعُ قيمتها من الأحداث التي وقعت فيها: جنةُ عَدَن بوصفها موضعَ البداية المطلقة، الإقامةُ في مصر كرمز للعبودية، أرضُ كنعان كموقع لتحقيق الوعد، التيهُ في البَريَّة كمجال للاختبار، جيلُ سيناء كموضع للوحي والتشريع، وأورشليم كمركز للسلطة والعبادة. وهكذا يتحول «المكان» من حيِّز هندسيّ أو جغرافيّ إلى حالةٍ وجوديةٍ أو حاملٍ للمعنى والذاكرة.

لا يبدو تمركزُ البدايات التوراتية في بلاد الرافدين أمراً عابراً، خاصةً إذا قُرئ في ضوء تجربة السبي البابلي. فالجماعةُ المَسبيَّةُ التي وجدت نفسها في قلب حضارةٍ عريقةٍ، جعلت من هذه الجغرافيا نفسها الفضاءَ الرمزي التأسيسي للبدايات الكبرى: بداية الإنسان (مع آدم في عَدَن الواقعة في بلاد الرافدين)، وبداية الجماعة المختارة (مع دعوة إبراهيم في أور الكلدانيين): «وغرس الربُّ الإله جنةً في عَدَن شرقاً، ووضع هناك آدم الذي جبله .. وكان نهر يخرج من عَدَن ليسقي الجنةً ثم ينقسم إلى أربعة أنهار» (تكوين 2: 8–14)، وهذه الأنهارُ هي فيشُون وجيحُون وحِدَّاقل (دجلة) والفرات.

إذاً، كما لا يُعرَّف المكانُ بموقعه بل بما جرى فيه، كذلك لا يُقاس الزمانُ بامتداده بل بما وقع خلاله من أحداثٍ، ليغدو الإثنان معاً بنيةً دلاليةً واحدةً يتشكل فيها المعنى والهُويَّة عبر سرد الحدث، لا عبر القياس. وهنا يتبدَّى الفرقُ بين الزمن السرديّ والحسابيّ، والمكان الرمزيّ والجغرافيّ داخل الحكاية التوراتية.

*الخلاصة: من التاريخ إلى صناعة التاريخ*

إنَّ أخطر ما في هذه الأرقام ليس تناقضها وغرابتها، بل قدرتها على إنتاجِ وهمِ الدقَّةِ والاتساق. فهي تمنح السردَ مظهراً حسابياً صارماً، بينما تُخفي في بنيتها الداخلية اختلالاتٍ لا يمكن تجاوزها بمنطقٍ تاريخي. ومن هنا، فإنَّ التعامل معها بوصفها معطياتٍ تاريخيةٍ محايدةٍ يُفضي إلى قراءةٍ مضلِّلة؛ إذ إنَّ وظيفتها الحقيقية لا تكمن في تسجيل ما حدث، بل في إعادة بناءِ وتشكيلِ ما يُراد أن يُعتقد أنه قد حدث بالفعل.

وبهذا المعنى، لا تعود الحكايةُ التوراتيةُ مجرد نقلٍ للتاريخ، بل تصبح عمليةً واعيةً لصناعة التاريخ ضمن رؤيةٍ لاهوتيةٍ متماسكةٍ ظاهرياً، ومتفككةٍ في عمقها.

نحن أمام تاريخٍ بُنيَ بوهمِ دقَّة الأرقام والأعمار والأحداث. ومن هنا ضرورةُ إعادةِ قراءة السردية التوراتية بعين النقد والتفكيك، ولاسيما في وقتنا الراهن حيث يُستخدم الماضي لتحقيق أجنداتٍ أيديولوجيةٍ وسياسيةٍ بؤرتها الدينية واللاهوتية إعادة إحياء مملكة سليمان (أو ما يُتداول حديثاً باسم إسرائيل الكبرى) التي ترجِّح المعطياتُ والتاريخيةُ أنها لم تكن أكثر من كيانٍ محلي صغير، وليست امبراطوريةً شاسعةً، مركزيةً، موحَّدةً، قويةً، وفاحشةَ الثراء، يُرجَّح أنها وُجدت فقط في مخيِّلةِ كَتَبَةِ أسفار التوراة.

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى