الطبقةُ الوسطى في لبنان… إلى زوالٍ صامت.

لم تعد الأزمة في لبنان مجرّد تداعيات حربٍ عسكريةٍ عابرة، بل تحوّلت إلى مسارٍ تصاعديّ يهدّد البنية الاجتماعية برمّتها. فلكلّ حربٍ نهاية، لكن ما يليها قد يكون أشدّ قسوة: حربٌ اقتصادية–اجتماعية عنوانها الفقر، ونتيجتها انهيار التوازن بين طبقات المجتمع.
قبل الحرب، كان لبنان يعاني أساسًا من أزمةٍ اقتصادية خانقة، تجلّت في تدهور العملة، وارتفاع الأسعار، وتزايد معدلات البطالة. غير أنّ الحرب الأخيرة عمّقت هذه الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تشير التقديرات إلى أنّ ما بين 60% و70% من اللبنانيين فقدوا مصادر دخلهم، وأصبح نمط العيش اليومي قائمًا على مبدأ “يوم بيوم”، بلا أي أمان اقتصادي أو استقرار معيشي.
في هذا السياق، لم يعد الجوع توصيفًا مبالغًا فيه، بل حقيقة يومية تطال شرائح واسعة من المجتمع، بما فيها تلك التي كانت تُصنَّف سابقًا ضمن الفئة “الميسورة”. ومع توقّف عجلة الإنتاج، وتضرّر القطاعات الحيوية كـالزراعة والخدمات، بدأت ملامح الانهيار الاجتماعي تتضح أكثر، وفي مقدّمها زوال الطبقة الوسطى، التي لطالما شكّلت العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.
إن اختفاء هذه الطبقة لا يعني فقط تراجع مستوى المعيشة، بل انهيار شبكة الأمان المجتمعي. فالطبقة الوسطى هي التي توازن بين الفقر والغنى، وتحافظ على ديناميكية الاقتصاد. ومع تلاشيها، يتجه المجتمع نحو انقسامٍ حاد: أقليةٌ تملك كل شيء، وأكثريةٌ تكافح من أجل البقاء.
هذا الواقع لا يمرّ دون تداعيات خطيرة. فارتفاع معدلات الفقر غالبًا ما يترافق مع ازدياد في معدلات الجريمة، من سرقةٍ واحتيالٍ إلى عنفٍ قد يصل إلى القتل، ما ينذر بتحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة أمنية واجتماعية شاملة.
أما أسباب زوال الطبقة الوسطى، فتتعدّد وتتداخل:
أولها الانهيار المالي الذي أطاح بالقدرة الشرائية، وثانيها فقدان الوظائف وتراجع فرص العمل، وثالثها غياب السياسات الاقتصادية الفاعلة، إضافةً إلى تداعيات الحرب التي شلّت قطاعات الإنتاج وأضعفت بنية الدولة. ويُضاف إلى ذلك غياب أي شبكة حماية اجتماعية حقيقية قادرة على امتصاص الصدمات.
لبنان ما بعد الحرب يبدو أكثر خطورة مما قبلها. فإعادة بناء ما تهدّم لا تقتصر على الحجر، بل تشمل إعادة ترميم المجتمع نفسه. وهذا يتطلّب إرادة سياسية جدية، ودعمًا دوليًا موجّهًا وفعّالًا، إلى جانب مشاركة مجتمعية تعيد إحياء مفهوم التضامن.
من دون ذلك، سيبقى لبنان بلدًا منقسمًا: أغنياء يعيشون خلف أسوارٍ مرتفعة، وفقراء يقتاتون على ذكريات وطنٍ كان يُعرف يومًا بـ”سويسرا الشرق”.
