*حين تتحولُ الخطيئةُ إلى سردٍ مقدس: قراءةٌ نقديةٌ في قصصِ التوراة ورموزها* (الجزء الخامس)

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*
تحتلُّ القصصُ التوراتيَّةُ موقعاً مركزياً في تشكيل الهُويّّة الدينية لبني إسرائيل، وفي رسمِ صورةِ الأنبياء والملوك والقبائل عبر مراحل مبكرةٍِ من التاريخ الديني للشرق الأدنى القديم. وبخلاف المقاربةِ الإسلامية التي تُقدّم الأنبياءَ في صورةٍ مثاليةٍ من العصمة والطهارة الأخلاقية، تعرض التوراةُ شخصياتها – بما فيهم الأنبياء – كأناسٍ يخطئون ويتصرفون بدوافع بشريةٍ معقدة، وينخرطون أحياناً في تصرفاتٍ أخلاقيةٍ فاضحةٍ .
وعند قراءةِ هذه الرواياتِ بمنهجٍ أخلاقي مقارن، تظهر صورةٌ متناقضةٌ للأنبياء والملوك والأسباط: فهم ليسوا نماذج للكمال، بل أشخاصاً يرتكبون أفعالاً قد تُعَدُّ اليوم خطايا كبرى: كالغدر، والزنى، والخداع، والقتل، والعنف الجماعي. واللافت أنّ كثيراً من قصص الخطيئة والزنى والتحايل والقتل، لم تُلغَ من النصَّ المقدّس، بل أصبحت جزءاً مؤسِّساً للهُويَّة الدينية اليهودية، بل ولسلسلةِ نسبِ داود والمسيحِ نفسه. وهكذا تتحوّل «الخطيئةُ» نفسها إلى مادةٍ لاهوتيةٍ، وتاريخُ العائلةِ إلى تاريخِ أمّةٍ كاملة، بما يحمله من تناقضاتٍ وانكسارات.

وهذه الدراسةُ لا تهدف الى مهاجمة العقائد أو اصدار أحكامٍ مسبقة، بل إلى تبسيط الروايات التوراتية، وتقديمها للقارئ غير المتخصص بشكلٍ سلسٍ وواضح، من خلال قراءةٍ أخلاقيةٍ نصيَّة تُبرز المفارقات، وتطرح أسئلةً مشروعةً عن معنى «القداسة» عندما يرتبط السردُ المقدّس بأفعالٍ عُنفيةٍ وسلوكاتٍ أخلاقيةٍ صادمة.
أولاً – الأنبياءُ بين القداسةِ وانهيار الأخلاق:
تروي أسفارُ التوراة عن أنبيائها – وبلا أدنى إحراج – مجموعةً من القصص الغريبةِ المثقلةِ بالانتهاكات الأخلاقية والتوترات العائلية والخلافات على السلطة وجرائم القتل والإبادة الجماعية.
1- نوح: بعد الطوفان، يروي سفرُ التكوين أنَّ نوحاً شرب الخمر فسكِر وانكشفت عورتُه داخل خيمته، فرآه ابنه «حام» وأخبر أخويه (التكوين 9). وتُعدُّ هذه من أولى الروايات التي تُظهر نبيَّاً في لحظةِ ضعفٍ بشري. أي أنها لا تقدم نموذجاً للثبات الأخلاقي، بل نبيًاً يسكر وينكشف عارياً. ورغم أنَّ الحدث بسيطٌ ظاهرياً، إلا أنه يشوّش فكرة “البداية الجديدة” بعد تطهير الأرض من الفساد. فكيف يبدأ عهدٌ جديدٌ بخطيئةٍ تُعدُّ عاراً في الثقافة القديمة؟ وهذه القصة ستفتح الباب أمام أسفار التوراة لتبرير لعنِ نسلِ «حام» في الروايات اللاحقة.

2- إبراهيم: في مصر ثم في جرار، يقدّم إبراهيمُ مرتين زوجته «سارة» على أنها أخته لا زوجته: «قولي إنك أختي ليكون لي خيرٌ بسببك» (تكوين 12:13)، «وقال إبراهيم عن سارة إمرأته: هي أختي» (تكوين 20:2). وذلك رغبةً في النجاة، وخوفاً من أن يُقتل بسبب جمالها. فكان أن يطمع بها الملوكُ ويأخذونها إلى قصورهم، ثم يعيدونها بعدما تنكشف الحقيقة، ومعها هدايا وثروات لإبراهيم: «وحدث لمَّا دخل أبرامُ الى مصر أنَّ المصريين رأوا المرأةَ أنها حسنةٌ جداً .. فأُخِذت الى بيت فرعون. وصنع الى أبرام خيراً بسببها، فكان له غنمٌ وبقرٌ وحمير وعبيد وإماء وأُتن وجِمَال» (تكوين 12: 14- 20).
و«سارة» لم تكن ضحيةً هنا، بل شريكةٌ في الخداع، لأنها لم تقُل الحقيقة سواءً لفرعون أو أبيمالك، بأنها زوجةُ إبراهيم، بل أيَّدت روايته بأنها أخته، رغم عِلم الإثنين بأنَّ الحصول على إمرأةٍ متزوجةٍ كان يُعَدُّ في ذلك الزمن، جريمةً كبيرة، وانتهاكاً للقوانين والأعراف. ممَّا يجعل القصةَ ثنائية الخداع: «ألم يقُل لي هي أختي، وهي أيضاً قالت هو أخي» (تكوين 20:12)
هذه الروايةُ التوراتية تثير تساؤلاتٍ حادّة: هل يجوز لنبيٍّ أن يعرِّض زوجته لخطر الانتهاك الجنسي خوفاً على نفسه؟ لماذا يتكرر السيناريو مرتين؟ كيف تتحول حياةُ امرأةٍ إلى “ضمانةٍ” لمكاسب مادية؟ الروايةُ أخلاقياً تُظهر هشاشةً في تحمُّل المسؤولية الزوجية، وتكريساً لصورة المرأة كأداةِ حمايةٍ أو تجارةٍ سياسية.
3- إسحاق: فعل الشيءَ نفسه الذي فعله أبوه إبراهيم مع زوجته “سارة”. فقد تظاهر بأنَّ زوجته «رفقة» هي أخته خوفاً على نفسه. والقصة موجودة في سفر التكوين (26:6–11) وفيها: نزل إسحاقُ إلى جرار في أرض الفلسطينيين، وخاف أن يقول إنَّ «رفقة» زوجته، لأنه ظنَّ أنَّ أهل المدينة سيقتلونه ليأخذوها، لأنها كانت جميلة. فقال: “هي أختي”. لكنَّ أبيمالك ملك الفلسطينيين لاحظ أنَّ إسحاق يعامل «رفقة» كما يعامل الرجلُ زوجته، فواجهه، وقال له: «كاد أحد الشعب أن يضاجع امرأتك، فجلبتَ علينا ذنباً عظيماً!». ومن ثم حرَّمه أبيمالك على الجميع وأمر بعدم التعرض له أو لزوجته.
هذه القصةُ الغريبةُ توضح الجوانب البشرية غير الأخلاقية في الشخصيات التوراتية، حتى لو كانت نبويَّة، لأنَّ فكرة الادعاء بأنَّ الزوجة هي “أخت”، كانت تُستخدم لحماية الذات في مجتمعاتٍ قبليةٍ غير آمنةٍ أو قانونية. ممَّا يرجِّح أنَّ القصة ليست تاريخيةً، بقدر ما هي رمزية تعكس مخاوف وموروثات اجتماعية، ولذلك تكررت بصيغٍ متعددةٍ مع إسحاق وإبراهيم.
4- لوط وبناته: بعد هلاك سدوم وعمورة، سكَّرت ابنتا لوط أباهما بدافع “إنقاذ النسل”، واضطجعت كلٌّ منهما معه. نتج عن تلك العلاقة المُحرَّمة حفيدي لوط: «مؤاب» و «بن عمي». هذه الروايةُ الواردة في سفر التكوين، تمثل واحدةً من أكثر المشاهد صدمةً في النص الديني. فالحدثُ يكشف سقوطاً أخلاقياً ثقيلاً، حيث يكون «سِفاحُ القربى» عملاً مقبولاً لإنقاذ النسل.
وعلى الرغم من أنَّ لوطاً هو ابنُ أخِ النبي المؤسِّس «إبراهيم»، ويُحسب من “البارِّين”، إلا أنَّ نسله في التوراة، من المؤابيين والعمونيين، تمَّ تصويرهم كأممٍ «وُلدت من الخطيئة»، وحُرموا من الدخول في جماعة الرب حسب الشريعة، وظلوا شعوباً وثنيةً معاديةً لبني إسرائيل: «لا يدخل عَمُّونيّ ولا موآبي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحدٌ في جماعة الرب إلى الأبد» (التثنية 23:3).
5- يعقوب: يشتري “البكوريةَ” من أخيه البكر «عيسو» مقابل عدسٍ. ثم يسرق البَركةَ منه عبر خداع أبيهما «اسحاق» الشيخ الأعمى، بمساعدة أُمه «رفقة». ثم يتزوّج الأختين راحيل وليئة، وجاريتيهما، وينجب أسباط بني إسرائيل من أربع نساء.
و«البُكوريَّة» في المجتمعات القديمة، خصوصاً في العُرف العبري، كانت ذات أهميةٍ دينيةٍ وقانونيةٍ واقتصادية كبيرة: إنها رمزٌ للسيادة والميراث والبركة. فالبكرُ (الابن الأول) هو رئيسُ العائلة بعد موت الأب، وينال ضعفَ نصيب باقي الإخوة من الميراث (تثنية 21:17). ويعقوب عندما نال “بركة” إسحاق بالحيلة، اكتملت له القيادةُ العائلية والرمزية والدينية والمادية.
وعلى الرغم من أنَّ هذه الرواية تضرب جذور العدالة العائلية،
وتمنح الخداعَ والاحتيال شرعيةً أخلاقية وروحيةً، إلا أنَّ يعقوب يتحول لاحقاً إلى «إسرائيل»، الأب المؤسِّس للهُويَّة الدينية والقومية للجماعة اليهودية. مع الإشارة الى أنَّ سفر التكوين يقدم لحظةَ مصارعةِ يعقوب للإله، على أنها نقطةُ تحوّلٍ روحية تمَّ من خلالها الانتقالٌ من سرقة البركة بالحيلة من أخيه البكر «عيسو» بالتواطوء مع أُمه، إلى طلَبِ البركةِ مباشرةً من المصدر: «فبقيَ يعقوبُ وحده. وصارعه انسان (الإله) حتى طلوع الفجر… وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له ما اسمك؟ فقال إسمي يعقوب، فقال: لا يُدعى اسمُك فيما بعدُ يعقوب بل اسرائيل، لأنك جاهدتَ مع الله والناس وقدرت .. وباركه هناك» (التكوين 32: 28)
والغريبُ أنَّ اليهود يقولون إنَّ العربَ هم من نسل «اسماعيل» ابن الجارية «هاجر»، رغم أنَّ أربعةً من أبناء يعقوب (الأسباط الإثني عشر لبني إسرائيل) كانت أمهاتهم من الجواري، وهم: من بلهة (جارية راحيل): دان ونفتالي. ومن زلفة (جارية ليئة): جاد وأشير. أما من ليئة (زوجته الأولى التي زُوِّجت له بالحيلة والخديعة): رأوبين، شمعون، لاوي، يهوذا، يساكر، زبولون، دينة (ابنته الوحيدة المذكورة). ومن راحيل (الزوجة الثانية والمحبوبة): يوسف وبنيامين.
7 – مجزرةُ أبناء يعقوب: يروي سفرُ التكوين أنَّ شكيم «أخذ دينة (ابنة يعقوب من زوجته ليئة) واغتصبها»، ثم بعد الحادثة أحبَّها وطلب الزواج منها، وعرض على عائلتها الاندماج بين بني إسرائيل وسكان المدينة، أي تبادل الزواج والتجارة. فردُّ إخوتُها بخدعةٍ تضمر الإنتقام: الموافقة ظاهرياً على الزواج بشرط أن يختتن جميع رجال المدينة. ثم بعد ثلاثة أيام من الختان، عندما كان الرجال متألمين، هاجم إخوةُ دينة أبناءُ يعقوب المدينةَ، وقتلوا كل الذكور فيها، ونهبوا المدينة، وأخذوا النساء والأطفال والمواشي» (تكوين 34).
هذا العنفُ الجماعي في سياق الثأر، ليس “غيرة شرف”، بل هو مذبحةٌ كاملةٌ بحقِّ مدينةٍ بأكملها. والخطير أنَّ السرد التوراتي لا يورد عقاباً إلهياً صريحاً على هذه المجزرة، والأخطر أنَّ يعقوب لا يدين المجزرة التي ارتكبها أبناؤه، بل يعبّر فقط عن قلقه على السلامة العامة لعائلته والخطر الناتج عن إثارة شعوب الجوار: «وقال يعقوب: ألا يُحسَب علينا أن نُطرد من سكان الأرض، لأننا نثير غضبهم ونصبح عرضةً للعداوة؟» (تكوين 34)
7- مذبحةُ شاول: القصةُ تتحدث عن «داود» الذي هرب من الملك «شاول، ولجأ إلى مدينة الكهنة «نوب»، حيث قابله الكاهنُ «أخيمالك»، وأعطاه خبزاً وسيفَ جليات (دون أن يعرف أنه هارب). أحدُ رجال شاول رأى ذلك وأخبر شاول. استدعى شاول أخيمالك والكهنة وسألهم: لماذا ساعدوا داود؟ واتهمهم بالخيانة، وأمر جنوده بقتلهم، لكنهم رفضوا. فأمر «دواغ الأدومي» الذي قام «وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلاً لابسي أفود كتان» (وهو ثوب كهنوتي من الكتان كان يُلبسُ أثناء أداء الشعائر الدينية). ثم دمّر مدينة نوب بالكامل: «ضرب الرجال والنساء والأطفال والرضعان، والثيران والحمير والغنم بحدِّ السيف» (صموئيل الأول 22:18). وهذه القصةُ هي واحدةً من أكثر الأحداث دمويةً في العهد القديم.

