خاص tvrمقالات رأي حر

*الحربُ على إيران: بين الأسطورةِ الدينية وإعادةِ تشكيلِ الهيمنة في العالمين العربي والإسلامي*

*الحربُ على إيران: بين الأسطورةِ الدينية وإعادةِ تشكيلِ الهيمنة في العالمين العربي والإسلامي*

*أ. د. هلا رشيد أمون*

لم تكن الحروبُ في العالم العربي والإسلامي يوماً مجرد صراعاتٍ عسكريةٍ عابرة. فمنذ قيام إسرائيل في العام 1948، تكاد تتحول كلُّ أزمةٍ كبرى في المنطقة إلى لحظةٍ مؤاتية لإعادة رسم موازين القوى وتعزيز النفوذ الدولي فيها.
واليوم، مع اندلاع التصعيد العسكري بين الكيان المحتل وإيران، يعود السؤالُ القديم بثقلٍ أكبر: هل نحن أمام مواجهةٍ عسكريةٍ محدودة، أم أمام فصلٍ جديدٍ من مشروع أوسع يعيدُ تشكيل المنطقة العربية تحت عناوين الأمن والطاقة، والأساطير الدينية التي تتسلل إلى قلب القرار السياسي؟

قررت إسرائيل خوض حرب على إيران، فاستجابت الولايات المتحدة لذلك. المفارقة أنَّ “دونالد ترامب”، الذي قدّم نفسه بوصفه «صانع سلام»، وجد نفسه يقود حرباً جديدةً معتقداً أنها ستكون سريعةً، أقرب إلى استعراضٍ للقوة العسكرية الأميركية منها إلى حربٍ طويلة.

لكنَّ المفارقة الأشدّ وضوحاً أنَّ واشنطن تتجنب مواجهة كوريا الشمالية التي تمتلك بالفعل سلاحاً نووياً، فيما تذهب إلى الحرب على إيران بذريعة قدرتها المحتملة على إنتاج هذا السلاح. هذا التناقض يؤكد أنَّ المسألة ليست نووية فحسب، بل هي سياسيةٌ واستراتيجيةٌ مرتبطةٌ بطبيعة الصراع في منطقتنا أكثر من ارتباطها بانتشار السلاح النووي أو بشعارات نشر الديمقراطية واستئصال الأنظمة الاستبدادية.

*حين تصنع الأسطورةُ التوراتيةُ الجغرافيا السياسية*


في خضم هذه الأجواء ظهرت تقاريرُ مقلقةٌ من داخل المؤسسة العسكرية الأميركية. فقد تقدّم نحو مئتي عنصر من أفراد الخدمة في فروع القوات المسلحة بشكاوى ضد ضباط أخبروهم بأنَّ هذه الحرب «مُقدَّرةٌ كتابياً»، وأنَّ ما يحدث في إيران جزءٌ من خطةٍ إلهيةٍ لتعجيل عودة المسيح، وأنَّ ترامب «مُختارٌ من قِبَل يسوع» لبدء أحداث نهاية العالم.

ومن المعلوم أنَّ اللاهوت المسيحي الإنجيلي الذي يتبنّى مثل هذه التصورات، يربط عودةَ المسيح أيضاً بإعادة بناء الهيكل في القدس على أنقاض «المسجد الأقصى»، ما يكشف خطورة التداخل بين المعتقدات الدينية المتطرفة وصناعة القرار السياسي والعسكري.

هذه الروايات لا تكشف فقط عن خطابٍ ديني متطرف داخل بعض الدوائر العسكرية، بل تثير سؤالاً أعمق: هل يمكن أن تتحول عقائد «نهاية الأزمنة» إلى عاملٍ مؤثر في صناعة القرار العسكري في أقوى دولة في العالم؟ وإذا تحولت الحربُ إلى «نبوءةٍ دينية»، فهل يصبح «المسجد الأقصى» أقرب إلى الهدم والتدمير في سياق تحقيق تلك النبوءات؟

*الجذورُ التاريخيةُ للصراع مع إيران*

لفهم ما يحدث اليوم، لا بدَّ من العودة إلى لحظةٍ مفصليةٍ في التاريخ الإيراني الحديث.

فجذور الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم تبدأ في اللحظة الراهنة. ففي العام 1953 أطاحت بريطانيا والولايات المتحدة حكومةَ رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطياً “محمد مصدِّق” في انقلابٍ عسكري عُرف باسم «عملية أجاكس»، وذلك بعد أن قرر تأميم النفط الإيراني، وهو ما هدد مصالح الشركات الغربية. وأُعيد الشاه “محمد رضا بهلوي” إلى الحكم، فعادت الامتيازاتُ النفطية للشركات الغربية.

وفي العام 1979 أطاحت الثورةُ الإيرانية – بدعمٍ اوروبي- بالشاه حليف الغرب، وجاءت بالخميني إلى السلطة، لتدخل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة صراع طويل امتد لأكثر من أربعة عقود. وقد اعترفت وكالةُ الاستخبارات المركزية الأميركية في العام 2013 بدورها في انقلاب العام 1953.

*المشروعُ الإسرائيلي والتمددُ الإقليمي*

اليوم، ومع اتساع دائرة المواجهة، تبدو أوروبا خارج دائرة القرار. فالدول الأوروبية لم تُستشر في هذا المسار، لكنها تجد نفسها (ولاسيما فرنسا وبريطانيا وألمانيا) تدريجياً أمام ضغوط أميركية للانخراط فيه. أما دول الخليج فقد أبدت رفضها للحرب، لكنها مع ذلك تجد نفسها تدفع ثمنها سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

في المقابل، يسعى الكيانُ الإسرائيلي إلى التحول إلى قوةٍ إقليميةٍ توسعيةٍ قادرةٍ على تطويق دول المنطقة سياسياً وعسكرياً. وتحت شعار مواجهة التهديدات، تتحول كلُّ قوةٍ إقليميةٍ صاعدةٍ إلى «خطر جديد».

فمنذ يومين، حذّر رئيسُ الوزراء الإسرائيلي السابق “نفتالي بينيت” من أنَّ تركيا هي «إيران الجديدة»، مشيراً إلى تنامي نفوذها الإقليمي. وإذا استمر هذا المنطقُ التصاعدي، فمن السهل توقع التسلسل التالي: تتحول تركيا إلى التهديد الجديد بعد إيران، ثم تتحول السعودية إلى «تركيا الجديدة»، ثم تصبح مصر «السعودية الجديدة»، ثم تتحول باكستان النووية إلى «مصر الجديدة»… وهكذا تتسع دائرةُ «التهديد» المزعوم تدريجياً لتشمل معظم القوى الإقليمية في العالم الإسلامي.

هذا الخطابُ يكشف نمطاً متكرراً في السردية الأمنية الإسرائيلية: كلُّ قوةٍ إقليميةٍ صاعدةٍ لا بدَّ أن تتحول تدريجياً إلى «تهديد وجودي» يجب احتواؤه أو إضعافه.

*شبكةُ القواعد الأميركية في العالم العربي والإسلامي: الأمنُ الذي لم يتحقق*

كلُّ أزمةٍ أمنيةٍ في المنطقة تحولت تاريخياً إلى فرصةٍ لتعزيز الوجود العسكري الأميركي.

أولُ قاعدةٍ عسكريةٍ أميركية دائمة في العالم العربي كانت “قاعدة الظهران الجوية” في السعودية، التي جاءت نتيجة التفاهم الذي أعقب اللقاء التاريخي في العام 1945 بين الرئيس الأميركي “فرانكلين روزفلت” والملك “عبد العزيز آل سعود” على متن الطرَّاد الأميركي «يو إس إس كوينسي» (USS Quincy).

وفي البحرين أُنشئت قاعدة بحرية في الجفير منذ العام 1948 ضمن ما عُرف بإسم «قوة الشرق الأوسط البحرية».

أما الكويت، فقد شهدت إنشاء قواعد جوية مهمة بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991، أبرزها “قاعدة علي الجوية”، لتصبح مركزاً أساسياً للعمليات الأميركية في الخليج والتحكم في الحركة الجوية بعد تحرير الكويت.

وفي قطر، نقلت الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول 2001 مركز قيادتها الجوية إلى “قاعدة العديد”، التي أصبحت منذ العام 2002 مركز العمليات الجوية الأميركية في المنطقة.

ثم جاء غزو العراق في العام 2003، ليؤكد التمركز طويل الأمد للولايات المتحدة في قلب العالم العربي والإسلامي، وظهر توسع إضافي في الأردن عبر “قاعدة الأزرق الجوية” بعد العام 2014 لدعم العمليات ضد تنظيم داعش.

ولا ننسى سلطنة عمان، التي سمحت للولايات المتحدة باستخدام “قاعدة مصيرة الجوية” منذ الثمانينات تقريباً، كمحطة استراتيجية لدعم العمليات البحرية والجوية في المحيط الهندي والخليج العربي.

كلُّ هذه الشبكة الواسعة، لم تمنع الصواريخَ الإيرانية من إحداث التدمير وبثِّ الخوف والرعب وتعطيل جزء من القدرات الاقتصادية لدول الخليج، ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل أُنشئت هذه القواعدُ فعلاً لحماية دول الخليج، أم لحماية إسرائيل وضمان استمرار الهيمنة الأميركية على المنطقة؟

*حربٌ تغيّر شكلَ الصراع*

شنّ ترامب الحرب على إيران دون تفويضٍ مسبقٍ من الكونغرس، الذي منحه ليلة أمس مهلة ستين يوماً لإنهائها. وفي الوقت نفسه دعا ترامب شركات صناعة السلاح إلى زيادة الإنتاج تحسباً لنفاد المخزون الاستراتيجي الأميركي.

لكن النتيجة الأكثر وضوحاً حتى الآن هي أنَّ كل جولة تصعيد في المنطقة تؤدي عملياً إلى أمر واحد: المزيد من التمركز العسكري الأميركي – وربما الإسرائيلي – في الخليج.

أما النظامُ الإيراني الذي عرفه العالم خلال العقود الأربعة الماضية، فقد يكون بالفعل على أعتاب نهاية مرحلةٍ من تاريخه. غير أنَّ السؤال الأخطر لا يتعلق بسقوط هذا النظام بقدر ما يتعلق بطبيعة النظام الذي قد ينشأ بعده إذا خرجت إسرائيل والولايات المتحدة منتصرتين من هذه الحرب؛ فمن المرجح أن يكون نظاماً أكثر تبعية لهما وأشد خضوعاً لمصالحهما. وهو ما يعمل عليه ترامب بجهدٍ كبير، للإتيان بنظامٍ جديد موالٍ او مستسلم بالكامل لمشيئته.

وفي كل الأحوال، فإنَّ الحروب الكبرى نادراً ما تُنهي الصراعات. فهي غالباً لا تفعل أكثر من نقلها من مرحلةٍ إلى أخرى. ولذلك فإنَّ ما يجري اليوم لا يبدو ذروةً نهائيةً للأزمة، بل محطة انتقالٍ في صراع إقليمي ودولي ما زال مفتوحاً على احتمالاتٍ خطرة، تتبدَّى أولى ملامحها في سعي إسرائيل الى قضم الجنوب اللبناني بعد تدميره وتهجير أهله – إضافةً الى تشريد أهالي البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت – في مشهدٍ مأساوي يعيد الى الذاكرة نكبة الفلسطينيين في العام 1948.

والسؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمصير إيران أو بتوازنات القوة في الخليج، بل بمستقبل العالم العربي والإسلامي بأكمله: هل سيبقى ساحةً مفتوحةً لتصفية الصراعات الدولية؟ أم سيتمكن يوماً من إنتاج نظامٍ إقليمي مستقلٍ قادرِ على حماية أمنه ومصالحه بعيداً عن الهيمنة الخارجية؟

منذ الرابع عشر من أيار 1948، تاريخ قيام الدولة العبرية في قلب العالم العربي، لم يتوقف نزيفُ الدم في هذه المنطقة: حروبٌ واحتلالاتٌ واجتياحاتٌ وانتفاضاتٌ وتهجيرٌ واسع للشعوب، جعلت من العالم العربي ساحةً دمويةً مفتوحة للصراعات.

باختصار، هذه هي مأساةُ هذا العالم: يعيش منذ ما يقارب ثمانية عقود داخل خرائط مرسومةٍ بالدم، حيث تختلط رائحةُ البارود برائحة النفط.

رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى