خاص tvrمقالات رأي حر

التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط: بين صراع المحاور وحلم «إسرائيل الكبرى»

"تحليل سياسي معمّق حول أسباب تشكيل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحلم إسرائيل الكبرى، وعلاقة التصعيد في أفغانستان وباكستان باحتمالات الحرب الكبرى وإعادة رسم خرائط المنطقة."

التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط: بين صراع المحاور وحلم «إسرائيل الكبرى»

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتسارع التحالفات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وقع حروب مفتوحة وأخرى مؤجلة. من الحدود الأفغانية – الباكستانية المشتعلة، إلى التهديدات المتصاعدة ضد إيران، وصولاً إلى تصريحات دبلوماسية أميركية مثيرة للجدل حول «أحقية» إسرائيل بضم أراضٍ عربية… تبدو المنطقة وكأنها أمام إعادة رسم خرائط كبرى قد لا تقف حدودها عند جغرافيا معينة.

أولاً: لماذا تتشكل التحالفات الإقليمية الآن؟

تتشكل التحالفات عادةً في أوقات التحولات الكبرى، عندما تشعر الدول بوجود تهديد وجودي أو فرصة استراتيجية نادرة. واليوم، هناك أربعة عوامل رئيسية تدفع نحو اصطفافات جديدة:

1- الفراغ الاستراتيجي: الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021، والتردد الغربي في حسم ملفات إقليمية، خلق فراغًا تسعى قوى إقليمية ودولية لملئه.

2- تصاعد الصراع مع إيران: التهديد المتكرر بضربة أميركية أو إسرائيلية لإيران يعيد ترتيب حسابات الأمن القومي لدول الخليج وتركيا وباكستان.

3- المشروع الإسرائيلي التوسعي: الخطاب السياسي داخل إسرائيل لم يعد يخفي أطروحات «إسرائيل الكبرى»، ما يعمّق المخاوف العربية.

4- التحولات في موازين القوى العالمية: صعود الصين، عودة روسيا، وتنامي دور الهند، عوامل تجعل المنطقة ساحة صراع نفوذ عالمي مفتوح.

ثانياً: التصريحات الأميركية… هل هي شرعنة للتوسع؟

الجدل تصاعد بعد تصريحات منسوبة إلى السفير الأميركي في إسرائيل حول أحقية إسرائيل بضم أراضٍ من دول عربية بينها مصر والسعودية. مثل هذه التصريحات، إن صحت دلالاتها السياسية، تتجاوز الرأي الشخصي لتلامس موقعًا دبلوماسيًا رسميًا، ما يطرح أسئلة خطيرة حول وجود تحوّل في العقيدة السياسية الأميركية تجاه حدود إسرائيل.

في الداخل الإسرائيلي، لا يخفي رئيس الحكومة تمسكه بخطاب أمني توسعي مدعوم من قوى اليمين الديني والقومي، حيث يُعاد طرح مفهوم «من النيل إلى الفرات» كتصور أيديولوجي – سياسي يتجاوز حدود عام 1967، ويعتمد على فرض وقائع ميدانية تتحول لاحقًا إلى معادلات سياسية.

ثالثاً: ضربة أميركية لإيران… مدخل الحرب الكبرى؟

أي هجوم أميركي مباشر على إيران لن يكون عملية عسكرية محدودة، بل قد يشكّل الشرارة لحرب إقليمية شاملة للأسباب التالية:

  • امتلاك إيران شبكة تحالفات عسكرية في لبنان والعراق وسوريا واليمن.
  • احتمال تحوّل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة دولية مفتوحة.
  • وقوع دول الخليج في دائرة الرد الإيراني المباشر.
  • دخول إسرائيل المواجهة سواء عبر ضربات استباقية أو ردود عسكرية متبادلة.

بمعنى آخر، الضربة على إيران قد تكون «المفتاح» لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يتقاطع مع طموحات إسرائيل بتغيير موازين القوى الإقليمية بشكل جذري.

رابعاً: الحرب بين باكستان وأفغانستان… صدفة أم جزء من المشهد؟

التصعيد على خط ديورند بين أفغانستان وباكستان لا يمكن فصله عن السياق الأوسع. باكستان، الحليف التقليدي للسعودية، تواجه ضغوطًا أمنية على حدودها مع أفغانستان، في ظل رفض طالبان تسليم قيادات «طالبان باكستان» المتواجدة داخل الأراضي الأفغانية.

انشغال دولة بحجم باكستان في نزاع حدودي يستنزف قدراتها، يضعف أي محور إقليمي قد يتشكل لموازنة النفوذ الإيراني أو الإسرائيلي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تؤدي الصراعات البينية في العالم الإسلامي إلى تفكيك أي جبهة موحدة في لحظة مصيرية؟

خامساً: محور مقابل محور

تتحدث تقارير عن اصطفافات جديدة تضم دولاً آسيوية وأوروبية إلى جانب إسرائيل، مقابل تقارب بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان. زيارة مسؤولين دوليين رفيعي المستوى إلى تل أبيب خلال الأشهر الماضية عززت الانطباع بوجود تقاطع مصالح استراتيجي يعيد تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة.

في المقابل، أي تصعيد ضد إيران قد يدفع دولًا إقليمية لإعادة تموضعها، إما دفاعًا عن مصالحها، أو تحسبًا لمرحلة «ما بعد إيران» التي قد تشهد إعادة توزيع أدوار ونفوذ.

هل نحن أمام إعادة رسم خرائط؟

الشرق الأوسط شهد سابقًا اتفاقية سايكس – بيكو، ثم قيام إسرائيل، ثم حروب الخليج، ثم الربيع العربي. اليوم قد نكون أمام مرحلة جديدة عنوانها:

  • إعادة ترسيم حدود فعلية أو غير معلنة.
  • فرض وقائع عسكرية تتحول لاحقًا إلى خرائط سياسية.
  • إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية.
  • محاولة إنشاء نظام إقليمي جديد قائم على تحالفات أمنية عابرة للحدود.

الخلاصة

ما يجري بين أفغانستان وباكستان ليس حدثًا معزولًا، وما يُطرح حول ضم أراضٍ عربية ليس مجرد تصريح عابر، وما يُحكى عن ضربة لإيران ليس سيناريو نظريًا فقط.

إنها لوحة واحدة مترابطة: صراع محاور، إعادة توزيع نفوذ، اختبار إرادات، ومحاولة فرض واقع جيوسياسي جديد.

السؤال لم يعد: هل ستتغير خريطة الشرق الأوسط؟
بل: من سيكتب حدودها هذه المرة… وبأي ثمن؟

✍️ رشيد الخطيب


رشيد الخطيب

كاتب ومحلل سياسي شغل مناصب عديدة في مجال الصحافة والإعلام ،له العديد من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية نشرت في عدة مواقع . معد ومقدم برنامج منحكي بلدي على قناة نور العرب الفضائية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى