حين يتكلم الركام… وتفضح الأنقاض دولة غائبة.

حين يتكلم الركام… وتفضح الأنقاض دولة غائبة
لم يكن انهيار المبنى في منطقة باب التبانة عصر يوم أمس الأحد حادثاً عرضياً، ولا رقماً جديداً في سجل الكوارث اللبنانية المنسية. كان صوتاً خرج من تحت الركام، ومن بين الغبار والدم، ليقول ما عجزت عنه البيانات الرسمية: هذه مدينة تُترك للموت بقرار سياسي.
في أحد أفقر أحياء طرابلس وأكثرها تهميشاً، انهار مبنى قديم مؤلف من عدة طوابق، يضم قسمين يحتوي كل منهما على ست شقق، وكان يقطنه نحو 22 شخصاً لحظة الانهيار. ووفق ما أعلن المدير العام للدفاع المدني العميد عماد خريش، انتشلت فرق الإنقاذ جثامين تسعة أشخاص من تحت الأنقاض، فيما جرى إنقاذ عشرة آخرين نُقل ستة منهم إلى المستشفيات، على أن تبقى الحصيلة غير نهائية مع استمرار عمليات البحث.
لكن المأساة لا تُختصر بعدد الضحايا، بل بما سبق الانهيار. فهذا المبنى لم يسقط فجأة، ولم يكن خطره مجهولاً. ملف الأبنية المتصدعة في طرابلس معروف منذ أكثر من ست سنوات، والتقارير الهندسية موجودة، والتحذيرات رُفعت مراراً، إلا أن الإهمال الحكومي ظل سيد الموقف، في مشهد يؤكد أن ما جرى لم يكن قدراً، بل نتيجة مباشرة لسياسات متعمدة في تجاهل المدينة.
ولو أردنا مقارنة حال شوارع وطرقات طرابلس مع غيرها من المدن اللبنانية، لوجدنا أن المال العام يُنفق في غير طرابلس، فيما تُترك المدينة تتآكل حجراً فوق حجر، وسكانها ينامون كل ليلة تحت تهديد سقف قد ينهار في أي لحظة.
أمام هذا الواقع، عقد المجلس البلدي في طرابلس مساء أمس مؤتمراً صحفياً برئاسة رئيسه عبد الحميد كريمة، أعلن خلاله وضع الاستقالة الجماعية للمجلس بتصرف وزير الداخلية، كردة فعل على تقصير الحكومة في معالجة ملف الأبنية المتصدعة، في خطوة تعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه المدينة.
سياسياً، توزعت مواقف نواب طرابلس بين من طالب الحكومة بالاستقالة، ومن حمّلها المسؤولية الكاملة عمّا جرى، إلا أنهم أجمعوا على التحذير من الذهاب إلى خطوات تصعيدية أكبر، وصولاً إلى الاستقالة من المجلس النيابي، في حال لم تبادر الحكومة إلى معالجة فورية وجدية لهذا الملف القاتل.
وفي الشارع، لم يعد الغضب قابلاً للاحتواء. تظاهرات جوّالة اجتاحت أحياء طرابلس، واتجهت نحو منازل السياسيين والمسؤولين، وألحقت أضراراً ببعض الممتلكات الخاصة والعامة، في تعبير عن احتقان مدينة تحترق بنار الإهمال. كما توجه عدد من الشبان نحو فندق «الكواليتي» في محاولة لإجبار إدارته على فتح أبوابه لاستقبال الناجين والمهجّرين، في ظل وجود نحو ألف مبنى مهدد بالسقوط، وفق كشف سابق أعدّته اللجنة الهندسية في بلدية طرابلس.
وأمام هذا المشهد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أين تذهب أموال الضرائب التي تُجبى من طرابلس، ثاني أكبر مدينة في لبنان؟ فطرابلس، التي يُعد أبناؤها من أكثر الفئات التزاماً بتسديد الفواتير والرسوم، تُترك بلا إنماء، وبلا حماية، وبلا حد أدنى من العدالة، فيما تُصرف أموالها في أماكن أخرى، في حين أن مناطق لا تدفع للدولة أساساً تنعم بالخدمات.
في باب التبانة، لم يسقط مبنى فقط. سقط وهم الدولة، وسقطت معه كل ذرائع الصمت. وحين يتكلم الركام، تصبح الأنقاض أخطر شهادة على جريمة إهمال مستمرة بحق مدينة اسمها طرابلس.
✍️ رشيد الخطيب
🔖 Keywords: طرابلس، باب التبانة، انهيار مبنى، الإهمال الحكومي، الأبنية المتصدعة، الدفاع المدني، ضحايا الانهيار، غضب الشارع الطرابلسي، بلدية طرابلس
📝 Description: مقال وجداني عن انهيار مبنى في باب التبانة بطرابلس، يفضح الإهمال الحكومي المستمر ويطرح أسئلة جوهرية حول مصير المدينة وحقوقها المنهوبة.












