عندما تنهش النخب نفسها: تسريبات إبستين ومعركة إسقاط النظام العالمي
إبستين، تسريبات إبستين، فضائح إبستين، دونالد ترامب، غرينلاند، الصراع الأميركي الأوروبي، فلاديمير بوتين، حفل مصاصي الدماء، الدولة العميقة، النخب العالمية، النظام العالمي

عندما تنهش النخب نفسها: تسريبات إبستين ومعركة إسقاط النظام العالمي
بقلم: رشيد الخطيب
عاد اسم رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين بقوة إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي العالمي، مع موجة جديدة من التسريبات والوثائق التي أعادت فتح واحد من أخطر الملفات المرتبطة بالنخب السياسية والمالية والإعلامية التي تُمسك بمفاصل النظام العالمي القائم.
لماذا سُرّبت فضائح إبستين في هذا التوقيت؟
توقيت إعادة تحريك ملف إبستين لا يبدو عشوائيًا، بل يتقاطع مع مرحلة دقيقة يمرّ بها النظام الدولي، في ظل تصاعد الصراعات داخل المعسكر الغربي نفسه، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتنامي الانقسامات بين مراكز النفوذ التقليدية.
التسريبات جاءت في لحظة عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي كلاعب مقلق للنخب الحاكمة، بعد أن كسر خلال ولايته السابقة قواعد غير مكتوبة، واصطدم بالحلفاء الأوروبيين، وفتح ملفات سيادية شديدة الحساسية.
غرينلاند… شرارة الصراع العميق بين ترامب وأوروبا
لم يكن طرح دونالد ترامب المتعلق بـغرينلاند مجرد تصريح عابر، بل شكّل صدمة استراتيجية داخل المنظومة الغربية، كاشفًا هوة عميقة بين واشنطن وأوروبا حول النفوذ، والموارد، ومستقبل السيطرة على القطب الشمالي.
هذا الصدام، الذي دفع أطرافًا أوروبية – وفي مقدمتها فرنسا – إلى التعامل بواقعية قسرية مع الطرح الأميركي، فتح شرخًا غير مسبوق داخل الحلف الغربي، وأعاد طرح سؤال القيادة: من يقود ومن يفرض الشروط؟
هل تُستخدم تسريبات إبستين لضرب ترامب في الصميم؟
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل أُعيد فتح ملف إبستين في هذا التوقيت كجزء من معركة سياسية تستهدف دونالد ترامب شخصيًا؟
فالرجل الذي واجه الدولة العميقة، وتمرّد على النخب التقليدية، وأجبر الحلفاء على الرضوخ لمعادلات جديدة، بات يشكّل خطرًا مباشرًا على منظومة اعتادت إدارة العالم بهدوء ومن خلف الستار.
ويرى محللون أن تسريبات إبستين قد لا تُستخدم لكشف الحقيقة بقدر ما تُستثمر كسلاح تشويه استراتيجي، هدفه إقصاء لاعبين غير مرغوب فيهم، أو تقويض عودتهم السياسية قبل أن تكتمل.
ما هي أهداف هذه التسريبات؟
بعيدًا عن البعد الأخلاقي والقضائي، تبدو أهداف التسريبات أعمق، ومن أبرزها:
- إعادة ضبط ميزان القوى داخل النظام الغربي.
- ضرب شخصيات خارجة عن طاعة النخب التقليدية.
- إضعاف أي خطاب إصلاحي يهدد المنظومة.
- تحويل الفضائح إلى أدوات ابتزاز سياسي متبادل.
ارتدادات خطيرة على النظام العالمي
خطورة فضائح إبستين لا تكمن فقط في طبيعة الأفعال، بل في هوية الأسماء المتداولة، وهي شخصيات تمثل ركائز القرار السياسي والمالي والإعلامي العالمي، ما يعمّق أزمة الثقة بين الشعوب والمؤسسات.
هذا الواقع يعزز القناعة بأن الصراعات الكبرى لم تعد تُدار عبر المؤسسات الرسمية، بل عبر ملفات سوداء تُفتح وتُغلق وفق موازين القوى.
بوتين: حفل مصاصي الدماء يشارف على نهايته
في مقاربته لهذه الملفات، لم يُخفِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توظيفه السياسي لهذه الفضائح، معتبرًا أن الغرب الذي يقدّم نفسه كحارس للقيم والديمقراطية، يعيش أزمة أخلاقية عميقة.
وفي توصيف لافت، شبّه بوتين هذه النخب بشبكة طفيلية تعيش على حساب الشعوب، ملمّحًا إلى أن ما يجري اليوم يؤكد أن “حفل مصاصي الدماء شارف على نهايته”، في إشارة إلى اقتراب سقوط المنظومة التي حكمت العالم لعقود من خلف الستار.
ورغم تجنّب الكرملين التعليق المباشر على الأسماء الواردة في التسريبات، إلا أن الخطاب الروسي يستخدم ملف إبستين كدليل إضافي على فقدان الغرب لشرعيته الأخلاقية في قيادة النظام العالمي.
هل نحن أمام انهيار وشيك للنظام العالمي؟
قد لا يكون الانهيار فوريًا، لكن المؤكد أن النظام العالمي الحالي يمرّ بمرحلة تصدّع بنيوي. تسريبات إبستين ليست السبب، بل أحد أعراض صراع داخلي محتدم على من يحكم العالم وبأي أدوات.
ومع تراجع الهيمنة الأحادية وصعود التعددية القطبية، تبدو النخب التقليدية في موقع دفاعي، تستخدم فيه كل ما تملك من أوراق، بما فيها الفضائح، للحفاظ على نفوذها.
خلاصة
ما يجري حول ملف إبستين يتجاوز حدود الفضيحة، ويدخل في صلب معركة النظام العالمي. وعندما تبدأ النخب بنهش نفسها، فهذا مؤشر على أن المنظومة التي حكمت العالم لعقود لم تعد قادرة على حماية ذاتها.







