
بين ترامب والذهب… أسرار خفية تكشف تحركات الأسواق
يُعدّ الذهب أحد أهم الملاذات الآمنة في العالم، وتتحرك أسعاره صعودًا وهبوطًا تبعًا لمعادلات دقيقة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والحروب. إلا أن اسم دونالد ترامب عاد ليطفو على سطح هذه المعادلة، مع كل توتر دولي أو تهديد عسكري أو تصعيد سياسي يقوده أو يلوّح به.
أولًا: لماذا ترتفع وتنخفض أسعار الذهب؟
ترتبط أسعار الذهب بعدة عوامل رئيسية، أبرزها:
1- التوترات الجيوسياسية: كلما ارتفعت احتمالات الحرب أو عدم الاستقرار، يتجه المستثمرون نحو الذهب كملاذ آمن، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره.
2- قوة الدولار الأميركي: العلاقة بين الذهب والدولار عكسية، فكلما ضعف الدولار ارتفع الذهب، والعكس صحيح.
3- سياسات الفائدة: رفع أسعار الفائدة يقلل جاذبية الذهب، بينما خفضها يدفع المستثمرين نحوه.
4- المضاربات في الأسواق: صناديق الاستثمار الكبرى تلعب دورًا أساسيًا في تسريع موجات الصعود أو الهبوط.
ترامب… التاجر الذي يفهم لغة الذهب
بعيدًا عن الخطاب السياسي التقليدي، يُنظر إلى دونالد ترامب على أنه تاجر قبل أن يكون رئيسًا، يفهم جيدًا لغة المال والمصالح. هذا الفهم جعله يتعامل مع السياسة كأداة ضغط اقتصادية، وليس فقط كمنصة دبلوماسية.
يرى مراقبون أن ترامب يتقن استخدام التصعيد الكلامي والتهديد العسكري كوسيلة لتحريك الأسواق، وعلى رأسها سوق الذهب، حيث يؤدي أي تهديد بحرب أو تحريك للأسطول العسكري الأميركي إلى حالة قلق عالمي تنعكس فورًا على أسعار المعدن الأصفر.
تحريك الأساطيل… رسالة للأسواق قبل الخصوم
عندما يعلن ترامب عن إرسال قطع بحرية أو تعزيز وجود عسكري في منطقة ساخنة، لا تكون الرسالة موجهة فقط إلى الخصوم، بل أيضًا إلى الأسواق المالية العالمية. فهذه الخطوات غالبًا ما تسبق ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الذهب، نتيجة حالة الذعر المدروس التي تصيب المستثمرين.
وبحسب تحليلات اقتصادية، فإن هذا النوع من التصعيد يخدم مصالح شبكات استثمارية قادرة على جني أرباح سريعة من تقلبات الذهب، سواء عبر الشراء المسبق أو المضاربة على العقود الآجلة.
إيران كمثال تطبيقي على لعبة التهويل
يبرز ملف إيران كمثال حيّ على هذا الأسلوب، إذ ترافقت مرحلة تصاعد الحديث عن ضربة عسكرية محتملة، لم ينفِها ترامب في حينه، مع ارتفاع هستيري في أسعار الذهب نتيجة القلق العالمي من اندلاع مواجهة إقليمية كبرى. هذا التصعيد الإعلامي والسياسي دفع المستثمرين إلى الاحتماء بالمعدن الأصفر، فحلّق سعره خلال فترة قصيرة.
غير أنّ الضربة العسكرية لم تقع، ومع تلاشي التهديد وتراجع حدّة الخطاب، انخفض منسوب التوتر تدريجيًا، لتتراجع أسعار الذهب بعد موجة صعود حادّة. هذا السيناريو، القائم على التهويل دون التنفيذ، أتاح فرصة جني أرباح مالية كبيرة لمن أحسن توقيت الدخول والخروج من السوق، في مشهد يعكس ذهنية ترامب التجارية التي توظّف السياسة كأداة ضغط مؤقتة، لا كمسار حتمي نحو الحرب.
المصالح الخاصة وفريق الدعم
يتهم منتقدو ترامب إدارته بأنها لم تكن بعيدة عن تضارب المصالح، معتبرين أن سياساته وتصريحاته غالبًا ما تصب في مصلحة فريقه الداعم وشركائه الماليين، الذين يملكون القدرة على استثمار أي اهتزاز في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يصبح الذهب أداة مثالية لتحقيق المكاسب، كونه سريع التأثر بالأحداث السياسية وسهل التوظيف في لعبة الربح والخسارة.
بين السياسة والذهب… لعبة مفتوحة
في المحصلة، لا يمكن الجزم بوجود تحكم مباشر في أسعار الذهب، لكن المؤكد أن خطاب ترامب، وتحركاته العسكرية، ونهجه القائم على المصالح تشكل عوامل ضغط حقيقية على الأسواق، تجعل الذهب أول المستفيدين من مناخ التوتر وعدم اليقين.
وهكذا، يبقى المعدن الأصفر شاهدًا على زمن تتحول فيه السياسة إلى أداة استثمار، وتصبح التهديدات العسكرية جزءًا من لعبة المال العالمية.
بقلم: رشيد الخطيب








