الاعتداء على أساتذة التعليم الرسمي أمام مجلس النواب: سقوط أخلاقي يطال هيبة الدولة
امس، أمام مجلس النواب اللبناني، لم تكن مظاهرة الأساتذة مشهدًا عابرًا في يوم سياسي عادي، بل تحوّلت إلى محطة سوداء في تاريخ العلاقة بين الدولة ومعلميها.

أمس تعرّض أساتذة التعليم الرسمي في لبنان للضرب والإهانة، فقط لأنهم طالبوا بحقوقهم المشروعة،
ولأنهم قالوا إنهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار في تعليم أجيال كاملة وهم مكسورو الكرامة.
ما حدث امس ليس حادثة أمنية، بل سقوط أخلاقي خطير يطاول صورة الدولة واحترامها للتعليم.
في الدول التي تحترم التعليم، يُنظر إلى الأستاذ كحجر الأساس لكل المهن،
لأن انهياره يعني انهيار المجتمع بأكمله.
أما في لبنان، فقد وصلنا إلى مرحلة يُهان فيها من يصنع العقول،
ويُضرَب من يبني المستقبل.
المعلّم هو الأساس… لا العبء
علينا أن نقولها بوضوح، بعيدًا عن الشعارات:
المعلّم هو أساس كل المهن.
هو من علّم الطبيب قبل أن يدخل غرفة العمليات،
وهو من علّم المهندس قبل أن يرسم حجرًا،
وهو من علّم القاضي قبل أن ينطق حكمًا.
ذلك الأستاذ الذي ضُرب اليوم أمام مجلس النواب،
هو نفسه الذي يعلّم أولادنا في المدارس الرسمية،
يجلس أمامهم يوميًا، لا كموظف، بل كصاحب رسالة،
يحاول أن يحمي ما تبقّى من معنى التعليم في لبنان وسط الانهيار الاقتصادي والمعيشي.
أي رسالة نرسلها للأجيال؟
أي صورة نزرعها في وعي الطلاب حين يرون أستاذهم
يُهان بدل أن يُحترم،
ويُضرَب بدل أن يُسمَع،
ويُواجَه بالعنف بدل الحوار؟
كيف نطلب من التلميذ أن يحترم مدرسته،
إذا كانت الدولة لا تحترم معلّمه؟
الإهانة ليست للأستاذ وحده
ما جرى اليوم ليس إهانة لفئة مهنية فقط،
بل إهانة لفكرة التعليم،
ولهَيْبة الدولة،
ولمستقبل الوطن.
قالت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل:
«قوة الأوطان لا تُبنى بالمال فقط، بل بالعقول التي تصنعها».
والعقول لا تُصنع بالهراوات،
بل بالاحترام،
وبالاستثمار في الإنسان،
وبحماية المعلّم.
كلمة أخيرة
إذا انهار الأستاذ، انهار التعليم.
وإذا انهار التعليم، انهار المجتمع بأكمله.
ما حصل اليوم معيب،
والصمت عنه أكثر عيبًا.
فالكرامة التي تُنتزع من المعلّم اليوم،
قد تُنتزع غدًا من كل بيت لبناني.
الدكتورة نور الهدى غريب






