ما بعد إسقاط النظام الإيراني: حين يتحوّل التغييرُ إلى إعادةِ إنتاج الهيمنة*

*بقلم أ. د. هلا رشيد أمون*
ليست المعضلةُ في سقوط الأنظمة القمعيّة بحدِّ ذاته، بل في النظام الذي يُستجلَب بعدها. فالتاريخ الحديث يُبيّنُ بوضوحٍ أنَّ التدخّل الخارجيّ لا يهدف إلى تحرير الشعوب، ولا إلى إنصاف المقموعين، بل إلى إعادة تركيب السلطة بما يخدم مصالح القوى المُتدخّلة.
وما يجري اليوم في إيران، كما جرى سابقاً في بغداد واليمنِ، ويُعاد تسويقُه في فنزويلا، ليس سوى تجلٍّ جديدٍ لنمطٍ واحد يتكرر: سقوطٌ موجَّه، وسلطةٌ تؤدّي وظيفةً مرسومةً سلفاً.
القوى الكبرى لا تتحرّك بدافعٍ أخلاقيّ، بل حين تتقاطعُ الأزماتُ الداخلية والتململُ الشعبي مع مصلحةٍ استراتيجيةٍ خارجية واضحة. عندها، يصبح «التحرير» مجرد عنوانٍ وخطاب، بينما تكون الغايةُ الفعلية إنتاجَ نظامٍ أكثر طواعيةً وتبعيةً، لا أكثر عدلاً.
*من بغداد إلى فنزويلا: وهمُ التحرير وإعادةِ رسم خرائط النفوذ*
في بغداد، لم يُسقَط النظامُ من أجل تعزيز الحرية أو فتح أفقٍ ديمقراطيّ، بل لتفكيك كيان الدولة، وإعادة هندسته على أسسٍ وظيفيّةٍ وطائفيّةٍ تخدم توازناتٍ إقليميّةً جديدة.
وفي اليمن، لم يكن الصراع يوماً على «الشرعية»، بل على تحويل بلدٍ بكامله إلى ساحةِ استنزافٍ دائم، تُدار من الخارج وتُنفَّذ بأدواتٍ محلية.
أما في أفغانستان، فلم يكن الانسحابُ الأميركيّ نهايةَ الاحتلال، ولا انتصاراً لإرادة الشعب، بل إعادةَ تسليم البلد إلى سلطةٍ قادرةٍ على ضبطه بأقلِّ كلفةٍ، ضمن منطق إدارة الفوضى لا إنهائها.
وفي فنزويلا، لم يكن الفقر ولا المخدرات سوى الذريعة. الهدفُ الحقيقيّ كان وضعَ اليد على الموارد، وإعادةَ إدماجِ الدولة قسراً في منظومة الهيمنة الغربية وفق شروطها.
في كلِّ هذه الحالات، لم يكن النظام اللاحق شريكاً في القرار، ولم يأتِ ما بعد السقوط أقلَّ عنفاً ولا أكثر عدالةً، بل أكثر هشاشةً وتبعيّة.
فالسلطة التي أُعيدَ تشكيلُها بعد التدخّل لم تُبنَ لخدمة شعوبها أو لرفع الظلم، بل لتكون أداةً في تنفيذ أجندةٍ إقليمية ودولية.
وهذا يؤكد أنَّ «السقوط» الذي يُفرَض أو يُوجَّه من الخارج لا يُنتج تحرراً، بل انتقالاً من هيمنةٍ فجّة إلى هيمنةٍ أكثر تعقيداً . تتغيّر الشعاراتُ، وتتبدّل الوجوه، لكنّ البنية العميقة للسيطرة تبقى.
*سقوطُ طهران … وزلزالُ الخليج المؤجَّل*
رغم أنّ إيران تختلف عن بقية الدول بعمقها الحضاريّ وبنيتها المركزيّة وطبقتها البيروقراطيّة، إلا أنها تقف على العتبة نفسها.
الاحتجاجاتُ حقيقية، والغضبُ مفهوم، ولا يمكن إنكار عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية. لكنّ الخطر لا يكمن في سقوط نظام الملالي بحدِّ ذاته، ولا فقط في ما قد يعقبهُ من تفكّكٍ لبنيةِ الدولة نتيجة التركيبة العرقيّة والمذهبيّة، والصراعِ المحتمل بين قوى محليةٍ ودولية على وراثة النظام القديم.
الخطرُ الحقيقيّ يكمن في هُويَّة النظام الذي قد يُركَّبُ بعده، بعد إفراغ الاحتجاجات من بُعدها التغييريّ، وتحويلِها إلى مدخلٍ لإعادةِ هندسةِ السلطة. والسيناريو الأخطرُ استراتيجياً يتمثّلُ في قيام نظامٍ إيرانيّ جديدٍ موالٍ بالكامل لواشنطن وتل أبيبَ. وهنا لا نتحدث عن تغييرٍ داخليّ في طهران، بل عن زلزالٍ جيوسياسيّ يطال الخليج ومضيق هرمز الذي يشكل شرياناً حيوياً للأمن والطاقة والاقتصاد العالمي.
وجودُ نظامٍ متحالفٍ مع إسرائيل على الضفّة المقابلة للخليج يعني اختراقاً استراتيجياً غير مسبوقٍ للأمنِ الخليجيّ. تمدّداً إسرائيلياً مباشراً إلى الممرّات المائيّة الحسّاسة. تطويقاً جغرافياً وسياسياً لدول الخليج من الشمال والغرب
إنّه انتقالُ إسرائيل من لاعبٍ بعيدٍ إلى جارٍ بحريّ مباشر.
هنا يُطرح السؤال التالي: هل تمتلك دولُ الخليج خطّةً جاهزةً لمواجهة مشروعٍ إسرائيليٍّ يتحالف مع إيران ما بعد السقوط، ويصبح على حدودها المائيّة؟ الرهانُ على أنَّ النظام الجديد سيكون «أقلَّ خطراً» لأنّه مُعادٍ للملالي هو رهانٌ ساذج. فنظامٌ يُنشَأُ برعايةٍ أمريكيّة – إسرائيليّةٍ لن يكون عامل توازنٍ، بل جزءاً من منظومةِ تطويقٍ وضبط.
في منطق الهيمنة الحديثة، تتحوّلُ الدولةُ إلى نظامٍ وظيفيٍّ لا يُطلَبُ منه تحقيقُ التنميةِ أو العدالة، بل توفيرُ استقرارٍ قابل للإدارة. الأزماتُ لا تُحلّ، بل تُضبَط؛ والفوضى لا تُنهى، بل تُدار. وهكذا، تصبح شرعيّةُ النظام الجديد مستمدّةً من الخارجِ لا من الداخل، فيتحوّلُ الحُكمُ إلى عَقدِ تبعيّةٍ لا إلى تفويضٍ شعبيّ.
وبهذا المعنى، فإنَّ سقوطَ النظامِ الإيرانيِّ لا يضمن زوال الخطر، بل قد ينقله من خطرٍ غير مباشرٍ إلى تهديدٍ مباشرٍ ومكشوف.
وحين يُعادُ رسمُ خرائطِ النفوذ،
لا يُستشارُ الضعفاء.
*الخاتمة*
لسنا في موقعِ الدفاعِ عن أنظمةٍ قمعيّةٍ، ولا في موقعِ تبرير الطغيان باسم السيادة، وتحذيرُنا من التدخل الخارجي لا يعني مصادرة حقِّ الشعوب في التغيير، لكنّ إسقاط الأنظمة الذي يُدار من الخارج ليس تحرّراً، بل مرحلةٌ من مراحل إعادةِ إنتاجِ الهيمنة وإعادةِ توزيع أدوات السيطرة.
نظامُ الملالي نفسه كان أداةً وظيفيّةً ضمن هندسةٍ إقليميّةٍ سمحت له بتفتيت المجتمعات العربية، وإضعاف الدول والجيوش، تحت أعينِ ورعاية قوى دولية.
وكما جرى استحضارُ الخمينيّ من منفاه، وتجهيزُه أوروبياً ليكون بديلاً عن نظام الشاهِ – شرطيِّ الخليج وحليف الغرب آنذاك – عبر انقلابٍ شعبيّ سُمّي «ثورةً»، يُستحضَر اليوم رضا بهلوي، نجلُ شاهِ إيران المخلوعِ في العامَ 1979، بوصفه بديلاً محتملاً لنظام الملالي. وأيُّ نظامٍ بديلٍ يُصنَعُ بهذه الطريقة لن يكون أقلَّ تبعيّةً، بل أكثر انسجاماً مع المصالحِ الأمريكية والإسرائيلية.
وإلى جانبِ سيناريو السقوط، هناك سيناريو آخر محتمل: أن تُسلِّمَ إيران مفاتيحها بهدوءٍ، وتضع أوراقها كاملةً على طاولة واشنطن، في استسلامٍ غيرِ مكتوبٍ. عندها، ستتكشّف النوايا الحقيقيّةُ للبيت الأبيض الذي يحرِّض الإيرانيين على مواصلة التظاهر والاستيلاء على مؤسساتهم ويعِدُهُم بأنَّ المساعدة قادمة: فهو لا يريد إسقاطَ النظام ولا قتل رأسه، بل كسرهُ من الداخل، وتحويله إلى نظامٍ منزوعِ الأنياب، مقلَّم الأظافر، مطواعٍ، منزوعٍ من أوراق الضغط التي لطالما استخدمها للتفاوض، تُبقيه الهيمنةُ الأميركيّة قائماً ما دام يؤدي أدواره المطلوبة. وهذا ما سيجعل الصراع دائراً حول إعادة تطويع الدولة، لا تفكيكها.






