إيران بعد سقوط نظام الملالي: سيناريو الانهيار الكبير وصراع اليوم التالي..

لم يعد نظام الملالي في إيران محصّنًا كما في السابق. فالتصدّعات الداخلية، والإنهاك الاقتصادي، وتآكل القبضة الأمنية، جعلت فرضية السقوط أقرب إلى واقع محتمل لا مجرّد تمنٍّ سياسي. غير أنّ السؤال الجوهري لم يعد: هل يسقط النظام؟ بل: ماذا سيحدث لإيران بعده؟
لحظة السقوط: فراغ السلطة أخطر من النظام نفسه.
انهيار النظام المركزي في طهران سيُنتج فراغًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا، لن يبقى محصورًا داخل الحدود الإيرانية. فالدولة التي حكمها منطق “المرشد” ستجد نفسها فجأة بلا مرجعية جامعة، ما يفتح الباب أمام صراع مراكز قوى داخلية وخارجية على حدّ سواء.
غياب سلطة انتقالية واضحة قد يحوّل إيران إلى مسرح تنافس إقليمي، خصوصًا في ظل التركيبة العرقية والمذهبية المعقّدة، وتاريخ طويل من القمع والتهميش.
*التدخّلات الإقليمية والعربية: *
سباق النفوذ واستعادة الحسابات القديمة
الدول المجاورة لن تقف موقف المتفرّج، بل ستتعامل مع سقوط النظام كفرصة استراتيجية لإعادة ترتيب ميزان القوى:
السعودية ستتحرّك سياسيًا وأمنيًا لمنع نشوء فراغ يُعيد إنتاج التطرّف، وستسعى إلى دعم قوى إيرانية أقل عدائية تجاه الخليج والعالم العربي.
الإمارات العربية المتحدة ستتعامل مع الانهيار الإيراني من زاوية سيادية وأمنية مباشرة، لا سيما في ملف الجزر الإماراتية الثلاث، إضافة إلى مضيق هرمز الذي يشكّل شريانًا حيويًا للأمن والاقتصاد العالمي. أبو ظبي لن تقبل باستمرار واقع فرضته طهران بالقوة، وقد تتحرّك دبلوماسيًا، وربما أمنيًا، لضمان إعادة تثبيت حقوقها ومنع تحوّل المضيق إلى بؤرة فوضى أو ابتزاز دولي.
العراق، المتداخل أمنيًا وجغرافيًا مع إيران، سيجد نفسه مضطرًا للتدخّل الوقائي لضبط حدوده ومنع ارتداد الفوضى إلى الداخل العراقي، خصوصًا مع وجود فصائل فقدت مرجعيتها الإيرانية.
الأكراد سيعتبرون المرحلة لحظة تاريخية لإعادة طرح مطالب الحكم الذاتي أو الفيدرالية، ما يضع الدولة الإيرانية الجديدة أمام تحدّي وحدة الكيان.
أما الداخل الإيراني نفسه، فسيشهد صراعًا مفتوحًا بين قوى قومية، مدنية، وعسكرية سابقة، في سباق محموم على وراثة الدولة المنهارة.
الاقتصاد أول الضحايا: دولة مفلسة وشعب مُنهك.
*سقوط النظام سيكشف حجم الخراب الحقيقي:*
عملة شبه معدومة القيمة،
مؤسسات مصرفية مشلولة،
احتياطات نقدية مستنزفة،
واقتصاد ريعي عاش على الالتفاف على العقوبات لا على الإنتاج.
الملايين سيهبطون تحت خط الفقر، وسترتفع نسب البطالة والتضخّم بشكل غير مسبوق، ما يجعل الاستقرار المعيشي التحدّي الأول لأي سلطة انتقالية. الأخطر أنّ الدولة الجديدة ستولد بلا ثقة داخلية ولا مصداقية مالية خارجية.
*الدعم الغربي: معركة المال والثقة*
الغرب لن يتأخّر في عرض المساعدة، سواء عبر قروض أو برامج “إعادة دمج” إيران في النظام المالي العالمي.
لكن المشكلة ليست في الأموال، بل في ثقة الشارع الإيراني.
فشعب جرى تلقينه عقودًا خطاب العداء للغرب، لن يمنح ثقته بسهولة لمشاريع تحمل توقيع واشنطن أو بروكسل.
أي دعم خارجي سيفشل إن لم يكن:
إصلاحيًا لا وصائيًا،
شفافًا لا مشروطًا سياسيًا،
ومُدارًا عبر مؤسسات وطنية لا نخب معزولة.
*إعادة بناء الدولة: المليارات لا تصنع دولة*
إيران ما بعد الملالي ستحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة:
بنى تحتية منهارة،قطاع صحي وتعليمي مستنزف،وأجهزة أمنية تحتاج لإعادة هيكلة جذرية.
التقديرات تتحدّث عن حاجة لمئات مليارات الدولارات، لكن التحدّي الحقيقي سياسي قبل أن يكون ماليًا:
ما شكل النظام؟
مدني أم ديني مُعاد تدويره؟
مركزي أم فيدرالي؟
وما هو الدور الإقليمي لإيران بعد سقوط مشروع “تصدير الثورة”؟
*لبنان في قلب الارتدادات: سقوط الراعي وانكشاف الوكيل*
لبنان سيكون من أكثر الساحات تأثّرًا. فسقوط النظام الإيراني سيُسقط معه الغطاء السياسي والعقائدي والمالي لـ«حزب الله»، ما يضعه أمام تحوّل وجودي حاسم: إمّا الاندماج التدريجي في الدولة اللبنانية بشروط داخلية ودولية جديدة، أو الانكفاء وفقدان الدور الإقليمي.
هذا التحوّل قد يفتح نافذة لإعادة التوازن الداخلي، وإعادة طرح ملف السلاح خارج الدولة ضمن تسوية شاملة، شرط ألّا تتحوّل اللحظة إلى صراع داخلي جديد.
سقوط نظام الملالي، إن حصل، لن يكون نهاية الأزمة الإيرانية بل بدايتها الحقيقية. فبين التفكّك الداخلي، والتدخّلات الإقليمية، وضغوط الغرب، تقف إيران أمام أخطر اختبار في تاريخها الحديث.
الانهيار قد يكون لعنة… أو فرصة أخيرة.
لكن المؤكّد أنّ الزلزال الإيراني لن يبقى داخل حدوده، بل سترتدّ موجاته من مضيق هرمز إلى بيروت.
بقلم رشيد الخطيب









