الأخوان الصباغ إبداع الحاضر بنكهة الماضي.


الإبداع هو أن يجعل الشخص الأشياء مميزة أكثر وأن يرى ما لم يراه الآخرين حاله كحال نحات يخرج من الصخر تمثالاً ينطق بالجمال .
“مش بس عالميلاد ” ابداع مسرحي يضاف لسجل الاخوين فريد وماهر الصباغ الحافل بالأعمال الفنية الناجحة .
من فكرة بسيطة ومألوفة استطاع الاخوين الصباغ اخراج طاقتهم الابداعية واستطاعا تحويل مسرح جورج الخامس الخشبي للوحة فنية تتحدث عن احوال مجتمعنا الحالي وتعيدنا لحنين الماضي الجميل .
” مش بس عالميلاد” مسرحية غنائية قام بتأليفها واخراجها الاخوين فريد وماهر الصباغ وتمثيلها مع كوكبة من نجوم التمثيل اللبناني، تحدثت المسرحية عن تراجيديا الواقع بأسلوب كوميدي قد جذب الحضور المتلهف لعودة الضحكة المفقودة تلك الضحكة التي كان يملأ صداها صالات المسارح أبان الزمن الجميل، زمن الرحابنة وفيروز ونصري شمس الدين وغيرهم من عمالقة الفن والمسرح.
عندما دعيت لحضور هذه المسرحية لم أكن اتوقع الإنبهار بما سأشاهده لاسيما بالظروف الصعبة التي يمر بها وطننا الحبيب والتي تنعكس سلبا على أي عمل قد يقدم في هذه الظروف، لكنني تفاجأت بالأداء المتكامل والمنسجم بين كافة العناصر بدءً من الاداء الموسيقي والغنائي وصولاً الى الديكور.
واكثر ما جذبني البساطة والشغف وكأنني اشاهد مسرحية من زمن الرحابنة ذلك الزمن الذي كان يعتمد في اصله على فكرة بسيطة يقدمها فريق مبدع فينجز الفحوى بنجاح باهر يصل صداه ارجاء العالم وهذا ما قدمه فعلا الأخوان الصباغ في مسرحية ” مش بس عالميلاد”.
تروي المسرحية قصة ضيعة اسمها ضيعة الميلاد لم تتلوث بالتكنولوجيا ولم يتغير طبع سكانها المتناحرين الذين يحملون بداخلهم براءة أهل القرى وانتظارهم والذين لا يتوحدون سوى ليلة الميلاد لتمجيد العيد حيث منّ الله على ضيعتهم بظهور نجمة الميلاد فوقها لتجذب اليها السواح من كافة المناطق والأطياف، لكن التناحر الحاصل بين العوائل الكبرى لا سيما عائلة رئيس البلدية من جهة وعائلة المختار من جهة اخرى ادى الى انقسام اهل الضيعة لجبهتين تختلفا على ابسط المواضيع وحتى على تزيين شجرة الميلاد التي من المفروض انها تجمع الجميع من حولها، هذا التناحر الذي أدى لتفريق العاشقين وتهجير الطيبين واندلاع حرب مدمرة بين ابناء الضيعة الواحدة التي انقسمت لشرقية وغربية وكأن بالأخوين الصباغ أرادا من خلال هذه المشهدية ان يشبها لنا حالنا في هذا الوطن المنقسم قادته لجبهات متناحرة سببت الفراغ والهجرة .
برع كل فرد في أفراد هذا العمل بتأدية دوره وكيف لا وقد ضمت المسرحية الممثل اللبناني يوسف الخال الذي يمتلك الكاريزما الخاصة به والذي لعب دور البطولة بإسم كريس إبن المختارة الوحيد الواقع بحب ابنة رئيس البلدية “كريستل” والتي لعبت دورها الفنانة الشابة كارين رميا صاحبة الصوت المميز والقدرة التمثيلية الرائعة، وقد فرقهم التناحر العائلي فترك كل منهما الضيعة بسبب فتنة مدسوسة .
أما من الناحية الكوميدية فقد تقاسم الابداع كل من النجمة انطوانيت عقيقي بدور المختارة المتحكمة بزوجها النجم الرائع ريمون صليبا الذي أضاف برأيي خلطته السحرية للمسرحية والتي كان لها الاثر الاكبر بإشعال التصفيق مع كل حرف كان ينطقه بطريقته الكوميدية ولن ننسى طبعا الممثل جوزف آصاف الذي لعب دور رئيس البلدية وكافة الممثلين الذين أجادوا القيام بأدوارهم بكل شغف واتقان .
وعن الناحية الموسيقية فقد لعب كل من فريد وماهر الصباغ دور ميلاد ومجيد اللذان تم اختيارهما لتشكيل فريق متجانس من ابناء الضيعة مهمته تزيين الشجرة وتمثيل الضيعة بأبهى الحضور امام السائحين الوافدين اليها ليلة الميلاد ، وقد اتت اللوحات الموسيقية والوصلات الغنائية معبرة جدا استطاع من خلالها الاخوان الصباغ أن يخرجا الأحاسيس الدفينة لدى الجمهور المتأثر بفحوى ما يراه أو يسمعه.
هي مسرحية كاملة اشتاقها المسرح اللبناني منذ زمن .
شكرا لكما فريد وماهر الصباغ لأنكما أعدتما لنا نكهة الزمن الجميل بإبداع الحاضر







