خاص tvrمقالات رأي حر

الهلال الخصيب بين انكسار إيران وطموح تركيا وحلم إسرائيل.

تحليل سياسي معمق حول الصراع على الهلال الخصيب بين انكسار إيران، طموح تركيا، وحلم إسرائيل، ودور المنطقة في النظام العالمي الجديد.".

الهلال الخصيب بين انكسار إيران وطموح تركيا وحلم إسرائيل

لم يعد الهلال الخصيب مجرد توصيف جغرافي ارتبط بنشأة الحضارات الأولى، بل تحوّل إلى عقدة الصراع الجيوسياسي الأهم في الشرق الأوسط، ونقطة تحوّل استراتيجية في رسم ملامح الاقتصاد العالمي، نظرًا لموقعه الحيوي، وموارده، ودوره المحوري في خطوط التجارة والطاقة.

🟢 ما هو الهلال الخصيب؟

يشير مصطلح الهلال الخصيب إلى القوس الجغرافي الممتد من جنوب العراق، مرورًا بسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وصولًا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط. وتضم هذه المنطقة:

  • العراق
  • سوريا
  • لبنان
  • فلسطين
  • الأردن

وقد شكّل هذا الإقليم، عبر التاريخ، مفترق طرق بين القارات الثلاث، ما جعله هدفًا دائمًا للإمبراطوريات القديمة والحديثة على حد سواء.

📜 من الجغرافيا إلى الجيوسياسة

بدأ التداول السياسي المكثّف بمفهوم الهلال الخصيب في أواخر أربعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تفكك النظام الاستعماري القديم، وقيام الكيان الإسرائيلي، وبداية الحرب الباردة، حيث تحوّلت المنطقة إلى ساحة نفوذ وصراع بين القوى الكبرى.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد الهلال الخصيب مجرد أرض، بل مفتاح السيطرة على الشرق الأوسط، وبالتالي التأثير في الاقتصاد العالمي ومسارات التجارة والطاقة.

⚔️ هلالات النفوذ المتصارعة

مع تصاعد النزاعات الإقليمية، ظهرت مشاريع متنافسة للهيمنة على الهلال الخصيب، أبرزها:

الهلال الشيعي: وهو المشروع الذي تمدّد عبره النفوذ الإيراني من طهران إلى بغداد، ثم دمشق، وصولًا إلى بيروت. وقد تعزّز هذا النفوذ بشكل غير مسبوق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ثم ترسّخ أكثر مع اندلاع الحرب السورية، حيث دخلت إيران بقوة إلى الساحة السورية، معتمدة على شبكة تحالفات عسكرية وسياسية أبرزها حزب الله في لبنان.

غير أن هذا الهلال بدأ بالتآكل مع سقوط نظام بشار الأسد، وتراجع القدرة العسكرية والسياسية لحزب الله، ما أدى إلى انكسار المشروع الإيراني وفتح فراغ استراتيجي واسع في قلب الهلال الخصيب.

🇹🇷 الهلال العثماني: عودة تركيا إلى قلب الصراع

في خضم هذا الفراغ، برز المشروع التركي، أو ما يُعرف بـالهلال العثماني، كأحد أبرز المشاريع الساعية لوراثة النفوذ في المنطقة. وهو مشروع لا يُعلن رسميًا، لكنه يتجلى بوضوح في الخطاب السياسي والتحركات الميدانية لأنقرة.

وخلال الفترة الأخيرة، كثّف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحركاته الإقليمية بشكل لافت، فقام بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية، أعقبتها مباشرة زيارة إلى جمهورية مصر العربية، في خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة.

في الرياض، جرى توقيع اتفاقيات تعاون شملت الاقتصاد، الطاقة، الاستثمار، والتنسيق الدفاعي، ما يعكس رغبة تركية في بناء شراكة مع ثقل عربي مركزي، تمهيدًا للعب دور أكبر في معادلات المنطقة.

أما في القاهرة، فقد شكّلت زيارة أردوغان ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي نقطة تحوّل تاريخية بعد سنوات من القطيعة، حيث اتفق الطرفان على رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية تشمل تعاونًا عسكريًا واقتصاديًا، وتنسيقًا في الملفات الإقليمية الحساسة.

هذه التحركات لا يمكن فصلها عن الطموح التركي لإعادة التموضع في قلب الهلال الخصيب، وبناء شبكة تفاهمات إقليمية تمهّد الطريق أمام استعادة نفوذ يشبه، في جوهره، الامتداد العثماني التاريخي، ولكن بأدوات سياسية واقتصادية حديثة.

✡️ إسرائيل واستثمار الانكفاء الإيراني

في المقابل، استغلّت إسرائيل تراجع النفوذ الإيراني لتكثيف حضورها العسكري والسياسي، فدخلت فعليًا إلى أجزاء من الجنوب السوري، وعزّزت ضرباتها، وسعت إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.

وتطمح إسرائيل، عبر السيطرة على فلسطين وفرض معادلات جديدة في لبنان، إلى وضع يدها على الجزء الأهم من الهلال الخصيب، على أن يبقى العراق هدفًا مؤجّلًا ضمن رؤيتها التوسعية التي يُشار إليها تاريخيًا بمشروع من الفرات إلى النيل.

🌍 الهلال الخصيب والنظام العالمي الجديد

تكمن خطورة هذا الصراع في أن الهلال الخصيب سيكون محورًا أساسيًا في النظام العالمي الجديد، القائم على تقاطع:

  • طريق الحرير الصيني
  • مشروع الحزام الاقتصادي المدعوم أميركيًا


ومن يفرض نفوذه على هذه الأرض، يمتلك القدرة على التحكم بخطوط التجارة العالمية والطاقة، ما يجعل الهلال الخصيب الجائزة الكبرى في صراع لم يصل بعد إلى خواتيمه.

🔮 من سيرث الهلال الخصيب؟

يبقى السؤال الجوهري المطروح اليوم: من سيرث الهلال الخصيب في ظل هذا التشابك غير المسبوق للصراعات؟
المؤشرات السياسية والميدانية توحي بأن هذا الإرث لن يكون حاسمًا أو أحاديًا، بل نتاج توازنات دقيقة وتحالفات متغيّرة.

إيران، التي تقدّمت طويلًا تحت راية الهلال الشيعي، تلقّت ضربة استراتيجية أفقدتها القدرة على الإمساك المتماسك بالجغرافيا، فيما تحاول إسرائيل استثمار الفراغ، لكنها تصطدم بعوائق ديموغرافية وأمنية تجعل مشروعها محفوفًا بالمخاطر.

في المقابل، تبدو تركيا اليوم اللاعب الأكثر ديناميكية، إذ تتحرّك بهدوء، وتنسج تفاهمات مع مراكز الثقل العربي، مستندة إلى الجغرافيا، والاقتصاد، والقدرة على التكيّف مع النظام العالمي الجديد، ما يمنح مشروعها العثماني المُحدَّث فرصة التقدّم دون صدام مباشر.

غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الهلال الخصيب قد لا يُورَّث لدولة بعينها، بل قد يتحوّل إلى مساحة نفوذ مشتركة، تُدار عبر تقاطع المصالح الدولية، حيث تلعب القوى الكبرى دور الضامن، فيما تتقاسم القوى الإقليمية الأدوار.

وفي عالم يتشكّل على وقع طرق التجارة الجديدة، فإن من ينجح في تأمين الاستقرار النسبي، وربط الجغرافيا بالاقتصاد، وتجنّب الحروب المفتوحة، سيكون الأقرب إلى وراثة هذا الهلال… لا بالقوة وحدها، بل بالعقل والتحالفات.

✍️ رشيد الخطيب


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى