خاص tvrمقالات رأي حر

غزوة فنزويلا: إعادةُ إنتاجِ الاستعمار في دولِ الموز..

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمون*

ليست أخطر لحظةٍ في تاريخ الاحتلال تلك التي تدخلُ فيها الجيوشُ بقوةِ السلاح، بل اللحظة التي ينجح فيها في إقناع العالم بأنه لا يحتلُّ، بل «يُحرِّر». فعندما يدخل بلداً ما متسلِّحاً بخطاب «إنقاذِ الشعوبِ من الفسادِ والاستبداد»، لا يعودُ العنفُ جريمةً واضحةً أو حدثاً استثنائيَّاً، بل يتحوّل إلى ممارسةٍ «مشروعة»، ويُعادُ تعريفُه كواجبٍ أخلاقي، وتُعادُ صياغةُ العدوان والهيمنة بوصفهما عدالةً ورسالةَ خلاصٍ حضارية.

يقومُ هذا الوهمُ الأخلاقي على تناقضٍ جذري مع مبدأ أساسي في الفكر السياسي والأخلاقي: التحريرُ، في جوهره، فعلٌ ذاتي ينبعُ من داخل المجتمع، لا من قوةٍ خارجيةٍ تفرض نفسها بالقسر والعقوبات والحصار. ولا يُقاسُ التحريرُ بتبريراتِ المُتدخِّل، بل بقدرةِ الشعب نفسه على تقرير مصيره بحريةٍ، لا على استبدال وصايةٍ محليةٍ بوصايةٍ خارجيةٍ أشدّ عنفاً وتنظيماً وغَلَبَة.

وكلُّ فعلٍ يتأسَّسُ على نفي إرادةِ المجتمع، ومصادرةِ سيادته، وإخضاعِ قراره السياسي والاقتصادي، لا يمكن إلا أن يكون احتلالاً. وكلُّ احتلالٍ يقدِّم نفسه كحلٍّ أخلاقي، إنما يحاول إخفاءَ طبيعته الحقيقية: مشروعُ هيمنةٍ واستعمارٍ لا يعترف بالقيم إلا بقدر ما تخدم مصالحه. وعاجلاً أو آجلاً، لا يلبث أن يتحوَّل هو نفسه إلى المصدر الأول للفساد، والعنف، وتفكُّكِ الدولة، لا إلى علاجٍ لها.

*فنزويلا: حين يتحوّلُ الادِّعاءُ الأخلاقي إلى أداةِ إخضاعٍ*

تتجلّى هذه الآليةُ بوضوحٍ فاضحٍ في ما جرى في فنزويلا. فحادثةُ اختطافِ رئيسِ دولةٍ ذاتِ سيادةٍ واقتياده قسراً إلى الولايات المتحدة لمحاكمته خارج أيِّ إطارٍ قانوني دولي، لم تُقدَّم بوصفها انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة، بل سُوِّقت كفعلٍ أخلاقي يهدف إلى إنقاذِ شعبٍ من حاكمٍ فاسد، وتجفيفِ منابع المخدرات، واستعادةِ الديمقراطية. وهكذا، وبكذبةٍ لغويةٍ واحدةٍ، أُعيدَ تعريفُ العدوانِ كعدالة، والخطفِ كإجراءٍ قانوني، وانتهاكِ السيادة كواجبٍ أخلاقي.

غير أنَّ هذا الخطابَ يتجاهل عمداً السؤالَ الجوهري: هل يجوز لأيِّ دولةٍ مهما بلغت قوتها – وتحت أيِّ ذريعةٍ كانت – أن تنُصِّبَ نفسها قاضياً فوق القانون الدولي، وتُخضعَ الدولَ الأخرى لمنطق القوة؟ إنَّ تحويل فنزويلا إلى «قضيةٍ أخلاقيةٍ» لم يكن سوى المدخل الضروري لتجريدها من سيادتها، وتطبيع الحصار والعقوبات، وتهيئة الرأي العام لتقبُّل أيِّ مستوى من التدخّل، طالما أنه يُقدَّمُ باسم «الخير العام».

تمتلكُ فنزويلا نفطاً وغازاً وذهباً وليثيوم ومياهاً وزراعةً متنوعة. لكنها تعيش أزمةً خانقة، لا بسبب نقص الموارد، بل بسبب سوء الإدارة، والفساد، والحصار الخانق الناتج عن العقوبات الأمريكية، وتفكُّك مؤسسات الدولة. ومع انسداد الأفق، تحوّلت أنشطةٌ غير مشروعة، كالمخدرات، إلى اقتصادِ ظلٍّ، استُخدم لاحقاً كذريعةٍ إضافيةٍ لتبرير التدخل.

في هذه اللحظةِ بالذات، تعود فنزويلا لتشبه ما عُرف تاريخياً بـ«دول الموز»: دولٌ غنيّةٌ بالموارد، فقيرةٌ بالسيادة، لا تُحاصَر لأنها فاشلةٌ فحسب، بل لأنها تملك من الموارد ما يكفي ليكون فشلها ذريعةً دائمةً للتدخّل. ومن هنا، لا يعود النقاشُ الحقيقي حول “نيكولاس مادورو” كشخص، ولا حول فسادِ نظامٍ بعينه، بل حول مَن يملك حقَّ تعريفِ العدالة، ومَن يحتكر الأخلاق، ومَن يستخدمها سلاحاً لإعادة إنتاج الاستعمار بصيغٍ معاصرة.

*«دول الموز»: تجربةٌ مُجرَّبة ونتائجُ معروفة*

هل سمعتم من قبل بمصطلح «دول الموز»؟ لم يكن تعبير Banana Republics شتيمةً لغويةً، بل توصيفاً دقيقاً لبنية اقتصادية –سياسية نشأت في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، خصوصاً في دولٍ مثل هندوراس، غواتيمالا، نيكاراغوا، السلفادور، كوستاريكا، بنما، وكولومبيا.

هذه الدولُ لم تُستعمَر رسمياً، لكنها حُوِّلت عملياً إلى كياناتٍ فاقدةٍ للسيادة، تُدارُ بما يخدم مصالحَ الشركات الأجنبية – وخصوصاً الأمريكية – وتحكمها نخبٌ فاسدةٌ تؤدِّي دورَ الوسيط المحلي. قُمِعت فيها الحركاتُ الشعبيةُ والعُمَّالية، وهُرِّبت أرباحُها إلى الخارج، وبقيت التنميةُ الحقيقية غائبةً. وكانت الدولةُ نفسها مجرّد أداةٍ بيد رأس المال الأجنبي، تُدار لحماية الاستغلال لا لبناء الإنسان.

دخلت تلك الشركاتُ، وعلى رأسها شركات الزراعة والنقل والتصدير مثل United Fruit Company، وهي ترفع شعاراتِ التنمية وتحديثِ الاقتصاد، لكنها في الواقع أعادت إنتاجَ نموذج احتلالٍ اقتصادي صرف: جاءت لتزرع (الموز، البنّ، السُكّّر ..) وتحصد، وتُصدّر، وتغادر بالأرباح. لم تبنِ مدارس ولا مستشفيات، ولم تُنشئ صناعةً وطنيةً أو اقتصاداً متنوعاً، ولم تطوّر بنى تحتيةً مستقلة. بل جرى اختزالُ الدولة في وظيفةٍ واحدةٍ : حمايةُ رأس المال الأجنبي وقمعُ أيِّ محاولةٍ للمساءلة أو التغيير.

والنتيجةُ كانت واحدةً في جميع الحالات: فقرٌ مزمن، فسادٌ بنيوي، أنظمةٌ تابعة، مجتمعاتٌ مُهمَّشة، ودولٌ غنيّةٌ بالموارد فقيرةٌ بالسيادة. وهكذا وُلد مصطلحُ «دول الموز» لا كشتيمةٍ، بل كخُلاصةِ تجربةٍ تاريخيةٍ مكتملة: حين يُسلَّم بلدٌ كامل لوصايةٍ خارجيةٍ باسم الإصلاح، يتحوّل إلى خرابٍ منظّم.

*من الثورات إلى الحصار: لماذا لم ينجحُ الخروجُ من «دولة الموز»؟*

اندلعت ثوراتٌ كبرى متأثرةً بالمدِّ الشيوعي، أبرزها في كوبا (1959) حيث جرى طردُ كاملٌ للشركات الأمريكية، وفي فنزويلا مع هوغو شافيز حيث حصل تأميمٌ جزئي للنفط، وفي نيكاراغوا وبوليفيا حيث جرت محاولاتُ فكِّ التبعية. لكن خروجُ الشركات لم يكن كافياً وحده. فقد بقيت المشكلاتُ البنيوية قائمةً: اقتصادٌ ريعي، ضعفُ المؤسسات، فسادٌ داخلي، حصارٌ خارجي، وغيابُ تنميةٍ مستدامة.

فالتحررُ السياسي لا يُترجَم تلقائياً إلى عدالةٍ اجتماعية إن لم يُرافقه مشروعٌ اقتصادي عميق، وهو ما استُخدم لاحقاً لتبرير الحصار والعقوبات والتدخّل، في حلقةٍ مفرغةٍ تعيد إنتاجَ التبعية باسم محاربتها.
ما حصل في دول أمريكا اللاتينية في عشرينيات القرن الماضي ليس تفصيلاً منسيَّاً، بل شهادةٌ تاريخية على تجربةٍ مكتملة الأركان خاضتها الولاياتُ المتحدة تحت الذرائع نفسها التي تُرفع اليوم. ولا تأتي خطورةُ ما جرى في فنزويلا من كونه مفاجئاً، بل من كونه يُقدَّم وكأنه تجربةً جديدة.

فكلُّ ما يُقال اليوم عن «إنقاذ الشعوب»، و«تجفيف الفساد»، و«محاربة الجريمة العابرة للحدود»، قد قيل سابقاً وجُرِّب سابقاً، ونتائجه معروفة سلفاً: لم يُنتج دولاً مستقرةً أو مزدهرة، بل حوَّل البلدان الغنيّة إلى مخازن خامٍ وأسواقٍ تخدم رفاهية الآخرين، وأنتج «دول الموز» بكل ما يحمله هذا التوصيف من هشاشةٍ وتبعيةٍ واستخفاف.

*الاحتلالُ لا يُصلِح … بل يُفسدُ كلَّ شيء*

لا يعرف التاريخُ احتلالاً جلب الرفاهيةَ للشعوب التي أخضعها. لأنَّ الاحتلال، بحكُم تعريفه، هو نفيٌ لسيادةِ الآخر، وتحويلُ أرضه وموارده وقراره السياسي إلى أدواتٍ في خدمة مصالح الخارج. لا فرقَ جوهرياً بين احتلالٍ صريح وآخر يختبئ خلف شعاراتٍ برَّاقة. فالنتيجةُ واحدةٌ: تفكيكُ الدولة، إفقارُ المجتمع، وتحويلُ البلد إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للاستنزاف.

بهذا المعنى، يصبح تفكيكُ الخطاب الأخلاقي «الترامبي» لغزوة فنزويلا ضرورةً فكريةً قبل أن يكون موقفاً سياسياً، لأنه يحرّر الوعي الجماعي من وهمِ أنَّ الجلَّاد متعاطفٌ مع الضحية؛ ومن خدعةِ أنَّ المُستعمِر مهتمٌّ بمصالح مَن أخضعهم. ويعيد الاعتبار للتمييز الجوهري بين التحرير كحقٍّ للشعوب، والاحتلال كجريمة، حتى لو أتى بلباسٍ أخلاقي، وتخفّى في هيئةِ المُحرِّر، وتقمّص دورَ المُخلِّص.

*الخاتمة*

إلى كلِّ الذين صفّقوا لهذا الفعل: بعضهم بدافعِ الكراهية لنيكولاس مادورو، وبعضهم بدافعِ العداء لمحورٍ إقليمي، وآخرون بحُلمٍ ساذجٍ مفاده أنَّ الدور سيأتي لاحقاً على خصومٍ آخرين لهم — إنَّ مَن يصفّق اليوم لاختطاف رئيسِ دولةٍ باسم العدالة أو الكراهية السياسية، إنما يفتحُ البابَ على عالمٍ بلا قانون، حيث الأقوى وحده يقرّر ما هي العدالة ويُنفّذها بالقوة. وقد يكون بلدُك هو هدفُ الاحتلال القادم.

ومَن يبرِّر للولايات المتحدة ما فعلته في فنزويلا، يبرِّر — من حيث لا يدري — لإسرائيل احتلالها لفلسطين، ويتجاهل أنَّ “دونالد ترامب” نفسه هو مَن وفّر الدعمَ العسكري والحمايةَ السياسية لبنيامين نتنياهو، ومنع مساءلته، وهدَّد بفرضِ عقوباتٍ على قُضاةِ محكمة العدل الدولية الذين أدانوا إسرائيل بارتكاب جريمةِ إبادةٍ جماعية وانتهاكاتٍ موثَّقة في غزة.

الموقفُ الأخلاقي الحقيقي ممَّا جرى، لا يكون انتقائياً او ظرفياً أو استنسابياً. إنه مبدأ قِيميٌّ واعٍ وثابت: إدانةُ كلِّ احتلالٍ، وكلِّ وصايةٍ، وكلِّ عدوانٍ، تحت أيِّ مسمَّى كان أو ذريعة.
فالاحتلالُ في جوهره فعلُ عُنفٍ منظّم، لا يحمل مشروعاً لتحرير الإنسان، بل برنامجاً لاستغلاله. لا يبني دولةً، بل يُفكّكها. ولا يحارب الفساد، بل يصبحُ هو نفسه أكبر صانعيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى