أخبار العالمخاص tvrمقالات رأي حر

هل تشعل فنزويلا حربًا عالمية؟

قراءة في الصراع الدولي وارتداداته المحتملة على الشرق الأوسط ..

في نظام دولي يتّجه بثبات نحو إعادة تشكيل موازين القوى، لم تعد الأزمات تُقرأ بمعزل عن السياق العالمي. الصراعات لم تعد محصورة بالجغرافيا، بل باتت عابرة للحدود، تُدار بأدوات سياسية واقتصادية وأمنية معقّدة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تعود فنزويلا إلى واجهة التحليل السياسي، لا بوصفها دولة تعيش أزمة داخلية فحسب، بل كحلقة محتملة في صراع دولي أوسع، يفرض تساؤلات مشروعة حول حدود التصعيد وإمكانات الانفجار، وانعكاساته على مناطق أكثر هشاشة، وفي مقدّمها الشرق الأوسط.

*فنزويلا: بين الأزمة الداخلية والصراع الدولي*


لا يمكن مقاربة الوضع الفنزويلي بمعزل عن موقع البلاد في الحسابات الجيوسياسية الكبرى. ففنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، وتقع في نطاق جغرافي تعتبره الولايات المتحدة تقليديًا مجال نفوذ مباشر. في المقابل، عزّزت كراكاس خلال السنوات الماضية علاقاتها مع قوى دولية صاعدة، أبرزها روسيا والصين، ما جعلها موضع تجاذب يتجاوز الشأن الداخلي.
الصراع هنا لا يتمحور حول شكل النظام السياسي فقط، بل حول:
التحكم بمصادر الطاقة
طبيعة النظام الاقتصادي العالمي
ومستقبل النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.

*الدور الصيني: نفوذ اقتصادي بعيد عن الضجيج*


تتعاطى الصين مع فنزويلا بمنطق استراتيجي طويل الأمد. فبكين استثمرت بكثافة في قطاع الطاقة والبنى التحتية، وقدّمت قروضًا ضخمة مقابل ضمانات نفطية، ضمن مقاربة تقوم على:
تأمين مصادر طاقة مستقرة
تنويع الشراكات خارج المنظومة الغربية
تقليص الاعتماد على الدولار في المبادلات الدولية
الصين لا تسعى إلى مواجهة عسكرية، لكنها تعارض أي سيناريو فوضوي قد يهدّد استثماراتها أو يفتح الباب أمام تدخل خارجي يغيّر موازين النفوذ. لذلك، تميل بكين إلى دعم الاستقرار السياسي، مهما كانت طبيعته، على حساب سيناريوهات التغيير القسري.

*روسيا وفنزويلا: قراءة في سيناريو «اعتقال مادورو»*

بعد عملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو و عزله بوسائل غير داخلية، فإنّ موسكو ستتعامل مع الأمر باعتباره:
سابقة سياسية خطيرة
ورسالة مباشرة إلى حلفائها
ومحاولة لتكريس نموذج تغيير الأنظمة بالقوة أو الضغط الدولي
الردّ الروسي، وفق نمط السلوك المعتمد خلال السنوات الأخيرة، لن يكون مباشرًا في الساحة نفسها، بل عبر:
تشديد المواقف في ملفات دولية أخرى
توسيع هامش المواجهة غير المباشرة
واستخدام ساحات ضغط بديلة
في هذا الإطار، يصبح الشرق الأوسط إحدى المناطق المرشّحة لالتقاط ارتدادات هذا الصراع، لا بوصفه طرفًا مباشرًا، بل كساحة توازنات هشّة.

*الشرق الأوسط: ساحة ارتدادات لا مركز قرار*

الشرق الأوسط يعيش أصلًا حالة عدم استقرار مزمنة، نتيجة تراكم الأزمات والصراعات المفتوحة. أي تصعيد دولي بين القوى الكبرى ينعكس على المنطقة من خلال:
تقلبات أسعار الطاقة
تشديد العقوبات
إعادة ترتيب التحالفات
وزيادة منسوب التوتر الأمني والسياسي
المنطقة لا تُستهدف لذاتها في هذه الحالة، بل تُستخدم كمساحة ضغط في صراع دولي أوسع.

*هل نحن أمام حرب عالمية؟*

المعطيات الحالية لا تشير إلى حرب عالمية شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها تؤكّد أنّ العالم يعيش مرحلة صراع مفتوح منخفض الحدّة، تتداخل فيه:
الأدوات الاقتصادية
الحروب بالوكالة
الضغط السياسي والإعلامي
فنزويلا ليست شرارة حرب كبرى، لكنها قد تتحوّل إلى إحدى ساحات الاشتباك في صراع دولي طويل النفس.

*خاتمة*

لا يمكن تحميل فنزويلا وحدها وزر احتمالات التصعيد الدولي، كما لا يمكن ربط تشظّي الشرق الأوسط بأزمة بعيدة جغرافيًا. غير أنّ واقع النظام الدولي الحالي يجعل من الأزمات المحلية أوراقًا في صراع أكبر، ويحوّل المناطق الهشّة إلى ساحات اختبار دائمة.
العالم لا يقف على أعتاب حرب عالمية شاملة، لكنه يعيش مرحلة إعادة تشكّل قاسية، حيث تتراجع القواعد، وتتصاعد المواجهات غير المباشرة، وتبقى الشعوب الحلقة الأضعف في معادلة القوة.

بقلم رشيد الخطيب
كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى