خاص tvrمقالات رأي حر

الهيمنةُ باسم العدالة: كيف تُشرعنُ واشنطن انتهاكَ السيادة ونهبَ الثروات؟

*
*أ. د. هلا رشيد أمون*

بموجبِ ميثاقِ الأمم المتحدة، ولاسيَّما المادة الثانية (الفقرة الرابعة)، يُحظرُ على أيِّ دولةٍ استخدامُ القوة أو التهديد باستخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأيُّ دولة. وما لم يكن هناك تفويضٌ صريحٌ من مجلس الأمن، أو حالةُ دفاعٍ شرعي وفق شروط الضرورة والتناسب، فإنّّ أيَّ عملٍ عسكري عابرٍ للحدود يُعَدُّ عدواناً دولياً، بصرف النظر عن الذرائع المُعلنة.

استيقظَ العالمُ يومَ أمس على حدثٍ زلزل النظامَ الدولي: عمليةٌ عسكرية أمريكية واسعة النطاق، استمرّت ساعاتٍ طويلة، شاركت فيها قواتُ نخبةٍ، وسُخِّرت لها ترسانةٌ جويةٌ هائلة، انتهت باختطاف رئيسِ دولةٍ ذاتِ سيادة، نيكولاس مادورو، وزوجته، واقتيادهما قسراً إلى الأراضي الأمريكية، بذريعةِ تطبيق ما سُمِّي بـ«العدالة الأمريكية».

ليست هذه الواقعةُ، في جوهرها، إجراءً أمنياً أو قضائياً عابراً، بل لحظةً مفصليةً تكشف تحوَّلاً خطيراً في منطق العلاقات الدولية، وانزلاقاً فاضحاً نحو عالم تحكمه القوةُ العاريةُ لا القانون.

*عقيدةُ مونرو: الجذورُ الأيديولوجيَّة للهيمنة:*

في خطابه الذي تلا العملية، لم يتردّد دونالد ترامب في استحضار «عقيدة مونرو»، تلك العقيدة التي وُلدت في القرن التاسع عشر، وتحولت منذ نشأتها إلى غطاءٍ أيديولوجي للهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي.

فالعقيدةُ التي رُفعت يوماً تحت شعار «منع التدخُّل الأوروبي في الأميركيتين»، لم تكن في حقيقتها دفاعاً عن استقلال شعوب أمريكا اللاتينية، بل إعلاناً مبكراً بأنَّ هذه الدول هي «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، يحقُّ لها التدخُّل في شؤونها العسكرية والسياسية والاقتصادية متى رأت أنَّ مصالحها مهدَّدة.

وباسم هذا المبدأ، شهدت القارةُ عقوداً طويلةً من الانقلابات، والاحتلالات، ونهب الموارد، وتشريد الشعوب، وتكريس أنظمةٍ تابعةٍ، مقابل سحق كلِّ محاولةِ استقلالٍ حقيقي.

*العدالةُ الأمريكيةُ أم العربدةُ القانونية؟:*

ما جرى في فنزويلا ليس خروجاً عن هذا السياق التاريخي، بل تتويجاً له. فحين تقتحم دولةٌ كبرى عاصمةَ دولةٍ أخرى، وتُعطّل بنيتها التحتية، وتختطف رئيسها من غرفةِ نومه دون أيِّ تفويضٍ دولي، ولا حتى مُسوِّغ قانوني متماسك، فإننا لا نكون أمام «عدالة»، بل أمام عربدةِ قوةٍ تُشرعن نفسها بنفسها.

قانونياً، يُشكِّل هذا الفعلُ انتهاكاً صارخاً لمبادئ أساسيةٍ في القانون الدولي: خرقاً لمبدأ سيادةِ الدول، وتجاوزاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدامَ القوة خارج إطار الدفاع المشروع أو التفويض الأممي، فضلاً عن تحويل القضاء الوطني الأمريكي إلى محكمةٍ كونيةٍ تُنصِّبُ نفسها وصيّةً على العالم، وتعتقل قادةَ دولٍ أخرى بالقوة العسكرية باعتبارها أداةَ تنفيذٍ قضائي.

وفي اللحظة التي يُسمحُ فيها لدولةٍ ما بأن تنصِّب نفسها شرطياً وقاضياً وجلاداً في آنٍ واحد، يصبح القانونُ الدولي بلا قيمةٍ إلزاميةٍ، وتتحول العلاقاتُ بين الدول إلى علاقاتِ قوةٍ محضة، لا تضبطها قواعد ولا تحكمها مساءلة.

أما أخلاقياً، فالصورةُ أكثر فداحةً. فالمنطقُ الحاكمُ هنا لا لُبس فيه: أنا الأقوى، إذاً يحقُّ لي فعلَ كل شيء. أغزو لأنني أستطيع. أعتقلُ لأن لا أحد يستطيع منعي. أفرضُ سرديتي، وأقفزُ فوق القوانين، وأنهبُ الثروات، ما دامت لا توجد قوةٌ قادرةٌ على ردعي أو محاسبتي.

*الذرائعُ تتبدَّل… والهدفُ واحدٌ:*

تتغير الذرائعُ الأمريكية، لكنَّ الجوهر يبقى ثابتاً. بالأمس كانت «أسلحة الدمار الشامل» في العراق، و«الحرب على الإرهاب»في أفغانستان، واليوم تُرفع رايةُ «مكافحة تهريب المخدرات». وفي كل مرةٍ، تتهاوى الذريعةُ لاحقاً، ويبقى الدمارُ، وتستمر السيطرةُ، ويُعادُ إنتاجُ الهيمنةِ بأسماء جديدة.

فنزويلا ليست مستهدفةً بسبب المخدرات، بل بسبب نفطها. إنها دولةٌ تملك أحدَ أكبر احتياطات النفط في العالم، وخروجها عن الطاعة الأمريكية جعلها هدفاً مشروعاً في منطق القوة. أما خطابُ «تحرير الشعب الفنزويلي» من الفساد والاستبداد، فليس سوى استعادةٍ فجَّةٍ لخطابٍ استعماري قديم، بلبوسٍ أخلاقي حديث اسمه «تطبيق العدالة الأمريكية».

*الانتقائيةُ الأخلاقيةُ: سؤالُ غزة:*

وهنا يبرز السؤالُ الأخلاقي الفاضح:
أين كانت هذه «العدالة الأمريكية» من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة على مدى عامين؟
لماذا لم يُعتقل نتنياهو ويُنقل مكبَّلاً وذليلاً إلى نيويورك؟ لماذا لم تُطبَّق العدالةُ على مَن قتل عشرات الآلاف من المدنيين، ودمّر مدينةً كاملةً أمام أعين العالم؟

الجوابُ واضحٌ: العدالةُ هنا ليست مبدأً أخلاقياً كونياً، بل أداةً سياسية تُستخدمُ انتقائياً؛ تُشهَرُ حين تخدم المصالح، وتُعلَّقُ حين تُحرِج الحلفاء.

*ما بعد اعتقال مادورو: كسرُ المُحرَّم وتداعياته؛*

تداعياتُ ما حدث لا تقف عند حدود فنزويلا. فخطفُ رئيسِ الدولة وفرض سلطةٍ انتقاليةٍ مدعومة خارجياً لا يعني انتقالاً سلمياً للسلطة، بل قد يدفع البلادَ نحو فوضى داخلية أو حرب أهلية، بين قوى مواليةٍ للنظام السابق وأخرى مدعومة أمريكياً، في بلدٍ يعاني أصلاً من انقساماتٍ عميقة. وهكذا يتحوّل «التحرير» إلى وصفةٍ جاهزةٍ لتفكيك الدولة، لا لإنقاذها.

أما دولياً، فإنَّ هذه السابقةَ تُشكّل تطبيعاً خطيراً لانتهاك السيادة. إذ حين تُقدِم الولاياتُ المتحدة على خطفِ رئيسِ دولةٍ ذات سيادة ثم تفلت من أيِّ مساءلة، فإنها ترسل رسالةً واضحةً إلى بقية القوى الكبرى: ما كان محرَّماً بالأمس، أصبح ممكناً اليوم.
فهل سيقرأ بوتين هذه الواقعة بوصفها إعلاناً نهائياً لانهيار القانون الدولي؟ وهل ستشجّعه على توسيع حروبه تحت عناوين «الأمن القومي» و«الدفاع الاستباقي»؟ وهل ستكتفي الصينُ بالإدانة الدبلوماسية، أم ستعيد حساباتها الاستراتيجية على أساسِ عالمٍ بلا قواعد؟

*من فنزويلا إلى العالم: إعلانٌ غيرُ مكتوبِ لانهيار القانون الدولي:*

ما نشهده قد يكون بدايةَ تفكُّكِ النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام القائم – ولو نظرياً – على احترام السيادة والاحتكام إلى القانون. ومع سقوط هذه الركائز، يدخل العالمُ مرحلةً جديدةً تُحكمُ بالسوابق لا بالقواعد، وبمنطق الغَلَبة لا بمنطق الحقوق.

في هذا العالم الذي يُدارُ بعقليةِ الميليشيا وزياراتِ الفجر المباغتة، تصبح القوةُ العسكريةُ فوق السيادة والقانون، ويُعادُ إنتاج «شريعة الغاب»: القوي يغزو، يعتدي، يخطفُ، ويعتقلُ، ويتباهى بفعلته، والضعيفُ مشروعُ اتهامٍ دائم، ما لم ينخرط في منظومة الطاعة.

أخطرُ ما في هذه الواقعة ليس ما جرى في فنزويلا فحسب، بل ما تعلنه للعالم كله: أن لا خطوط حمراء بعد اليوم، وأنَّ مَن يُزعجُ القوةَ العظمى قد يصبح الهدف القادم. وحين تُكسرُ القواعدُ على هذا النحو، ويُمارَسُ العدوانُ باسم العدالة، يصبح كلُّ شيءٍ ممكنًاً، ولا يبقى أحد في مأمنٍ، حتى الحُكَّام والقادة الذين يظنُّون أنهم مُحصَّنون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى