فضيحةُ «أبو عمر»: سقوطُ السلطةِ اللبنانيةِ في امتحانِ الوهم..

*أ. د. هلا رشيد أمون*
لم تكن قضيةُ «الأمير الوهمي أبو عمر» حادثةَ احتيالٍ عابرةٍ، ولا «واقعةً طريفةً» تصلحُ للسخريةِ والتنُّدرِ في بلدٍ أنهكته الفضائحُ. ما انكشفَ في هذه القضيةِ يتجاوز شخصاً انتحل صفةً، أو سياسيين انطلت عليهم الخدعةُ؛ إنّه مشهدٌ مكثّفٌ يعرِّي آلياتِ اشتغالِ السلطةِ في لبنان، ويكشفُ إلى أيِّ حدٍّ بلغ الانحطاطُ السياسيُ والأخلاقي لدى الطبقة الحاكمة، بكلِّ طوائفها ومكوّناتها، من دون استثناء.
أظهرت التحقيقاتُ الأولية، وما تسرَّبَ من وقائع، أنّ عدداً غير قليل من السياسيين والنافذين تعاملوا بجدّيةٍ مع شخصيةٍ لم يلتقوا بها يوماً، ولم يتحقَّقوا من هُويَّتها، ولم يسألوا الجهاتِ الرسميةِ التي يترددون عليها باستمرار. وحدَهُ الوعدُ بالسلطة كان كافياً لتعليقِ العقل، وتعطيلِ الحدِّ الأدنى من الشكِّ، وإسكاتِ كلِّ منطق. وهنا تكمنُ الفضيحةُ الحقيقيةُ التي لا تخصُّ «أبو عمر»، بل تخصُّ مَن صدَّقوه، وموَّلوه، وراهنوا عليه سراً .
*فضيحةُ «أبو عمر»: حين سقطت الأخلاقُ قبل السياسة*
تكشفُ هذه القضيةُ أنَّ السلطةَ في لبنان لا تُنتَجُ عبر البرامج أو الرؤى أو التمثيل الحقيقي للناس، بل عبر السمسرةِ السياسية، وشراءِ النفوذ، وتسوُّلِ الرضى الخارجي، أيًّا كان شكله أو مصدره. سياسيون يدَّعون تمثيلَ طوائفهم، بينما لا يرون في أبناءِ هذه الطوائف سوى أرقامٍ انتخابيةٍ، ولا في مآسيهم سوى ضجيجٍ مزعجٍ يؤخّر الوصولَ إلى الكرسي.
أمَّا المال، فلا يُنفقُ لإنقاذِ مجتمعٍ من البؤس، أو لدعمِ مؤسساتٍ، أو لبناءِ دولةٍ، بل يُهدر بسخاءٍ في ممرَّاتٍ مظلمةٍ، لقاءَ وعودٍ غامضةٍ بمناصب، أو إشاراتِ رضا رمادية، أو مقابلةٍ محتملةٍ مع صاحبِ قرار.
لكنَّ المشهدَ لا يكتملُ عند هذا الحدِّ. فاختزالُ الفضيحةِ في شخصِ «أبو عمر»، أو تصويره كمحتالٍ عبقري خدع الجميعَ بدهائه، يُشكِّلُ تبسيطاً مخلَّاً، وربما تواطؤاً سياسياً. فالمعطياتُ التي بدأت تتكشَّف تشير إلى أنَّ هذا الرجل لم يكن سوى واجهةٍ، أو حلقةٍ أخيرةٍ، في شبكةٍ أوسع وأكثر تعقيداً
الخداعُ هنا لم يكن ثمرةَ ذكاءٍ فردي، بقدر ما كان نتيجةَ إدارةٍ منظّمةٍ للوهم، واستثمارٍ مدروسٍ في الهواجس الطائفية والطموحات السلطوية. ثمَّة مَن كان يُشغِّل هذه الشخصيةَ، ويوجِّهها، ويؤمِّن لها القنوات، ويعرف تماماً نقاطَ ضعفِ السياسيين المستهدفين: شغفهم بالمناصب، عطشهم للاعتراف الخارجي، واستعدادهم لتعليق عقولهم مقابل وعدٍ بالسلطة.
الأخطر أنَّ الشبهات، كما يُتداول في الكواليس السياسية، لا تقف عند حدودِ أفرادٍ، بل تمتدُّ إلى احتمالِ تقاطعِ مصالح جهاتٍ إقليميةٍ أو أجهزةٍ غير لبنانية، استخدمت هذا الأسلوبَ الناعم لاختراق المشهد السياسي اللبناني، وتوجيهه وابتزازه في زمنٍ تحوّلت فيه السياسةُ إلى ساحةِ عملياتٍ نفسيةٍ، والكرسي إلى غايةٍ وهدفٍ أسمى من كلِّ شيءٍ آخر.
*حين يُعلَّقُ عملُ العقلِ مقابلَ الكرسي: السلطةُ التي صدَّقت الكذبة*
الأخطرُ من السذاجةِ السياسية التي أظهرتها هذه القضيةُ، هو حجمُ الهوسِ المَرَضي بالسلطة. سنواتٌ من الانتظار، والكتمان، والتواطؤ الصامت، من دون أن يجرؤ أحدٌ على كسرِ دائرةِ الوهم. ولكن لماذا ؟
لأنَّ الوهمَ كان مريحاً. كان يمنح أصحابَه نشوةً مسبقةً بالسلطة، ويغذِّي أوهامَ الزعامة، ويُبقيهم معلَّقين على حرير الوعود، ولو كان الثمنُ إذلالَ الذات، وخداعَ الناس، وخيانةَ القيمِ المرفوعةِ في العلن.
صحيحٌ أنَّ الفضيحةَ انفجرت في وَسَطٍ سياسي وطائفي محدَّد، لكنها لا تخصّه وحده. ففي لبنان، تتشابهُ الطبقةُ السياسيةُ إلى حدِّ التطابق: اختلافُ الأسماء والطوائف لا يمكنه أن يخفي وَحدةَ السلوك. الجميعُ، تقريباً، أسرى الكرسي، ومستعدِّون لبيع الخطاب والموقف والمبدأ إذا كان ذلك يطيلُ عمرَهم في السلطة.
والجميعُ يمتلك في خزانته فضائحَ مؤجَّلةً، لم يحِن وقتُ كشفِها بعد.
في هذا السياق، يصبحُ «أبو عمر» – ذاك الرجلُ البسيطُ والفقيرُ الذي صودف أنه يُتقنُ اللهجةَ البدوية/الخليجيَّة – تفصيلاً لا جوهراً، وتغدو الفضيحةُ في المسرح الذي أُعِدَّ له، لا في الممثِّل الذي أدَّى الدور.
ولا بدَّ من الإقرار بأنه قد أُسيءَ إلى الطوائف، وإلى الدين، وإلى السياسة، ولكن لا على أيدي الخصومِ والأعداء، بل على أيدي مَن تصدَّروا المشهدَ باسمها. أولئك الذين ارتدوا لباسَ المرجعيَّات، وحوَّلوا رمزيتَها إلى أداةِ نفوذٍ شخصي، وغطاءٍ لمصالح ضيقة، ووسيلةٍ للتسوُّل أو الابتزاز السياسي. هؤلاء لم يسيئوا إلى أنفسهم فقط، بل ضربوا ما تبقّى من ثقةِ الناس بأيِّ تمثيلٍ أو قيادةٍ أو زعامة.
*«أبو عمر» ليس القصَّة … بل مرآةُ السلطةِ في لبنان*
لم يضحك «أبو عمر» على السياسيين؛ بل كَشَفَهم. كشفَ هشاشتهم، وفراغهم، وافتقارهم لأيِّ معنى حقيقي للسيادة أو الكرامة السياسية. كشفَ أنَّ البقاءَ في الكرسي بات أهمَّ من الوطن، وأهمَّ من الطائفة، وأهمَّ من أيِّ قيمةٍ أخلاقية.
في لبنان، يمكن أن ينهار الاقتصادُ، وتُسرقُ الودائعُ، وتُدمَّرُ العدالةُ، وتُفلسُ الدولةُ… لكنَّ الكرسي يجب أن يبقى، ولو على أنقاضِ كلِّ شيء.
وهذه الفضيحةُ ليست نهايةَ القصة، بل إحدى صفحاتها القليلة التي كُتِبَ لها أن تُكشف. وما لم يُعاد النظر جذرياً في بنيةِ السلطة، وفي مفهومِ العمل السياسي نفسه، فإنَّ «أبو عمر» لن يكون الأخير. سوف تتغيرُ الأسماءُ، والوجوهُ، واللهجاتُ، لكنَّ الوهمَ سوف يبقى، ما دامت السياسةُ في لبنان تُدار في العتمة ومن خلال إتصالٍ هاتفيّ، ويُكافأ فيها الكاذبُ والمُتلوِّنُ وناقلُ البندقيةِ من كتفٍ الى كتف، ويُهمَّشُ فيها الصادقُ والوطنيُ والثابتُ على قيمه ومبادئه.
«أبو عمر» لم يخدعهم… هم كانوا مستعدِّين للتصديق، لأنَّ «شَبَقَهم المَرَضي» الى إعادةِ إنتاجِ سلطتهم – رغم فشلهم المُدوِّي في العملِ السياسي – لا حدودَ له.





