المسرح ينطق فنًا… والأخوان صبّاغ يعيدان للخشبة حياتها.
أنا وغيفارا»… الأخوان صبّاغ يراهنان على المسرح كفعل وعي لا كترف فني.

بقلم الاستاذ رشيد الخطيب.
بعد عشرين عامًا من الإبداع المتواصل، يرسّخ الأخوان صبّاغ موقعهما في المشهد المسرحي الغنائي عبر مسار فني يزاوج بين الجمال والموقف، ويؤكّد أن الخشبة ما زالت قادرة على قول ما تعجز عنه السياسة. في هذا السياق، تأتي مسرحية «أنا وشي غيفارا» كتتويج لتجربة راكمت الجرأة والرؤية، حيث تتحوّل الموسيقى إلى لغة تفكير، ويُستدعى الرمز الثوري لا بوصفه أيقونة جاهزة، بل كمساحة سؤال مفتوحة على الواقع العربي المعاصر، في عرض يوازن بوعي بين الإبهار الفني والطرح الإنساني–السياسي.
على امتداد عشرين عامًا، تنوّعت أعمال الأخوين صبّاغ بين السياسة والتاريخ والفرح والوجدان. من عملهما الأول «تشي غيفارا»، مرورًا بـ «من أيام صلاح الدين»، «الطائفة 19»، «حركة 6 أيار»، و**«مش بس عالميلاد»**، وصولًا إلى أحدث إنتاجاتهما «أنا وغيفارا». عملٌ وصفه بعض النقّاد بـ«الانتحار الفني» في زمن ملل الجمهور من الأعمال السياسية، وانجذابه نحو ترندات تستهوي العين وتهرب من العقل والتحليل. غير أن الأخوين صبّاغ نجحا مرة جديدة في كسب الرهان، مؤكدين أن الإصرار والإتقان يبقيان شرطَي النجاح لأي تجربة مسرحية حقيقية.
في هذا العمل المسرحي الغنائي، قدّم ماهر صبّاغ أداءً لافتًا في دور البطولة مجسّدًا شخصية الجنرال فيدال كاسترو بحضور قيادي كثيف، جمع بين الصرامة والكاريزما الثورية. في المقابل، تألّق الفنان فريد صبّاغ في دور تشي غيفارا، مقدّمًا شخصية إنسانية متمرّدة تنبض بالشغف والتضحية، بعيدة عن التقديس الجامد وقريبة من الإنسان الحائر والمناضل.
أما النجمة نادين الراسي، فبرعت في أداء مزدوج معقّد، إذ لعبت أولًا دور إيڤا، العميلة المتأرجحة بين السلطة والثورة، قبل أن تنتقل بسلاسة إلى دور حبيبة غيفارا التي رافقته حتى لحظات اعتقاله واستشهاده، مضيفة بعدًا عاطفيًا وإنسانيًا مؤثرًا على السرد الدرامي.

تخلّلت المسرحية مشاهد كوميدية ذكية أضفت أجواءً من الخفّة والدفء، تألّق فيها ريمون صليبا وأنطوانيت عقيقي، فيما ازدانت اللوحات الغنائية بصوت الفنانة كارين راميا التي منحت العمل مساحات وجدانية رفعت منسوب التأثير والجمال الفني.
في خاتمة مسرحية «أنا وغيفارا»، تنطفئ الأضواء تدريجيًا، لكن الأسئلة تبقى مشتعلة في وجدان الجمهور. يسقط الجسد، ولا تسقط الفكرة؛ يُعتقل غيفارا، لكن الثورة تفلت من القيود، وتتحوّل من حكاية رجل إلى ضمير جماعي لا يُهزم. هنا، لا تكون النهاية وداعًا، بل دعوة مفتوحة للتأمّل: هل مات غيفارا فعلًا، أم وُلد في كل من يرفض الظلم ويؤمن بأن الحرية تستحق أن تُعاش حتى الشهادة؟
ومن خلال هذه الرؤية، يوقّع الأخوان صبّاغ عملهما ببصمة مسرحية واضحة، حيث يلتقي النص بالموسيقى، والدراما بالغناء، والتاريخ بالراهن، في تجربة تؤكّد أن المسرح ما زال مساحة حيّة للاشتباك الفكري والجمالي. تجربة تثبت مرة جديدة أن بصمتهما لا تكمن في الإخراج والأداء فحسب، بل في إيمان راسخ بأن الخشبة قادرة، كلما أُسدلت ستارة، على إعادة إحياء القضايا الكبرى.









