خاص tvrمقالات رأي حر

ملفُّ التفرّغ: الجامعةُ اللبنانية بين منطقِ الاستحقاق ومنطقِ الغنيمة.

*بقلم: أ. د. هلا رشيد أمُّون*

ليس أخطر ما في إقرار ملفِّ التفرّغ في الجامعة اللبنانية أنّه يتأخَّر، ولا أنّه يُدار ببطءٍ، بل أنّه يُدار، في كلِّ مرةٍ، بالمنطق نفسه: منطقِ الغنيمةِ الطائفية. فما يُفترضُ أن يكون استحقاقاً أكاديمياً محكوماً بمعايير الجدارة والكفاءة، يتحوّل، عند لحظةِ الإقرار، إلى فضيحةٍ أكاديميةٍ – سياسية. إلى بازار مفتوحٍ لتقاسم الحصص بين الطوائف، تحت مُسمَّياتٍ مُخفَّفةٍ ومُلطَّفةٍ مثل «التوازن» و «المناصفة».

تُطرَحُ المعاييرُ في البيانات والخطابات: الكفاءةُ، الخبرةُ، الأقدميَّةُ، النصابُ القانوني، الإنتاجُ العلمي، والالتزامُ التدريسي. لكن ما إن يبدأ التنفيذُ، حتى تُوضَع هذه المعاييرُ جانباً، ولا يبقى منها سوى ما يصلح للزينة. وتصبح القاعدةُ التي تحكم الملفَّ ليست مَن الأجدر؟ بل من أيِّ طائفةِ؟ وكم هي حِصَّةُ هذه الطائفة أو تلك؟

وهكذا، يُفرَّغُ مفهومُ الاستحقاق من مضمونه، وتُختزل أهليَّةُ الأستاذ الجامعي بانتمائه الطائفي وخانته المذهبية، لا بما يقدِّمه من علمٍ أو معرفةٍ أو إضافةٍ نوعيةٍ للجامعة والمجتمع.

بهذا المعنى، نحن لسنا أمام خللٍ إداريّ عابر، بل أمام انقلابٍ كاملٍ على فكرة الجامعة نفسها، وعلى أبسط مبادئ الدولة الحديثة التي تقوم مؤسَّساتُها على قواعد عامة مجرّدة، لا على ميزان العصبيات والمحسوبيات.

*الطائفيةُ داخلَ الحَرَم الجامعيّ*

ما يجعل المشهدُ أكثر فجاجةً، هو التدخُّل العلني والفاقع للمرجعيات الدينية، والمكاتب التربوية التابعة للأحزاب الطائفية، والقيادات السياسية، للمطالبةِ بـ «حقوق الطوائف» في ملفٍّ أكاديميٍّ بحت. تدخُّلٌ يطيحُ أيَّ ادِّعاءٍ باستقلالية الجامعة، ويحوِّلها إلى ساحةِ نفوذٍ وصراع، لا تختلف كثيراً عن أيِّ إدارةٍ عامةٍ خاضعةٍ للمحاصصة.

يُستدعى أساتذةٌ منقطعون عن التعليم، أو مهاجرون منذ سنوات، أو لا يملكون نصاباً فعلياً في الكليات، لا لأنَّ الجامعة تحتاجهم علمياً، بل لأنَّ أسماءهم ضروريةٌ لترميم «التوازن الطائفي». هنا تُختزل الجامعةُ إلى جدولِ أرقامٍ يراعي «عدَّادَ الطوائف».

وفي هذا الإطار، تصبح الجامعةُ ساحةً لإعادةِ إنتاج البنية الطائفية نفسها. وهو واقعٌ يلتقي مع ما نبَّه إليه “ميشال فوكو” حين أكّد أنّ المعرفة لا تكون بريئةً حين تُمسك بها السلطةُ، بل تتحوّل إلى أداةِ ضبطٍ وهيمنةٍ وتصنيف، لا إلى أفقِ تحرُّر. فالجامعة، بدل أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة النقدية، تُسخَّر لإعادةِ إنتاجِ النظام الطائفي بلغةٍ أكاديميةٍ زائفة.

*من منطقِ الاستحقاق إلى عقليةِ الغنيمة*

ما يجري في ملفِّ التفرُّغ ليس خللاً عابراً، ولا حادثةً طارئةً في تاريخ النظام اللبناني، بل هو التعبيرُ الأكاديمي الأكثر فجاجةً عن الذهنية نفسها التي حكمت الدولة لعقودٍ ودمّرتها: ذهنيةُ الغنيمة. تلك الذهنية التي حلَّلها “محمد عابد الجابري” بوصفها امتداداً للعقل القَبَلي، حيث تُفهم الدولةُ مورداً يُقتنص، وتُفهم السلطةُ غنيمةً لا مسؤولية، ويُفهم الحقُّ حِصّةً لا استحقاقاً.

في هذا السياق، تسقط الأسئلةُ الجوهرية: ماذا يعلِّم هذا الأستاذ؟ ماذا أضاف لجامعته وطلابه؟ ما قيمةُ إنتاجه العلمي؟ كم بحثاً نشر؟ كم كتاباً ألّف؟ كيف حصل على شهادته العليا، وأين؟ لتحلَّ محلّها أسئلةٌ أخرى: مَن يغطِّيه؟ مَن يزكِّيه؟ مَن يدعمه؟ ومَن يفاوض باسمه؟

وحين تتحوّل مؤسساتُ الدولة الوطنية إلى «غنائم» للأحزاب والقوى الطائفية الظلامية، تفقد معناها الوظيفي، وتغدو مجرّد واجهاتٍ شرعيةٍ لتوزيع النفوذ. والدولةُ التي تعجز عن حماية جامعتها من براثن الطائفية، تعجز بالضرورة عن حماية القانون، والعدالة، والمعرفة، والإبداع.

*الأستاذُ المُستقلّ خارج الحسابات*

في قلب هذا المشهد، يختفي صوتُ الأستاذ الجامعي المستقل، غير المنتمي إلى حزبٍ، وغير المحسوب على زعيمٍ أو مرجعية. هذا الأستاذ، مهما بلغ من كفاءةٍ أو تميّز، يبقى الحلقةَ الأضعف داخل المنظومة الزبائنية، لأنَّ النظام القائم لا يعترف إلا بالولاء والتبعية.

الاستقلاليةُ هنا ليست فضيلةً، بل عبئاً. لا تحمي صاحبها، بل تعرِّضه للإقصاء والتهميش، أو تدفعه إمّا إلى العزلة، أو إلى التكيّف مع منطق الولاء، والانخراط القسري في شبكاتِ النفوذ، فقط كي لا يُمحى اسمُه عند لحظة التفرّغ.

وهكذا، تُعاقَبُ الاستقلاليةُ بوصفها تهمةً، ويُكافَأ الانضباطُ الحزبي بوصفه فضيلةً. ولا تُقصى الكفاءاتُ فحسب، بل يُعادُ تشكيلُ الشخصيةِ الأكاديمية نفسها على صورةِ النظام السياسي البغيض القائم.

*وَهمُ الإصلاحِ وسقوطُ الشعارات*

المفارقةُ الفاضحةُ أنّ القوى نفسها التي تتصارع على الحصص في ملف التفرّغ، هي ذاتها التي ترفع طوال العام شعاراتِ الدولة، والمواطنة، والعدالة، والمساواة، ومحاربة الفساد. لكن ما إن تلوح فرصةُ توظيفٍ أو تعيينٍ أو ترقية، حتى تستيقظ الغرائزُ البدائيةُ، وتُنسَف هذه الشعاراتُ، ويسقط أصحابُها عند أول اختبارٍ فعليّ، لمصلحةِ منطق العصبية والقبيلة والعشيرة، كما لو أنّ قيام الدولة مجرّد خطابٍ موسميٍّ للاستهلاك.

وهنا يستعاد تحليل “بيار بورديو” لمفهوم «الحقل»، حيث يؤكّد أنّ لكلِّ حقلٍ علميّ أو ثقافيّ منطقه الخاص ومعاييره الداخلية، وأنّ تدميره يبدأ لحظةَ اختراقه بقوى خارجيةٍ لا تؤمن بقيمه، بل تستخدمه لرأسملة النفوذ والسلطة. وما يحدث في ملفِّ التفرّغ هو بالتحديد هذا الاختراق: تفكيكُ استقلال الحقل الأكاديمي، وتحويله إلى امتدادٍ للحقل الطائفي – السياسي.

ويحدثُ كلُّ ذلك في زمنٍ يُفترض أنّه زمنُ إصلاحٍ ومكافحةِ فساد. غير أنّ الواقع يشي بعكس ذلك: تغيّر الخطابُ، لا المنهج. تبدّلت الوجوهُ، لا الآليات. ووَهمُ الإصلاح يُغتالُ، مرةً جديدةً، عند أول استحقاقٍ فعلي.

قد تكون هناك مؤسساتٌ أخرى تُقاس كفاءتها بالعدد والكمّية، لكنَّ هذا المعيار لا ينطبق على الجامعة اللبنانية الوطنية، التي منها يتخرّجُ قادةُ المستقبل، ومفكّروه، وفلاسفته، ومشرّعوه، وأدباؤه، وساسته. فهنا لا يكون المقياس الكمّية أو التمثيل الطائفي، بل النوعية والكفاءة العلمية والأكاديمية، إلّا إذا كان المقصود تهجير الأدمغة والكفاءات إلى الجامعات الخاصة في الداخل والخارج.

*خاتمة*

إنّ إقرار ملفِّ التفرّغ بالصيغة التي يُحكى عنها في الكواليس، هو ظلمٌ للجامعة وتهاونٌ بخصوصيتها ومكانتها ودورها، وتكريسُ نموذجٍ مضاد للعلم، ورسالةٌ قاسيةٌ للأجيال الصاعدة مفادها أنَّ الاجتهاد لا يكفي، وأنَّ المعرفة لا تحمي، وأنَّ الطريق إلى الجامعة يمرُّ عبر الزعيم لا عبر الكفاءة.

المطلوبُ من رئاسة الجامعة اللبنانية، ومن وزارة التربية، ومن الحكومة، ليس معجزةً إصلاحية، بل الحدّ الأدنى من الشجاعة الأخلاقية والعقلانية المؤسسية: إعادةُ الملفِّ إلى معاييره الأكاديمية الصافية، أو التجرؤ على الاعتراف بأنّ الجامعة اللبنانية لم تعُد جامعةً، بل إدارة طائفية مقنَّعة، وأنَّ التوظيف فيها تحوَّل إلى هدايا وجوائز ترضيةٍ للأحزاب الحاكمة، وأنّ مجلس الوزراء لم يعُد سلطةً تنفيذيةً تعمل للمصلحة العامة، بل لجنةَ تحكيمٍ بين طوائف متنافسة.

الجامعةُ التي تُدار بمنطق «الغنيمة» لا يمكن أن تُنتج علماً، ولا ثقافةً، ولا نهضةً، ولا تنويراً، بل تُعيد إنتاج الانهيار نفسه بلغةٍ أكاديمية. وحين تُفصلُ الكفاءةُ عن المسؤولية، تتحوّل المؤسساتُ التربوية من فضاءاتٍ عقلانيةٍ إلى أدواتِ ولاءٍ وتبعيةٍ تنتج الرداءةَ والجهلَ لا العلم.

إنَّ «تطييف» ملفِّ التفرّغ ليس تفصيلاً إدارياً، بل جريمة بحقِّ التعليم العالي، لأنّه يطيح المعايير، ويحوّل الجامعة اللبنانية إلى نسخةٍ مصغّرةٍ عن نظام المحاصصة الذي دمّر الدولة. وحين تسقطُ الجامعةُ، لا يبقى ما يُنقذُ الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى