نجدت أنزور… حين اختارت الكاميرا أن تروي ما لا يُقال
مايا إبراهيم تكتب : 🎬 نجدت أنزور… حين اختارت الكاميرا أن تروي ما لا يُقال
في دروب الفنّ الوعرة، هناك من يمرّ، وهناك من يترك أثرًا لا يُمحى. ونجدت أنزور، ابن الصورة الصافية، لم يكن مجرّد مخرجٍ عابر في الدراما السورية، بل كان صانعًا للدهشة، ومهندسًا للملاحم التي أعادت تعريف التوازن بين الترفيه والفكر، بين الحكاية والحقيقة.
هو ذاك الرجل الذي لم يرضَ أن تكون الشاشة مجرّد إطارٍ للحبكات المستهلكة أو الانفعالات الرتيبة، بل جعل منها منبرًا للصدام مع المسكوت عنه، ومع الموجة السائدة. كان دائمًا يمشي على حوافّ النار، لا يخشى لهيبها، بل يستدرجها لتكون ضوءًا في مشهده الطويل.
من “نهاية رجل شجاع”، المأخوذ عن رواية الأديب الكبير حنا مينة، والذي شكّل منعطفًا نوعيًا في الدراما العربية، إذ كسر النمط الإذاعي المصوّر، وفتح الباب أمام جيلٍ من المخرجين ليغوصوا في جماليات الكاميرا، ويبحثوا في الضوء، والمكان، والواقع… إلى “العوسج” و**“البواسل”** و**“الكواسر”، مرورًا بـ“إخوة التراب”** و**“سقف العالم”** و**“الحور العين”** و**“ما ملكت أيمانكم”**، لم يكن اختياره للمواضيع مصادفة، بل موقفًا. مواقفه كانت واضحة: أن تُحرّك الدراما الوعي لا الغرائز، أن تُثير الأسئلة لا أن تقدّم الأجوبة الجاهزة، أن تُزعج حين يجب، وتُدهش حين يجب.
ومن بين أكثر أعماله إثارة للنقاش، جاء “الموت القادم من الشرق”، عن نص الكاتب الكبير هاني السعدي، وهو عمل تخطّى الإطار الفني ليدخل حلبة الجدل السياسي والثقافي، وامتدّ تأثيره إلى الإعلام الإسرائيلي نفسه. فقد كتب الصحفي الإسرائيلي يورام بيليد في صحيفة يديعوت أحرونوت مقالًا تناول فيه العمل بقلق واضح، قائلاً:
“نجدت أنزور يؤسّس لِـنازية عربية جديدة.”
كانت الجملة صادمة في حدّتها، وتعكس مدى ما أثاره العمل من ردود فعل عنيفة خارج الحدود العربية، لا بسبب عنفٍ بصريّ أو خطابٍ تحريضي، بل لأنّه قلب الطاولة على السرديات السائدة، وقدّم رؤية عربية جريئة للصراع مع الاحتلال، بلغة درامية مدروسة، وإخراج يستنهض الذاكرة والوجدان.
أعاد عبر الكاميرا حكايات التاريخ من غبار الكتب إلى نبض الصورة، منح الشخصيات لحمًا ودمًا، وألبس الوقائع ثوب الدراما من دون أن يُفرغها من معناها. لم يكن التاريخ عنده سردًا بل استعادة، ولم يكن الحاضر عنده مجرد خلفية، بل مادة حارّة قابلة للجدل.
أعماله ليست سهلة الهضم، فهي تتطلب من المشاهد أن يكون شريكًا في التفكير، لا متلقّيًا سلبيًّا. يعرف أن الفنّ الحقيقي لا يُرضي الجميع، بل يفتح أبوابًا من التأمّل والنقاش. لذلك، حملته بعض الفئات على الأكتاف، بينما اختار آخرون أن يُشهِروا سيوفهم في وجهه.
لكنّ أنزور بقي، في كل الأحوال، وفيًّا لرسالته: أن يُخرج الفنّ من منطق التكرار إلى فضاء التغيير. أن يكون الصوت حين يصمت الآخرون، والعدسة التي ترى حيث لا يجرؤ الآخرون على النظر.
لقد اختار أن يكون الفنّ عنده موقفًا لا مجاملة، وأن تكون الصورة شرفًا لا استعراضًا. لذلك، مهما اختلف حوله الناس، يبقى نجدت أنزور أحد القلائل الذين غيّروا شكل الدراما العربية، وارتفعوا بها من هامش المتعة إلى صميم الفكرة.
⸻
🌌 الفنّ حين يرتقي إلى مصاف الرسالة…
نجدت أنزور ليس مجرد اسم مرّ في ذاكرة الشاشة، بل علامة فارقة في مسيرة الدراما العربية. بحسّه الجمالي وجرأته الفكرية، رفع السقف عاليًا، وأعاد تشكيل صورة المخرج كقائد رأي وصانع وعي، لا مجرد راوي مشاهد. هو من أولئك الذين لا يُقاس أثرهم بعدد المسلسلات، بل بحجم التغيير الذي أحدثوه في طريقة التفكير، وفي نوع الأسئلة التي زرعوها في عقول وقلوب المشاهدين.
ومهما اشتدّت العواصف، ستبقى بصمته شاهدة على زمنٍ كان فيه للفنّ قامة، وللرؤية أجنحة، وللحقّ صدى لا يُطفأ .
الإعلامية مايا إبراهيم







