بين المطرقة والسندان: بلدية بيروت على مفترق طائفي جديد
بقلم: المحامي خالد صبح
– في مشهد يعيد إلى الأذهان هشاشة التوازنات اللبنانية، تتأرجح استحقاقات الانتخابات البلدية في بيروت بين مطرقة التمثيل المسيحي وسندان الواقع الديموغرافي والسياسي. فبغياب الضامن السني الذي كان يُجسّده الرئيس سعد الحريري، والذي أسس والده الشهيد رفيق الحريري عرفاً ارتكز على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في بلدية بيروت، عادت الأصوات المسيحية لتطالب بتثبيت هذا العرف كحق مكتسب لا نقاش فيه.
– الرئيس سعد الحريري، الذي انسحب من المشهد السياسي في انتخابات 2022 لأسباب باتت معروفة، أما فيما خص الاستحقاق البلدي، فبالرغم من أنه لمح إلى احتمال المشاركة فيه في الكلمة التي ألقاها في ذكرى اغتيال والده بقوله: “كل شي بوقته حلو”، إلا أن “الحلو”، على ما يبدو، لم يحن بعد. عاد وترك الساحة السياسية تتخبط في فراغ قيادي انعكس على استحقاقات العاصمة الإدارية.
– في ظل هذا الفراغ، ارتفعت الأصوات المسيحية مطالبة بضمان انتخاب 12 عضواً مسيحياً في مجلس بلدية بيروت، كما تنص المناصفة، رغم أن الواقع الانتخابي يُظهر بأن المسيحيين قد لا يحظون بأكثر من أربعة أو خمسة أعضاء في ظل القانون الحالي وآلية الاقتراع. وهو ما دفع البعض إلى طرح سيناريو تقسيم العاصمة إلى “بيروت الغربية” و”بيروت الشرقية”، كلٌّ له بلديته، بذريعة أن المسلمين لا يصوّتون للمسيحيين، وأن التمثيل بات مختلاً.
– في المقابل، ظهرت اقتراحات لتعديل القانون الانتخابي، منها ما طرحه النائبان مارك ضو ووضاح صادق—اللذان يُعتبران من المقرّبين من رئيس الحكومة—ويقضي بتأجيل الانتخابات إلى أيلول المقبل، وإقرار لوائح مغلقة تُخصص 12 مقعداً للمسيحيين و12 للمسلمين. كما تقدّمت “القوات اللبنانية” بمشروع قانون مشابه، مطالبة بتأجيل الانتخابات أسبوعين بهدف تثبيت هذه الصيغة.
– لكن في قراءة متأنية، يبدو أن البعض في الوسط المسيحي يُراهن على فشل تعديل القانون، أملاً في أن تُجرى الانتخابات دون تغييرات، ما يفتح الباب أمام فوز محدود للمسيحيين، ومن ثمّ استخدام هذا الواقع لرفع الصوت والمطالبة بتقسيم بيروت، في خطوة تتماشى مع منطق اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة التي وردت في اتفاق الطائف، ولكنها تُستخدم هنا كغطاء لمشاريع فيدرالية مقنعة.
– هذا الواقع يضع الحكومة والمجلس النيابي أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بتكريس الأعراف التي أرساها رفيق الحريري خوفاً من تفكك العاصمة، أو المضيّ في انتخابات قد تعمّق الشرخ الطائفي وتُعيد طرح مشاريع التقسيم بلغة القانون والتمثيل.
ولا يغيب عن الصورة أن “بيروت الغربية” بدورها باتت موزعة بين السنة والشيعة والدروز، ما يجعل فرضية ان تكون رئاسة البلدية من حصة بيروتي غير محسومة، ويعقّد أكثر مسألة الاتفاق على صيغة جامعة.
– في المحصلة، ما زالت الدولة عاجزة عن إنتاج قانون انتخابي عادل يعكس التنوع اللبناني دون تكريس الطائفية، فيما تستعد الأحزاب والقوى السياسية للعب لعبتها المعتادة، متسلحة ببلوكات انتخابية وطائفية تتحكم بها منذ عقود.
– فهل نكون أمام مشهد يعيد إنتاج انقسام العاصمة ويكرّس الطائفية بصيغة قانونية جديدة؟ أم أن هناك مجالًا لحل وطني جامع يعيد الاعتبار لبيروت كعاصمة لكل اللبنانيين؟
– للاسف جميعنا يعلم الجواب.!!



