معايير اختيار رئيس بلدية طرابلس

بيان صادر من المحامي خالد صبح
تمرّ طرابلس اليوم بإحدى أصعب مراحلها: فوضى وتعديات على الأملاك العامة، انهيار شبه تام في المرافق البلدية، وغياب أي رؤية إنقاذية. تُهدَر كرامة الناس يومًا بعد يوم، في ظلّ واقع مالي متدهور وتخلّي أكثرية من يُفترض أنهم يمثلون المدينة عن مسؤولياتهم تجاهها.
وأمام هذا الواقع، لم يعد مقبولًا أن يُدار هذا الاستحقاق البلدي بمنطق الحسابات الضيقة أو المصالح العابرة. طرابلس تحتاج إلى من يحمل مشروعًا واضحًا للنهوض بها، وإلى مجلس بلدي منسجم يعمل كفريق واحد، يعيد للبلدية دورها، وللمدينة كرامتها، ولأهلها الثقة والأمل.
وقبل أن أدخل في صلب الموضوع، أؤكد أن ما يدفعني للحديث اليوم ليس طموحًا شخصيًا، بل التزامًا بقضية مدينة تستحق أن تُدار بعقل، وأن تُنصف بقرار، وأن تُستنهض بإرادة جماعية صادقة.
من هنا، اسمحوا لي أن أتشارك معكم، كمواطن طرابلسي، تصوّري حول معايير اختيار رئيس بلدية طرابلس في هذه المرحلة المفصلية…
إن موقع رئيس البلدية لا يمكن أن يُسلَّم إلا لمن يمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية، ويكون على دراية تامة بتعقيدات المرحلة ومتطلباتها. فالمسؤولية اليوم لا تحتمل المجاملة، ولا التجربة، ولا الشعارات.
طرابلس لا تحتاج إلى من يرفع الصوت فقط، بل إلى من يُحسن الإصغاء والفعل. لا تحتاج إلى وجه يُضاف إلى المشهد، بل إلى قيادة حقيقية تعمل بوعي، وواقعية، وانتماء صادق للمدينة.
من هنا، فإن اختيار رئيس البلدية في هذه المرحلة الانتقالية يجب أن يخضع لمعايير دقيقة تختلف عن تلك المعتمدة للمناصب الوزارية أو النيابية أو الإدارية. فطرابلس تحتاج إلى شخصية قيادية تمتلك الخبرة والكفاءة والرؤية، وقادرة على إدارة مرحلة إصلاح شاملة تنقل المدينة من الفوضى إلى النظام، ومن الغياب إلى الفعل، ومن التهميش إلى الحضور.
رئيس بلدية طرابلس المقبل يجب أن يكون صاحب مشروع واضح، قادرًا على فرض القانون وتنظيم المرفق العام، وإعادة هيبته، وحفظ كرامة موظفيه وشرطته وعماله، بما يضمن سير العمل ويُعيد الخدمات إلى مستواها الطبيعي، تلبيةً لحاجات أهل المدينة وسكانها، وتمهيدًا لوضعها في مسار النهوض والتقدّم الذي تستحقه.
كما يجب أن يكون متّسمًا بالواقعية، بعيدًا عن الشعارات، حاملًا رؤية قابلة للتطبيق، مؤمنًا بأن التغيير لا يكون بالكلام بل بالفعل، وبأن الناس بحاجة إلى نتائج ملموسة لا وعود مكرّرة.
وهو أيضًا مطالب بأن يكون صاحب تجربة، محل ثقة، يشبه المدينة بقيمها وتنوّعها، وقادرًا على التفاعل مع جميع مكوّناتها بمسافة واحدة، جامعًا لا مفرّقًا، متواضعًا لا متعاليًا، قريبًا من الناس لا منفصلًا عنهم.
ولأن النجاح لا يكون بقرار فردي، بل بعمل جماعي متكامل، لا بد أن يُمنح الرئيس المقبل هامشًا متقدّمًا لاختيار باقي أعضاء المجلس البلدي، بما يضمن أن يكون المجلس فريقًا واحدًا متناغمًا، لا مجموعة متنافرة تتجاذبها التناقضات أو الحسابات الخاصة، وليكون حضور كل عضو في موقعه إضافة لصالح طرابلس أولاً وأخيرًا.
كما من الضروري أن يراعي من يقع عليه الاختيار لرئاسة البلدية تمثيل مناطقنا الشعبية، التي طالما كانت زاخرة بالكفاءات والطاقات الخلّاقة، وأن يعمل على تعزيز تركيبة المجلس بأعضاء من أصحاب الكفاءة، ومن الذين يملكون حسّ الخدمة العامة والإيمان بجدوى العمل البلدي وأثره في حياة الناس. ولا يصحّ أن يغيب عنّا أيضًا أهمية التمثيل النسائي في المجلس البلدي، بحيث لا يقلّ عن ٢٥٪، إيمانًا بدور المرأة كشريك أساسي في النهوض بالمدينة وصناعة القرار المحلي.
في هذه المرحلة المفصلية، يجب أن ينصبّ اهتمام الجميع على حسن الاختيار، بعيدًا عن الاستمالة والإرضاء، لأننا لا نبحث عن اسم يُملأ به الموقع شكليًا، بل عن قيادة حقيقية تُعيد للمدينة اعتبارها، ولمؤسساتها دورها، ولأهلها كرامتهم وحقوقهم.
طرابلس أولًا، ويجب أن تبقى أولًا.



